السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ماذا يخبئ الغرب لنا سنة 2016؟

ماذا يخبئ الغرب لنا سنة 2016؟

د.أحمد القديدي

”نحن العرب اليوم مطلع سنة 2016 نجد أنفسنا تقريبا ومع بعض الاختلافات الجزئية في نفس أوضاعنا سنة 1916 أي بعد قرن كامل من تاريخنا الحديث وإنجاز استقلالاتنا الوطنية وبناء دولنا الراهنة على أسس (حديثة) استلهمناها من مفهوم (الدولة-الأمة) السائد في الفكر السياسي الأوروبي بعد النهضة الغربية. الغريب في معجزات التاريخ الإنساني أن الخلفية الاستراتيجية لأوضاعنا عام 1916 وعام 2016 هي ذاتها…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آخر ما حدث في الملف السوري الحارق هو الاتفاق الموقع (أو الشفوي) بين الولايات المتحدة وروسيا حول وقف العمليات العسكرية وما تبع الاتفاق من استثناء العمليات المستهدفة لتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة (مع العلم أن الفرز مستحيل) ثم ما أعلنه الرئيس السوري من أنه سيرد على كل عدوان وأيضا ما عبر عنه الناطق باسم (الجيش الحر) من نفس الاحترازات متبوعا بقول تركيا أنها سترد على كل من يستهدفها. هذه المواقف تعطيكم فكرة عن هشاشة الهدنة المعلنة. نحن إذن إزاء قرار العملاقين الموحد المتعلق بخطوة عملية على طريق شاقة طويلة نحو الحل ومن وراء هذا الاتفاق نجد تقهقر الوساطة الأممية إلى درجة أقل أهمية إن لم نقل ثانوية بل رمزية متمثلة في جهود الوسيط الأممي دي مستورا لإعادة الحياة لمفاوضات عسيرة متعثرة لم تعد في الحقيقة تجلب اهتمام الإعلاميين ولا تعليق المحللين. وأنا حين أبدأ مقالي المتواضع بالاتفاق بين (كيري) و(لافروف) فبغاية التأكيد على أن أخطر القرارات التي تؤثر في المشهد المشرقي وتغير خارطة المنطقة ليست تلك التي تتخذها (أو تريدها) القوى الإقليمية الحاضرة على مسرح الأزمات ولا التي تعلنها الأطراف المتصارعة المتواجدة على الميدان تحت شعارات طائفية أو إيديولوجية أو لأسباب استخباراتية بل إن أخطر القرارات هي تلك التي يتفق عليها رجلان يتقاسمان مسؤولية تحديد مصير المنطقة هما وزير الخارجية الأميركي ووزير الخارجية الروسي (في طبعة جديدة بعد قرن بالضبط من معاهدة رجلين آخرين هما في سنة 1916 (سايكس) و(بيكو) وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا أثناء جحيم الحرب العالمية الأولى واستعدادا لاقتسام ما سمياه تركة الرجل المحتضر أي الشرق الأوسط بعد تفكك الخلافة العثمانية. وإذا انتقلنا إلى مغربنا الإسلامي نجد أن بؤرة التوتر والعنف الليبية حين تفاقمت تداعياتها وانعكست بالهجرات المليونية على الغرب (مثل أختها السورية) ووصلت قوافل الهاربين من جهنم القصف والموت إلى سواحل الاتحاد الأوروبي بدأ التحرك العشوائي إزاء هذا الاجتياح من قبل كل دولة أوروبية على حدة وبطريقة ارتجالية سريعة تمثلت في إغلاق الحدود وإقامة الجدران وكهربة الأسلاك وعودة الأحزاب العنصرية للصدارة وانتهت إلى قتل معاهدة (شنغن) في الميدان قبل إلغائها باتفاق مكتوب. تعاقبت المؤتمرات الأوروبية لتحاول تنسيق سياسات مواجهة الهجرات الكبرى ومخاطر الإرهاب لكنها تنتهي دائما بحوار طرشان لسبب بسيط وهو أن لكل دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي مصالح خاصة بها تقتضيها ضرورات الجغرافيا وطبيعة تركيبتها السياسية الداخلية وأوليات أمنها الوطني. سمعنا في آخر هذه المؤتمرات في بروكسل تهديدات حقيقية بانفراط العقد الأوروبي وتذبذب المملكة البريطانية المتحدة بين الخروج نهائيا من الاتحاد وبين البقاء المشروط. وفي النهاية تبقى العقيدة الأوروبية هشة مهددة بين توجه أطلسي (أي أميركي) تقوده بريطانيا منذ (تشرشل) وتوجه أوروبي داخلي مستقل تقوده فرنسا منذ عهد الجنرال (ديجول).
نحن العرب اليوم مطلع سنة 2016 نجد أنفسنا تقريبا ومع بعض الاختلافات الجزئية في نفس أوضاعنا سنة 1916 أي بعد قرن كامل من تاريخنا الحديث وإنجاز استقلالاتنا الوطنية وبناء دولنا الراهنة على أسس (حديثة) استلهمناها من مفهوم (الدولة – الأمة) السائد في الفكر السياسي الأوروبي بعد النهضة الغربية. الغريب في معجزات التاريخ الإنساني أن الخلفية الاستراتيجية لأوضاعنا عام 1916 وعام 2016 هي ذاتها على الأقل من ناحية الرمز وهي خلفية (الخلافة). ففي مطلع القرن العشرين كان العدو الأخطر على الغرب هو بقاء الخلافة العثمانية قوية بولاياتها العربية والبلقانية (في قلب أوروبا) والآسيوية (إلى حدود القوقاز) تهدد مصالح أوروبا وأساطيلها البحرية ومستعمراتها المغتصبة بل إن السلطان العثماني أعلن حربا ضد روسيا القيصرية بين عامي 1853 و1856 عرفت بحرب القرم (مات فيها جنود توانسة بعث بهم ملك تونس مساهمة في مجهود حرب السلطنة العثمانية !!!) كان قلب الحرب بين الامبراطوريتين العثمانية والروسية في شبه جزيرة القرم وفي ميناء (سيباستوبول) بالتحديد. وكانت بريطانيا وفرنسا حليفتين للسلطان العثماني بقصد صد القيصر الروسي عن تهديد أوروبا. مع العلم أن روسيا انهزمت في تلك الحرب ووقعت معاهدة باريس للاستسلام سنة 1856. لكن التحالف الأوروبي مع الخلافة الإسلامية لم يدم طويلا فما إن هزمت روسيا حتى تعزز التحالف الاستعماري الصليبي بين باريس ولندن لفتح جبهة تاريخية ضد دار الإسلام وبداية تفتيت خلافة إسطنبول إلى انهيارها سنة 1924 بقدوم مصطفى كمال أتاتورك وعزل تركيا عن بقية بلاد المسلمين. واليوم فإن مصطلح (الخلافة) اكتسى معاني مختلفة وأصبح رمزا لمنظمة متطرفة مسلحة نعلم جيدا كيف ولدت مع حل الجيش العراقي سنة 2003 وكيف ترعرعت من بقايا التخبط الأميركي في أفغانستان ثم العراق نتيجة التنافس الجيواستراتيجي بين العملاقين الأميركي والروسي. أعتقد والله أعلم أن سنة 2016 ستكون أول حلقة مرعبة من صدام الحضارات الذي بشر به المفكر الأميركي اليهودي (صامويل هنتنجتون) سنة 1992 وأعتقد أن تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ من العالم العربي والإسلامي هو العقيدة العسكرية والحضارية لحلف الناتو لعل خطة المحافظين الجدد تعبر عنها بوضوح منذ حروب الخليج ومنذ زلزال سبتمبر 2001 وبالطبع فإن ساحتي الوغى الأكثر احتمالا هما سوريا وليبيا. وأرجو ألا تستخلصوا أننا العرب ضحايا مؤامرات ودسائس بل نحن مسؤولون عن أخطائنا المتعاقبة وسوء تقديرنا المتراكم وعدم اعتبارنا بأحداث التاريخ رغم أن الإمام علي كرم الله وجهه هو القائل: ما أكثر العبر و ما أقل الاعتبار.

إلى الأعلى