الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صناع السياسة الاقتصادية في حيرة من أمرهم أمام التضخم

صناع السياسة الاقتصادية في حيرة من أمرهم أمام التضخم

” نحن نعيش في عالم هو صورة طبق الأصل من عالم افتراضي وصفته للتو. فمقاييس السوق لتوقعات التضخم تنهار، وهي الآن تتراوح بين 1 و 1.25 في المئة على مدى العقد المقبل. توقعات التضخم هي أقل حتى في أوروبا واليابان. وقد أظهرت قياسات الدراسات الاستقصائية انخفاضات حادة في الأشهر الأخيرة ، وأسعار السلع الأساسية هي في أدنى مستوياتها منذ عدة عقود،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أطرح عليكم اليوم تجربة فكرية تلقي الضوء على التحديات التي تواجه واضعي السياسات الاقتصادية الكلية في الولايات المتحدة وبقية دول العالم الصناعي.
تخيلوا أنه في فترة وجيزة، ارتفعت توقعات التضخم في جميع أنحاء العالم الصناعي، كما يستدل من سوق السندات المفهرسة أو سوق مقايضات التضخم، بنحو 50 نقطة إلى مستوى أعلى بكثير من المستهدف 2٪، مع زيادة أكبر من المتوقع في الأمد الأبعد . تخيلوا أنه في الوقت نفسه، أخذت تدابير مسح توقعات التضخم مثل تلك المحسوبة من قبل جامعة ميشيجان والاحتياطي الفيدرالي لنيويورك في الولايات المتحدة ترتفع بشكل حاد. تخيلوا أيضا أن أسعار السلع الأساسية آخذة في الارتفاع وأن الدولار شهد انخفاضا يقع مرة واحدة كل 15 عاما. تخيلوا أن السوق توقع أن تكون السياسة النقدية المستقبلية في الولايات المتحدة أكثر تشددا بكثير من التوقعات السياسات الخاصة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. تخيلوا أن تدابير نمو الناتج المحلي الإجمالي تتسارع، مع تزايد دلائل على وجود طفرة في جميع أنحاء العالم. تخيلوا أيضا عدم وجود أي جهود جدية جارية لخفض العجز في الميزانية. وأخيرا، لنفترض أن صانعي السياسة كانوا مستريحين لإعدادات السياسة الحالية على أساس الحجة القائلة بأن نماذج منحنى فيليبس توقعت أن التضخم سوف يعود مع مرور الوقت إلى المستهدف بسبب العلاقة المفترضة بين البطالة وارتفاع الأسعار.
أعتقد أنه من الانصاف أن نؤكد أنه في هذه الحالة الافتراضية، سيكون هناك قلق سائد بأن السياسة كانت وراء المنحنى ، وأن النقطة الرئيسية هي أن السماح ليس فقط بمجرد زيادة مؤقتة في التضخم ولكن أيضا بالتحول إلى توقعات تضخم أعلى من المستهدف يمكن أن يكون مكلفا جدا.
نحن نعيش في عالم هو صورة طبق الأصل من عالم افتراضي وصفته للتو. فمقاييس السوق لتوقعات التضخم تنهار، وهي الآن تتراوح بين 1 و 1.25 في المئة على مدى العقد المقبل. توقعات التضخم هي أقل حتى في أوروبا واليابان. وقد أظهرت قياسات الدراسات الاستقصائية انخفاضات حادة في الأشهر الأخيرة ، وأسعار السلع الأساسية هي في أدنى مستوياتها منذ عدة عقود، وكان الدولار قد ارتفع بنفس القدر من السرعة كما فعل في الأشهر الـ 18 الماضية مرتين خلال الـ 40 سنة الماضية عندما تذبذبت قيمة الدولار بحرية. وتدعو توقعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأخيرة لرفع أسعار فائدة قصيرة الأجل ما يقرب من 2 في المئة في العامين المقبلين، في حين أن السوق يتوقع زيادة قدرها 0.5% فقط.
على الرغم من التماثل الواضح، فإن المزاج الحالي لا يشبه بأي حال المزاج الذي وصفته في المثال الافتراضي. في حين أن هناك بالتأكيد قلقا كبيرا حول البيئة الكلية، بناء على اجتماع مجموعة الـ 20 للاقتصادات الكبرى في شنغهاي الشهر الماضي، وليس هناك دليل على أن صناع القرار على مستوى العالم يعملون بقوة لاستعادة مصداقيتهم مع تراجع توقعات التضخم دون المستوى المستهدف. وقد نشر محافظو البنوك المركزية شعورا بأنه لم يتبق إلا القليل نسبيا مما يمكن القيام به لتعزيز النمو أو حتى لزيادة التضخم. وقد تعززت هذه الرسالة عن طريق رد فعل السوق السلبي للغاية على انتقال اليابان لأسعار الفائدة السلبية. لم تكن هناك أية إعلانات مهمة بشأن التدابير غير النقدية لتحفيز النمو أو العودة لاستهداف التضخم.
ربما لا ينبغي أن يكون هذا الأمر مفاجئا. في السبعينيات، استغرق الأمر سنوات لصانعي السياسات للاعتراف بمدى تأخرهم وراء المنحنى بشأن التضخم وإجراء تعديلات سياسية قوية. وواصل صناع القرار القلق حول عدم وجود طلب مفترض بعدما كان لفترة طويلة مشكلة مهمة. كانت المحاولات الأولى لاحتواء التضخم أخجل من أن تكون فعالة، ولم يتحقق النجاح إلا مع سياسة محددة بدرجة عالية. وكانت الخطوة الحاسمة هي التخلي عن فكرة أن المشكلة هي هيكلية في طبيعتها وليست مدفوعة بسبب سياسات الاقتصاد الكلي.
مخاطر اليوم جزء لا يتجزأ مما يمكن تسميته بالتضخم المنفخض الذي يميل نحو الانكماش والركود العالمي في نمو الناتج وهي على الأقل بنفس درجة خطورة مشكلة التضخم في السبعينيات، وهي، أيضا، سوف تتطلب تحولات في نماذج السياسات إذا ما أريد لها أن تحل. في جميع الاحتمالات، فإن العناصر المهمة ربما تكون مزيجا من التوسع المالي المعتمد على الفرصة التي أتاحتها معدلات منخفضة جدا وسياسات نقدية غير تقليدية، وفي الحالات القصوى، مزيد من التجارب مع السياسات النقدية غير التقليدية.

لورانس سامرز* أستاذ والرئيس السابق بجامعة هارفارد. وكان وزير الخزانة 1999-2001 والمستشار الاقتصادي للرئيس أوباما في الفترة من 2009 حتى عام 2010 خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز – خاص بالوطن

إلى الأعلى