الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حصار الأزمات يعصف بأحلام المصريين في إعادة البناء

حصار الأزمات يعصف بأحلام المصريين في إعادة البناء

محمد عبد الصادق

” وجد رجال الأعمال في مصر ضالتهم في السيطرة على الإعلام, فراحوا يستثمرون الملايين ويشاركون جهات أجنبية مشبوهة في إنشاء قنوات فضائية تبث الفتنة وتنشر الكراهية وتروج للتفاهة والتسطيح وإفساد الذوق العام وتعتدي على الحرمات وتشوه الحقائق وتدمر القيم والأخلاق التي تربى عليها المصريون, حتى باتت كيانات منفصلة عن إرادة الشعب وقضاياه الوطنية, ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الوقت الذي كان المصريون يمنون أنفسهم بإعادة بناء دولتهم وعودة الهدوء والاستقرار لبلدهم, بعد سنوات من الصراع والاحتراب أعقبت ثورة 25 يناير 2011م , خصوصاً بعد انتهاء خارطة الطريق التي اكتملت بكتابة الدستور وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية, لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن, فقد أفرزت الانتخابات النيابية أعضاء متواضعي الخبرة والكفاءة السياسية وسمحت لكثير من فلول مبارك بالتسلل لقبة البرلمان بعد أن لفظهم الشعب في الانتخابات السابقة, وأعضاء آخرين من الانتهازيين والباحثين عن الأضواء و الشهرة حتى لو جاءت عن طريق التطبيع مع العدو الإسرائيلي.
هذا التشكيل المحبط لمجلس النواب كان نتيجة طبيعية لعزوف كثير من الشباب والنخب السياسية عن المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة؛ اعتراضاً منهم على ممارسات النظام الجديد الذي منع التظاهر وضيق على الحريات الخاصة والعامة لدواعٍ أمنية في محاولة منه للسيطرة على حالة الانفلات التي سادت البلاد عقب ثورتين, ولمواجهة حملة الإرهاب المسعورة التي أطلقتها الجماعات المتأسلمة عقب الإطاحة بحكم الإخوان في 30/6/2013م , والتي راح ضحيتها المئات من رجال الجيش والشرطة, مما دعا الحكومة لترك السلاح الشخصي مع أفراد الأمن لحماية أنفسهم من أكمنة الإرهابيين الذين جعلوا من ضباط وأمناء الشرطة أهدافاً للقتل بمساعدة خلايا نائمة متعاطفة مع الرئيس الإخواني محمد مرسي ونظامه, ورافضة لخارطة الطريق ومصرة على اعتبار 30/6 انقلاباً ضد الشرعية, وهؤلاء بالآلاف ولا يمكن حصرهم أو السيطرة عليهم كونهم منتشرين في معظم أنحاء الجمهورية ومندسين في مواقع وجهات حيوية متعددة.
وسط هذا الاضطراب يقف النظام الحاكم حائراً مرتبكاً , تحاصره الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية وتتربص به المؤامرات الخارجية التي تقودها دول وجماعات إقليمية ودولية, رغم الجهود المضنية التي يقوم بها الرئيس عبدالفتاح السيسي لمواجهة الأزمات في الداخل والبحث عن حلول في الخارج, إلاً أن سوء الطالع يطارده, ففي الوقت الذي حقق فيه نجاحات في مواجهة الإرهاب بشبه جزيرة سيناء وتحسن الوضع الأمني في القاهرة والمحافظات, جاءت حادثة سقوط الطائرة الروسية لتعصف بجهود السيسي في سبيل عودة السياحة لما كانت عليه قبل “25 يناير” ولم يكد يهدأ حادث الطائرة , حتى جاء مقتل الباحث الإيطالي ليزداد الوضع سوءاً, وفي الوقت الذي نجح فيه السيسي في جمع 8 مليارات دولار من المصريين لإنشاء تفريعة قناة السويس, تراجعت حركة التجارة العالمية وقل عدد السفن وحجم الحمولات العابرة للقناة, وتراجعت الإيرادات عما كانت عليه قبل إنشاء القناة الجديدة , وأصبحت الدولة ملزمة بسداد فوائد الـ 8مليارات للمساهمين.
