السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوغلو في طهران.. ماذا بعد؟

أوغلو في طهران.. ماذا بعد؟

السيد عبد العليم

” .. ترتب على المشاكل الداخلية الكثيرة والأزمة السورية في الجوار، تراجع كبير في عدد السياح الوافدين لتركيا والذي يمثل رافدا كبيرا في الدخل القومي التركي إضافة الى تقلص علاقاتها التجارية والاقتصادية مع عدد من بلدان المنطقة بسبب الخلافات السياسية من ناحية أو بسبب عدم الاستقرار الذي تشهده تلك الدول.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاءت زيارة رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو لطهران ولقاؤه كبار المسئولين الإيرانيين بمن فيهم الرئيس حسن روحاني يومي الجمعة والسبت الماضيين لتثير تساؤلات بشأن مغزى وتوقيت الزيارة وأهدافها. فهل هي محاولة لفتح ثغرة في جدار المواجهة المحتدمة مع طهران؟ أم هي محاولة للتحاور والتواصل ومن ثم تكون بداية لحوار أكبر تستهله أنقرة وتتبعه عواصم عربية للتوصل إلى تفاهمات لحل الخلافات بين الأطراف في المنطقة بدلا من التصعيد السياسي والعسكري الذي يزيد الأمور تعقيدا ولا يعمل في صالح أي من الأطراف؟
بدت العلاقات بين تركيا وإيران في الأونة الأخيرة في اسوأ أحوالها. وذلك جراء دخول تركيا ضمن التحالف الاسلامي الذي تعمل على تشكيله المملكة العربية السعودية والذي يتخذ بشكل ما نوعا من التحالف المذهبي السني. والذي يبدو للوهلة الأولى موجها ضد السياسات الإيرانية في المنطقة العربية. وتصاعدت التوترات في الأونة الأخيرة سيما بعد الاعلان عن محاولة القيام بغزو بري بقيادة السعودية للأراضي السورية انطلاقا من الاراضي التركية، فضلا عن ارسال طائرات سعودية وخليجية لقاعدة انجرليك التركية لشن ضربات داخل الاراضي السورية لصالح القوى المناهضة للرئيس السوري بشار الاسد. كما تعلن تركيا التي هي عضو في حلف شمال الاطلسي”ناتو” أنها مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى ضد نظام بشار الأسد وتساعد القوى المعارضة له. هذا في الوقت الذي تتخذ فيه ايران موقفا عكس ذلك من حيث دعم نظام الرئيس بشار الاسد بما يجعلها اكبر حليف له لتتحد في ذلك مع روسيا التي دخلت بثقلها لدعم الأسد.
ومع ادراك القوى الغربية أن رهان الاطاحة بالنظام السوري بات مستحيلا الان، ومن ثم تراجعت مواقف تلك الدول بشأن بقاء الرئيس بشار الأسد بحيث لم يعد هو الشرط المطلوب لجولات المفاوضات في جنيف لتسوية الأزمة السورية بسبب تعقيداتها الكثيرة والتدخلات الاقليمية والدولية المتصارعة داخل الأراضي السورية وميزان القوة على الأرض. فكل ذلك ربما دفع تركيا الى تليين موقفها هي الأخرى، لادراكها بخسارة ذلك الرهان ولو في المرحلة الراهنة على الاقل. اي ان ميزان القوى في الاراضي السورية بات يعمل لصالح النظام وحلفائه ايران وروسيا. فضلا عن أن تركيا صارت تواجه مشاكل وأعباء كثيرة داخليا وخارجيا من قبيل التفجيرات التي تشهدها مدنها تحت وقع محاولتها تضييق الخناق على عناصر حزب العمال الكردستاني والضغط على الأكراد عموما، بل والدخول في حرب مفتوحة مع فصائل منهم واعتبارهم جماعة ارهابية واتخاذ الحل الأمني سبيلا وحيدا في التعاطي معهم. فضلا عن الصراع المتصاعد بين الرئيس رجب طيب اردوغان والمعارضة التي يتزعمها الداعية الاسلامي فتح الله جولن المقيم في أميركا ولعل أحدثها ما تم من السيطرة على صحيفة “زمان” الموالية لجولن. إضافة إلى أن اردوغان يسعى الى جمع السلطات كلها في يده بشكل يتجه الى الحكم الشمولي. فقد ترتب على المشاكل الداخلية الكثيرة والأزمة السورية في الجوار، تراجع كبير في عدد السياح الوافدين لتركيا والذي يمثل رافدا كبيرا في الدخل القومي التركي إضافة إلى تقلص علاقاتها التجارية والاقتصادية مع عدد من بلدان المنطقة بسبب الخلافات السياسية من ناحية او بسبب عدم الاستقرار الذي تشهده تلك الدول. مما يدفعها الى البحث عن مخرج للأوضاع الاقتصادية الداخلية بفتح علاقات او تعزيز علاقات قائمة وتنشيطها مع بلدان أخرى تأتي في مقدمتها إيران المجاورة لاسيما مع حاجة تركيا للغاز الإيراني.
