الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رؤية مستقبلية إلى فتيل الصراعات والحروب في القرن الـ 21

رؤية مستقبلية إلى فتيل الصراعات والحروب في القرن الـ 21

محمد بن سعيد الفطيسي

” بالنظر الدقيق الى الخارطة الجيوسياسية الدولية للقرن الحادي والعشرين وما شابها من صراعات وحروب وتحولات جيواستراتيجية وجيوبولتيكية خلال العقد الماضي وبدايات العقد الثاني, يتأكد لنا شكل النظام العالمي المستقبلي الذي يمكن أن ترسمه امتدادات وانعكاسات تلك الحروب والصراعات, والتي يمكن للمتابع العادي والبسيط أن يعرف بأنها لم تكن تتجاوز عتبات أبواب النعرات القومية والطائفية…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتساءل الدكتور جورج قرم: وهو مفكر وكاتب سياسي واقتصادي لبناني حول المسألة الدينية والطائفية والقومية التي برزت بقوة منذ منتصف القرن العشرون وبداية القرن الحادي والعشرين فيقول: هل ان ما يحدث على الساحة الدولية هو نتيجة عودة الدين إلى المعترك السياسي، أم الى استخدامه كوسيلة في الصراعات السياسية؟, وهل نحن حقا بصدد صراع حضارات بين الغرب والإسلام كما روّج لذلك هنتينغتون؟ حيث يؤكد قرم أن “المسألة الدينية” شديدة التعقيد، ويمكن القول إننا لا نشهد عودة الدين إلى الساحة العالمية، بقدر ما نشهد استخدامه من طرف جماعات متشدّدة لأغراض سياسية واقتصادية لا علاقة لها بجوهر الدين.
ونقو إننا شئنا أم أبينا، فالعالم اليوم يتجه بخطوات متسارعة وثابتة الى طريق الحروب والصراعات التي ترتبط ارتباطا كاملا بصراع الأيديولوجيات أو الصدوع الثقافية من جهة والحروب الطائفية والقومية من جهة أخرى, وذلك نتيجة لتلك المحفزات النفسية والدينية والاقتصادية التي تستغلها بعض الدول والمؤسسات والجماعات الدولية المتعصبة أو النفعية – وليس بالضرورة ان تكون جماعات متشددة كما يصفها جورج قرم – بغرض تجاري أو سياسي أو اقتصادي.
وليس هناك ما يؤكد ولو بنسبة قليلة جدا على ان مستقبل النظام العالمي القائم اليوم يمكن ان يستقر سياسيا خلال ما تبقى من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين على اقل تقدير – وبمعنى آخر – انه لا توجد أي مؤشرات دقيقة يمكن الاستناد عليها أو الوثوق بها من الناحيتين السياسية والاقتصادية يمكن أن تعطي تلك المساحة الكافية من الأمل للوثوق بمستقبل بشري لا تشوبه الفوضى والصراعات والحروب التي تحركها تلك المحفزات.
والحقيقة أن هذه النظرة التشاؤمية الى المستقبل لم يتم اختزالها في رؤية قاصرة على مساحة جغرافية محدودة لمتغيرات النظام العالمي القائم منذ بداية القرن الحادي والعشرين, بحيث ألغينا كل معالم الأمل في تلك التحولات الطيبة على المستويين السياسي والاقتصادي الدولي, وإنما قمنا ببنائها على عدد من الأسس العلمية التي يمكن الاستناد عليها في استشراف المستقبل وقراءة ما بين سطور وهوامش الخارطة الجيوسياسية الدولية المستقبلية في هذا السياق.
وبالرجوع الى مقال لنا تحت عنوان ” العالم بعد العام 2010م:إسقاطات جيو سياسية مستقبلية”, قمنا من خلاله بعملية مقارنة تاريخية بين تلك الصراعات والحروب التي رافقت جل عقود القرنين التاسع عشر والقرن العشرين وبداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين, والتي أكدنا من خلاله على ان الصراعات والحروب كانت المرافق الأزلي الدائم للتاريخ السياسي والتحولات العالمية, وتوقعنا ان تستمر تلك الصراعات والحروب خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين نتيجة استمرار الأسباب التي تدفع الى ذلك.
وفي هذا السياق نفسه يقول الدكتور ايرل تيلفورد – وهو مدير البحوث بمعهد الدراسات الإستراتيجية بكلية الحرب التابعة للجيش الأميركي – ان الصراعات العرقية والدينية قد لازمتنا منذ فجر التاريخ وسوف تستمر خلال القرن الحادي والعشرين, ويضيف هناك ثلاثة أنواع من الحروب هي: حرب المواجهة وحرب السيطرة وحرب البنية التحتية, وفي سياق شرحه لتلك الحروب, قال: ستكون حروب السيطرة هي أكثر الصيغ شيوعا في حروب المستقبل, وهي من نوع الحرب التي نفذتها يوغسلافيا السابقة بنجاح تام, بينما كان حلف شمال الأطلسي منهمكا في حروب جوية مبنية على مبادئ الثورة في الشؤون العسكرية.