ومع توالي الأزمات, تحول وزراء الحكومة لموظفين, مرتعشي الأيدي عاجزين عن القيادة أو اتخاذ القرار, وتركوا السيسي يقف وحيداً في مواجهة الرأي العام يبرر القرارات الصعبة ويدافع عن السياسات ويشرح أسباب زيادة أسعار المياه والكهرباء وسائر الخدمات, وبالمرة يدافع عن الوزراء في مواجهة السخط الشعبي من أدائهم الهزيل لأنهم من اختياره ومن الصعب إيجاد بديل لهم, بعد أن رفض كثير من أصحاب الكفاءات والخبرات العملية قبول المناصب الحكومية خوفاً من الفشل وحصار الأزمات واتقاءً للنقد والتشويه من الإعلام والرأي العام المنفلت الساخط على كل شيء في البلد.
ضعفت قبضة الدولة في مصر ولم يعد بمقدورها السيطرة على مايحدث على الأرض, وازداد نفوذ رجال الأعمال الذين تعودوا على الاستفادة من الدولة و الأخذ فقط دون عطاء, حتى رأينا السيسي يقف في العلن يستدر عطف القادرين للتبرع لدعم الصحة والتعليم والمرافق المتهالكة, رغم سابق ادعاء رجال الأعمال تبرعهم بعشرات المليارات لصندوق “تحيا مصر” الذي أنشأه السيسي لتمويل عجز الميزانية, وهو ما تبين كذبه, بل الأدهى والأمر هو تهرب كبار رجال الأعمال من سداد استحقاقات للضرائب بالمليارات بحجة الأزمة الاقتصادية التي يتاجرون بها, ولا يكتوي بنارها غير السواد الأعظم من فقراء المصريين.
وجد رجال الإعمال في مصر ضالتهم في السيطرة على الإعلام, فراحوا يستثمرون الملايين ويشاركون جهات أجنبية مشبوهة في إنشاء قنوات فضائية تبث الفتنة وتنشر الكراهية وتروج للتفاهة والتسطيح وإفساد الذوق العام وتعتدي على الحرمات وتشوه الحقائق وتدمر القيم والأخلاق التي تربى عليها المصريون, حتى باتت كيانات منفصلة عن إرادة الشعب وقضاياه الوطنية, إعلام يحاول جاهداً توجيه الرأي العام تبعاً لمصالحه على حساب المصلحة الوطنية ويعيد تشكيل الوعي المجتمعي حسب رغباته وطموح القائمين عليه ومصالح من يحركون الأحداث من وراء الستار.
كما أن النخبة المصرية مسؤولة أيضاً عن حالة الأزمة التي وصلت إليها الدولة المصرية, فهي منذ “25 يناير” منقسمة على نفسها ما بين تيارات دينية وأخرى علمانية؛ ظلت طول الوقت مشغولة بقضايا الحجاب والخطاب الديني وحرية الإبداع ومستنزفة بين بريق الإعلام وفقه المصالح, هذه النخبة فشلت في توحيد جهودها وفي الاتفاق على قيادة وفي تكوين أحزاب لها قواعد في الشارع المصري وفشلت في مواجهة سطوة الإخوان المسلمين وفشلت في إدارة حوار مع الشباب الذين راحوا ضحية للأفكار التي تروج للعنف والقتل باسم الإسلام, وفي الأخير انكفأت على نفسها وتركت الساحة فارغة ليرعى فيها الجهلاء والدجالون ودراويش السلطة والانتهازيون والمتسلقون.
وقف الشباب حائراً وسط هذه الحالة الضبابية بين صراع المصالح وصراع الأفكار المريضة, فهو غير مؤهل للدخول في لعبة الصراعات لأنه ممنوع سياسياً ومحروم اقتصادياً وملفوظ اجتماعياً , ولم يجد حتى الآن شيئاً من الدولة يقوي مناعته ويحميه من الوقوع فريسة لأصحاب المصالح المتربصين بمستقبل هذا البلد.
وسط هذه الأزمة يقف ملايين الفقراء من المصريين سكان الريف والعشوائيات ضحايا الجهل والإهمال والعوز؛ يجوبون الشوارع والطرقات يبحثون عن فرصة تنتشلهم من الواقع المأسوي الذي يرزحون تحته, يحلمون وهم يسمعون السيسي يتحدث عن مشروعات لإعادة بناء الأمل في دولة ضربها الفساد وضيعها صراع المصالح والمتاجرة بآلام البسطاء والمهمشين لعقود طويلة وتنتظر الوصول لمرفأ الأمان.

إلى الأعلى