الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاثي الأبعاد : آلام الترجمة

ثلاثي الأبعاد : آلام الترجمة

**
من منا لم يختبر الآلم ويذقه بشكل يومي بشكل مباشر أو غير مباشر، فالإنسان مفطور على الآلم منذ ولادته فهو يخرج للحياة وهو يبكي والجسد الذي أخرجه للحياة عانى أشد أنواع الآلم وأكثرها على الإطلاق لذلك يقال ان المرأة كأنما تبعث للحياة من جديد بعد الولادة، كل شيء في الحياة لا يخلو من الألم نتاج الإنسان يتألم فشاشات التلفاز تنقل الآلم عبر المشاهد التي تنقلها للجمهور والسيارة تتألم عندما تتلطخ بالدماء بعد حادث مميت والأشجار تتألم من المحل ومدن تتألم عندما يغرقها الفيضان حتى الكلمات تخرج حزينة من تجربة شاعر يتألم أو أديب يتعذب، كثير هو الألم ومفروض علينا في هذه الحياة ومن لم يذق الألم فهو لم يختبر الحياة ولم يجربها كما ينبغي وهذا الشخص لم يأت بعد للحياة أو لن يأتي أساساً، فإذا كانت الحروف تتألم فكيف ببني البشر، وهذا ما أنا بصدد الحديث عنه وهو ألم الكلمات، الكلمات تتألم وتؤلم من يقرأها وليس الكلمات التي تحمل حزناً أو أسى فقط، لا ليست هي وحدها من يتألم بل رأيت بعض الجمل تتألم عند ترجمتها وكأنها تقول أسعفوني فقد أرهقتني هذه الترجمة، بعض المترجمين عندما يترجمون الكتب باختلافها يرتكبون جرائم في حق النص الأصلي فتخرج الكلمات متألمة لا يداويها إلا المترجم الشاطر لذا توجد الكثير من الكتب من لغات أخرى ترجمت للعربية لمترجمين عدة ولكن هناك من أجاد الترجمة وساهم في إعادة كتابة النص بلغة جميلة مفهومة لم تحدث أي أخلل في النص الأصلي بينما ترجمات أخرى خرجت من قالب النص الأصلي وقفزت به إلى عوالم أخرى فاختل النص ولم يصل للقارئ كما يجب أن يصل فأصبح هناك كتاب مترجم درجة اولى وآخر درجة ثانية وهكذا .
وبما أنني من عشاق الكتب المترجمة فقرأت قبل فترة كتاب الخيميائي وكنت قرأت نفس الكتاب لمترجم آخر إلا أني خرجت بأفكار وروئ مختلفة فكان من الأفضل أن يتم اعتماد نسخة واحدة من هذا الكتاب حتى لا تتأثر سمعة الكتاب والكاتب ولا يتأثر بسبب ترجمة لا ترقى ومستوى الكتابة الأصلية فكانت الكلمات تتألم بسبب رداءة الترجمة في النسخة التي قرأتها أولاً وكأنها حبست في سجن انفرادي بينما كانت تطير حرية في النسخة الأخرى لأنها حملت معنى الكتاب الأصلي وروحه من خلال الترجمة المتقنة، والتي دائماً ما أجدها في دار المنى (السويد) في معرض مسقط للكتاب.
وهناك حادثة هي ما قادتني لكتابة هذا المقال سردتها لي من عاشت تجربة حزينة بسبب ترجمة وذلك عندما انضمت لفريق خيري في أحد بلدان شرق آسيا فقاموا بتنفيذ مشروع ترجمة القرآن الكريم كنوع من التطوع وتوزيعه على الأطفال الفقراء حيث إن الفريق لا يملك أي دخل مادي ولا يستطيعون شراء نسخ بترجمات أصلية، وبعد مضي سنة ونصف تقريباً تلقى الفريق شكوى بأن الكثير من الكلمات المستخدمة في ترجمة القرآن قد أخلت بالمعنى وأخرجت النص عن معناه الحقيقي والمشكلة الأكبر أن هذا الفريق أعلن مسابقة لحفظ القرآن من خلال تلك الترجمة، مما تطلب الأمر جهداً مضاعفا ليصلوا لكل الأطفال التي وزعت عليهم النسخ ولإبلاغهم أن المعنى غير صحيح، حادثة مثل هذه وإن كانت على مستوى عدد بسيط من الأطفال ولكنها تدل بأن الترجمة علم إذا لم يتقن فإنه قد يشوهه تاريخ ويحطم مبادئ ويحرف رسائل سماوية ويدمر أمما. فلا مبالغة إذا قيل ان الكلمات تتألم وهي ترجمة خطأ وتنقل من لغة إلى أخرى حاملة معها ذنب مترجمها .
لا تدعوا الكلمات تتألم من جهل فيكفي ألم الإنسان الذي أرهقها وجعلها تعيش في نزيف دائم ، الكلمات لابد أن تحترم لتصل إلى القارئ باحترام.
وهنا أتساءل: أليس هناك مؤسسة عالمية تُعنى بمراجعة الكتب المترجمة قبل اعتمادها للنشر ؟ إن وجدت فهي المسئول الأول عن جرائم الترجمة وليس المترجم وحده من يتحمل الذنب .

خولة الحوسنية

إلى الأعلى