من هذه الناحية نؤكد من جديد على أن أهم وابرز مواطن الأسباب والدوافع الأيديولوجية التي يمكن ان تتسبب بتلك الحروب والصراعات الداخلية أو الإقليمية أو تلك العابرة للقارات, والتي نؤكد على أنها ستكون الشرارة الأكبر لحروب وصراعات ستتسبب بخسائر بشرية اكبر بكثير مما مر على البشرية في العقود الماضية, وذلك نتيجة لتراكم المعرفة والخبرة التاريخية في طرق الإبادة الجماعية وتوفر أدوات ووسائل القتل المتقدم, واستثمار الأموال الطائلة في امتلاك تلك الأدوات والوسائل التكنولوجية الحديثة والمتطورة هي الصراعات والحروب التي ستحركها الأفكار القومية والمذهبية والطائفية, أكان ذلك على مستوى الأفراد أو الجماعات المتشددة أو حتى الدول القومية العابرة للقارات, وبالطبع فان حروب الخبز, أو كما يطلق عليها بثورة الجياع ستكون المحفز الثاني لصراعات وحروب لا تقل أهمية من الناحية الجيوسياسية لرسم خارطة الأنظمة السياسية العالمية خلال المرحلة القادمة.
وسواء كنا متفائلين بتلك المحفزات السياسية والاقتصادية والتقدم العلمي ونضوج المجتمعات المدنية الحديثة, فان ذلك لا يمكن له ان يوقف التيار الجارف لحتمية الصراع والاستمرار والبقاء ودوافع الاستعمار والتوسع والسيطرة الأزلية للقوى الكبرى, كما انه لا يمكن له ان يحتوي تلك المعتقدات والأفكار والثقافات التي لا زالت تدفع بالإنسانية دفعا نحو حتفها كالطائفية والقومية والمذهبية والشعوبية, لذلك كان جيمس سجالنجر مصيبا بنحو لا يقبل الشك عندما توصل في عام 1992م الى ان النظام العالمي المستقبلي سترسمه سياسة القوة والصراعات القومية والتوترات العرقية.
وبالنظر الدقيق الى الخارطة الجيوسياسية الدولية للقرن الحادي والعشرين وما شابها من صراعات وحروب وتحولات جيواستراتيجية وجيوبولتيكية خلال العقد الماضي وبدايات العقد الثاني, يتأكد لنا شكل النظام العالمي المستقبلي الذي يمكن ان ترسمه امتدادات وانعكاسات تلك الحروب والصراعات, والتي يمكن للمتابع العادي والبسيط ان يعرف بأنها لم تكن تتجاوز عتبات أبواب النعرات القومية والطائفية وتلك التي تساهم في صناعتها الامبريالية والتوسعية وأطماع الدول الكبرى.
فمن أحداث سبتمبر من العام 2001م الى غزو أفغانستان والعراق والحرب الروسية الجورجية, الى يقظة الهندوسية في الهند العلمانية الديموقراطية مع ما يرافقها من مجازر متبادلة بين المسلمين والهندوس، وانتفاضة إسلامية في الفيليبين، ومعارك طاحنة في كشمير، وتفجيرات إرهابية في إندونيسيا، مروراً بسريلانكا وصولاً إلى الحرب الأهلية الطائفية في العراق, الى محاولات تفتيت الدول وتجزئتها طائفيا ومذهبيا كما هو الحال في اليمن والسودان وسوريا والعراق على سبيل المثال لا الحصر.
كما أننا لا يمكن ان نتناسى الساحتين الاميركية والأوربية والتي ينتشر فيهما حتى الساعة هذا النوع من الصراعات الأيديولوجية والقومية وبشكل واضح, فعلى ما يبدو ان الولايات المتحدة الاميركية بتنوعها الديمقراطي والعرقي تتجه بطريقة ما الى صدام من نوع ما بين تلك الطبقة الحاكمة والمسيطرة من الأثرياء والإقطاعيين والرأسماليين وتلك الشريحة المهمشة من الشعب الأميركي, كما ان أوروبا الغربية سوف تدخل في مرحلة جديدة تتضمن المزيد من الزلازل القومية – الاجتماعية، (وما يحدث الآن في بلجيكا يمكن أن يحدث في سويسرا والتي تعاني بدورها من وجود كتلتين سكانيتين تعتمد إحداها الثقافة الفرنسية والأخرى الثقافة الألمانية, هذا، وتقول المعلومات بأن إيطاليا سوف تعاني أيضاً من ظاهرة التفاوت بين الشمال والجنوب الإيطالي، وحتى شمال السويد تقول المعلومات بأن سكانه أصبحوا أكثر عنصرية إزاء سكان جنوب السويد، وذلك بسبب اعتدادهم الآري بشعرهم الذهبي الذي يميزهم عن الآخرين! ).
خلاصة الأمر, ان ما يحدث اليوم في اغلب دول العالم بلا استثناء, من حروب طائفية وصراعات قومية, وحتى في تلك الدول المستقرة سياسيا كما يطلق عليها في الاصطلاح السياسي تعاني من تلك المحفزات, ولكن بطريقة مكبوتة بعض الشيء نتيجة القبضة الأمنية والعسكرية للنظام السياسي أو ضعف حالة تلك الجماعات أو الأفراد في الوقت الراهن, أو حتى على مستوى توجهات الدول القومية العابرة للقارات كالولايات المتحدة الاميركية وروسيا على سبيل المثال لا الحصر, سيصنع شكل الخارطة الجيوسياسية الدولية المستقبلية خلال المرحلة القادمة على رقعة الشطرنج الكبرى.

إلى الأعلى