يأتي ذلك في وقت تخرج فيه ايران من عزلتها الاقتصادية بعد رفع العقوبات التي كانت مفروضة عليها إثر التوصل الى اتفاق بشأن ملفها النووي مع القوى العالمية الست، بشكل قوي جراء ما تتمتع به من استقرار داخلي ونمو اقتصادي يجعلها محل جذب للاستثمارات والشراكات الاقتصادية مع كثير من شركات ودول العالم.
ومن هنا فإن جزءا كبيرا من زيارة أوغلو هو بمثابة محاولة لتغليب المصالح الاقتصادية التركية على الخلافات والنزاعات السياسية والعمل على تحقيق تلك المصالح بعيدا عن التجاذبات السياسية. أي الواقعية أو ما يسمى بالبراجماتية في السياسة، فحيثما كانت المصلحة كانت العلاقة. وليس كما يحلو لبعض هواة السياسة في المنطقة الذين يسيرون في اتجاه احادي الى ما لا نهاية، حتى لو كان اخره حائط صد يمكن ان يهلك عنده الجميع. او كالقطار الذي يسير على القضبان بدون مكابح.
ولقد ظهر ذلك جليا في تلك الزيارة، حيث كان التركيز بشكل كبير على الجانب الاقتصادي والمبادلات التجارية، بداية من اعضاء الوفد المرافق لاوغلو والذي كان من الوزراء المعنيين بالاقتصاد والتجارة بالاساس. واذا كانت المبادلات التجارية بين البلدين بلغت 22 مليار دولار قبل التوترات الاخيرة التي كان لها انعكاسها السلبي بحدوث تراجع كبير في تلك المبادلات بما كان له اثره على البلدين، فقد تم الاعلان خلال الزيارة عن الرغبة في زيادة تلك المبادلات الى 30 مليار دولار.
غير ان البعد السياسي كان له حضوره ايضا في الزيارة. وكان هناك نوع من المصارحة المعلنة. وذلك عندما تم الاعلان بان هناك اختلافات في وجهات النظر بشأن القضايا والنزاعات الدائرة في المنطقة، وانه لا يمكن حلها في جلسة حوار واحدة بل انها بحاجة الى مزيد من النقاش والبحث للتوصل الى تفاهمات وحلول. ولكن اوضاع المنطقة الحالية بحاجة عاجلة الى تخفيف حدة التوترات ولاسيما المذهبية والتوقف عن التصعيد والبحث في مخارج لها.
وليس من المبالغة القول ان زيارة اوغلو لطهران ـ القوية الحين والواعدة سياسيا واقتصاديا ـ سيكون لها ما بعدها. وذلك انه مع دفع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، يمكن ان تمثل جس نبض للحوار مع طهران وامكانية التوصل الى تفاهمات بشأن القضايا الاقليمية وخاصة في سوريا. وفي نفس الوقت ربما انها تحمل رسالة بشأن المواقف الإيرانية من النزاعات الناشبة في المنطقة العربية ومحاولة توسيع الحوار معها ليكون في النهاية هناك حوار ايراني ـ تركي ـ خليجي لحلحلة الخلافات وتسوية النزاعات التي عجزت الآلة العسكرية للقوى الاقليمية والدولية عن حلها والتي لن تحل في النهاية إلا عن طريق الحوار.
وذلك لأن ما يجمع بين القوى الرئيسية في المنطقة أكثر بكثير مما يفرقها، فهناك التجاور الجغرافي والتقارب الثقافي والديني والمصالح الاقتصادية المتبادلة، اما ما يفرقها فهي المشاحنات والمناكفات السياسية والحروب بالوكالة التي تضر ولا تنفع. وأن تلك النزاعات والمناكفات تفضي الى توجيه موارد وميزانيات دول المنطقة للمجهود الحربي الذي نتيجته هي الهدم والدمار واراقة دماء الأشقاء. وحال تم وقف هذه الحروب والقتال، فانه يمكن توجيه تلك الموارد والميزانيات للصحة والتعليم والتكافل الاجتماعي والبناء والرخاء الذي يفيد شعوب المنطقة قاطبة. فالأول قتل للنفس وبالتالي قتل للإنسانية كلها والآخر احياء للنفس ومن ثم احياء للانسانية كلها.
واذا كانت واحدة من اصعب القضايا العالمية وأكثرها تعقيدا وتهديدا للمنطقة وهي الملف النووي الإيراني لم يتم حلها عبر السلاح والحرب بل تم حلها عبر الحوار والاتفاق، فإن كل قضايا المنطقة يمكن حلها أيضا بالحوار. ويمكن أن تمثل زيارة أوغلو لطهران بادرة في هذا الاتجاه.

إلى الأعلى