الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / الحلقة (20): حق الأسرة (الزواج والأمومة) في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية

الحلقة (20): حق الأسرة (الزواج والأمومة) في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية

نواصل الحديث عن حقوق الإنسان المختلفة، والتي نستنير في بيانها من خلال استقراء وتتبع مقاصد وغايات النصوص الشرعية والنصوص القانونية العمانية وغيرها ، وقد سبق الحديث في الحلقات السابقة عن جملة الحقوق الإنسانية المرتبطة بالجوانب المدنية والسياسية والاقتصادية ، وفي هذه الحلقة نستفتح الحديث عن الحقوق الاجتماعية المقرة للإنسان حيث إن ديننا الحنيف السمح رعى حق تكوين الأسرة وما يتصل بها من حقوق وواجبات من حيث الأمومة والرابطة الزوجية وغيرها ، وقد دلّت على ذلك الكثير من النصوص الشرعية، منها قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء)”النساء/1″، وقال:(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)”الأعراف/189″ وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) فدلالة النصوص الشرعية واضحة المقصد في الحدث على تكوين الأسر والمحافظة على تكاثر نسلها وسلامة مولودها وقد جاءت التشريعات الدستورية العمانية عبر نظامها الأساسي وقوانينها الخاصة بالأحوال الشخصية وغيرها مؤكدة على حق الإنسان في التكوين الأسري وما يتصل به من الزواج والأمومة وغيرها، اتضح بما أوردته المادة (12) في بندها الثالث منها بقولها: “الأسرة أساس المجتمع، وينظم القانون وسائل حمايتها، والحفاظ على كيانها الشرعي، وتـقـوية أواصرها وقيمها، ورعاية أفرادها وتوفير الظروف المناسبة لتـنمية ملكاتهم وقدراتهم”. كما نظّم قانون الأحوال الشخصية العماني هذا الحق، وذلك من حيث تعريفه للزواج وإباحته له، وبيان الحقوق المترتبة عليه لكلا الزوجين تجاه الآخر، وتجاه الأبناء والمحضون. وقد تطرق القانون المذكور إلى ذلك من خلال مواد عدة منها المادة (4) القائلة: “الزواج عقد شرعي، بين رجل وامرأة، غايته الإحصان وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوج، على أسس تكفل لهما تحمل أعبائهما بمودة ورحمة…” وجاءت المادة (36) منه مبينة الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، وتابعتها المادة (37) المبينة حقوق الزوجة على زوجهـا، والمادة (38) المبينة حقوق الزوج على زوجته. كما أكد على مضمون هذه النصوص وغيرها البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام الذي اعتمد من قبل المجلس الإسلامي في باريس بتاريخ 21 من ذي القعدة 1401هـ، الموافق 19 أيلول/سبتمبر 1981م، وذلك عندما تطرق إلى حق بناء الأسرة فأكّد في بنود متعددة على أن: “الزواج – بإطاره الإسلامي – حق لكل إنسان، وهو الطريق الشرعي لبناء الأسرة وإنجاب الذرية، وإعفاف النفس…، ولكل من الزوجين قبل الآخر ـ عليه وله ـ حقوق وواجبات متكافئة قررتها الشريعة (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) “البقرة/228″، ولكل طفل على أبويه حق إحسان تربيته، وتعليمه، وتأديبه، وإذا عجز والدا الطفل عن الوفاء بمسئوليتهما نحوه انتقلت هذه المسئولية إلى المجتمع، وتكون نفقات الطفل في بيت مال المسلمين – الخزانة العامة للدولة -، ولكل فرد في الأسرة أن ينال منها ما هو في حاجة إليه: من كفاية مادية، ومن رعاية وحنان، في طفولته، وشيخوخته، وعجزه. وللوالدين على أولادهما حق كفالتهما ماديا ورعايتهما بدنيا، ونفسيا، ومسئولية الأسرة شركة بين أفرادها، كل بحسب طاقته، وطبيعة فطرته، وهى مسئولية تتجاوز دائرة الآباء والأولاد، لتعم الأقارب وذوي الأرحام، ولا يجبر الفتى أو الفتاة على الزواج ممن لا يرغب فيه….”. ومن حيث الاهتمام الدولي والإقليمي بحق تكوين الأسرة والمحافظ عليها، فإن القوانين الدولية المختلفة نصت على ذلك أيضا، ويتصدرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث أشار إلى ذلك في المادة(16). وأكد العهدان الدوليان للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق الأسرة كذلك. وكذلك الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان أقر حق التكوين الأسري، وواجب الدولة حمايته ومعونته في كل شؤونه وشؤون أفراده، وذلك في بنود المادة(18) منه. كما أكدت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على حق تكوين الأسرة في مادتها (12) بقولها: “للرجل والمرأة في سن الزواج حق التزوج وتكوين أسرة وفقاً للقوانين الوطنية التي تحكم ممارسة هذا الحق”. وينص الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان الصادر عن منظمة الدول الأمريكية بالقرار رقم: (30)، الذي اتخذه المؤتمر الدولي التاسع للدول الأمريكية عام 1948م على أن لكل شخص الحق في تكوين أسرة – العنصر الأساسي للمجتمع – والحصول على الحماية لها. ولكل النساء – أثناء الحمل وفترة الرضاعة – ولكل الأطفال الحق في الحماية الخاصة والرعاية والمساعدة. كما أكدت أغلب – إن لم يكن – كل دول مجلس التعاون الخليجي في دساتيرها على حقوق الأسرة، فقد نص على ذلك كل من: دستور الإمارات العربية المتحدة في المواد (15 – 16)، وينص عليه دستور دولة قطر في المواد (21 – 22)، وكذلك دستور دولة الكويت في المواد (9 – 10). والنظام الأساسي للحكم في السعودية في المواد (9 – 10). إن غاية المشرّع الشرعي، والتنظيم القانوني العماني وغيره، من التأكيد على حق الأسرة من حيث الزواج وما يتفرع عنه من الأمومة والأبوة وغيرها له من الغايات والمقاصد الكبيرة والعظيمة ما يحقق المودة والوئام، والعشرة والانسجام بين الرجل والمرأة. ولأجل ذلك وضعت الكثير من الطرق والوسائل، ومختلف صور التعاون والجمائل، لتحقيق تلك المقاصد والحقوق المأمولة من تقرير حق الأسرة، منها: الحث الشرعي والقانوني على الزواج وتحريم السفاح بإباحة النكاح، وتشريع الأنظمة والقوانين التي تضمن استمرار الجنس البشري بصورة منظمة تحفظ الأنساب والبيوت، كما أن الدولة العمانية أوجدت من سبل الحصول على الأرزاق العديد من فرص العمل المختلفة ليتمكن الأفراد وتستطيع الأسر على تلبية حاجتها ومتطلبات أبنائها، ومن ذلك أيضا ما قام به مجلس الشورى العماني من إقرار لإنشاء صندوق الزواج للشباب، عبر تقرير اللجنة الصحية والاجتماعية فيه، حيث قرر رفعه إلى المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث جاء الإقرار بعد مناقشات موسّعة ومستفيضة من قبل أصحاب السعادة أعضاء المجلس لمشتملات التقرير وإبدائهم بعض المقترحات والتعديلات عليه. وهناك جملة وسائل للمحافظ على الأسرة اختصرها البعض بالذكر في النقاط الآتية: توثيق عقد الزواج، والإشهاد على عقد الزواج وإعلانه، وقيد المواليد، ومحاربة الأشكال غير المشروعة للزواج، والتصدي للأفكار المنحرفة، وإشاعة الوعي بقيمة العلاقة الزوجية وآدابها، وتيسير سبل التقاضي وحل المنازعات. وإلى لقاء آخر يجمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال…

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي
- المحكمة العليا
msd99509559@hotmail.com

إلى الأعلى