الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وكأنَّ الابتسام من رجس الشيطان!

وكأنَّ الابتسام من رجس الشيطان!

جواد البشيتي

”لقد تلقَّيْنا من التربية السيئة ما مسخ وشوَّه وأفسد في أذهاننا مفهوم “الرجولة” حتى أنَّ كثيرًا مِنَّا فهموا، ومارسوا، “الرجولة” على أنَّها الاستمساك بالعبوس ولو اجتمعت فينا وحولنا، وتهيَّأت لنا، كل أسباب ودواعي الفرح، فـ”الرجل” لا تَظْهَر فيه، وتتأكَّد، “معاني الرجولة الحقَّة” إلا إذا أظْهَر كل ما يستطيع إظهاره من عبوس.”

لو كان الابتسام محرَّمًا دينيًّا لقُلْنا إنَّنا في العالم العربي من أكثر، إنْ لم نكن أكثر، الناس تديُّنًا، فالعبوس نحن، ونحن العبوس؛ ولكن لماذا؟
لماذا نفتقر إلى إنسانٍ طَلْق الوجه، منبسط المُحيَّا، بشوش الطَّلعة، متهلِّل الغُرَّة، حَسَن البشْر، باسم الثَّغْر، ضاحِك السِّنِّ، مشْرِق الدِّيباجة، فَكِه الأخلاق، رَحِب الصدر مشروحه، تلمع أساريره، وتتألَّق صفحته؟
في بعضٍ من التفسير الخاطئ، قالوا إنَّ الوجه العبوس، المُكشِّر، المُقطَّب، المُجهَّم، هو وجهنا الحقيقي، الأزلي الأبدي؛ وكأنَّه فِطْرة الله التي فَطَرَنا عليها، ولا تبديل لخلق الله.
وفي بعضٍ ثانٍ من التفسير نفسه، قالوا إنَّ السبب جينيٌّ صرف، فالبنية السيكولوجية للإنسان، بأوجهها وجوانبها المختلفة، مُشْتَقَّة متفرِّعة من بنيته الجينية؛ ولسوف نبقى كنهرٍ لا يملك تغييرًا لمجراه، نَرْقُب رقوب الراعي طلوع الأخضر أنْ يأتي لنا تطوُّر علم الهندسة الوراثية بحلٍّ جينيٍّ نهائي لمشكلة “العبوس والتجهُّم”.
أمَّا إذا سألْتَ عربيًّا مُفْرِطًا في التشاؤم عن السبب الذي يَحْملنا على الاستمساك بالعبوس، ونَبْذ الابتسام وكأنَّه لنا عدوٌّ مبين، فسوف يجيبكَ على البديهة قائلًا، أي متسائلًا تساؤلًا يقطر دهشة وعجبًا واستغرابًا من رأسه حتى أخمص قدمه، “ولِمَ لا نعبس، ونظل عابسين، إذا ما كان كل شيء في حياتنا وعيشنا يدعونا إلى العبوس، ويحضُّنا عليه؟!”.
ولو كان لهذا أن يعرِّف “الحماقة” لعرَّفها قائلًا إنَّها أنْ تتفاءل وتبتسم وتفرح وتُقْبِل على الحياة.. في واقعٍ (اقتصادي ومعيشي في المقام الأوَّل) يحاصِركَ من كل حدب وصوب بحقائقه، التي تأمركَ بالعبوس والتجهُّم والتشاؤم..، وتنهاكَ عن الابتسام والفرح والتفاؤل..؛ وكأنَّ قصارى قوله هو “المتفائل أحمق”!
إنَّني منحازٌ إلى هذا التفسير والتعليل؛ ولكن من غير إفراط ومغالاة فيه؛ فنمط عيشنا الاقتصادي هو “البنية التحتية” لعبوسنا وتجهُّمنا..؛ ولا بدَّ لنا أوَّلًا من هدم وتغيير هذه البنية التحتية اللعينة إذا ما أردنا لحربنا على أنفسنا الأمَّارة بالعبوس والتجهُّم أن تؤتي ثمارها، وأنْ ننعم ببنية سيكولوجية جديدة، نَشْعُر بفضلها أنَّ الحياة خير من الموت، وأنَّ الوجود خير من العدم، وأنَّ الآتي لن يأتي على ما بقي فينا من بقايا حُبٍّ للحياة.
قُلْتُ لن أُفْرِط أو أُغالي في انحيازي إلى ذاك التفسير والتعليل، السليم والصحيح من حيث المبدأ والأساس؛ فإنَّ لاعتصامنا بالعبوس والتجهُّم أسبابًا تربوية أيضًا.
لقد تلقَّيْنا من التربية السيئة ما مسخ وشوَّه وأفسد في أذهاننا مفهوم “الرجولة” حتى أنَّ كثيرًا مِنَّا فهموا، ومارسوا، “الرجولة” على أنَّها الاستمساك بالعبوس ولو اجتمعت فينا وحولنا، وتهيَّأت لنا، كل أسباب ودواعي الفرح، فـ”الرجل” لا تَظْهَر فيه، وتتأكَّد، “معاني الرجولة الحقَّة” إلا إذا أظْهَر كل ما يستطيع إظهاره من عبوس، وكَبَتَ كل ما يستطيع كبته من مشاعر الفرح والسعادة، و”عَسْكَر” كل ما يستطيع “عسكرته” من بنيته السيكولوجية، فكلَّما أمعنتَ في طلاء وجهكَ بالعبوس والتكشير والتقطيب والتجهُّم.. عَرَف الناس فيكَ “الرجولة”، واعترفوا لكَ بها!
حتى في العلاقة بالأبناء نُمْسِك عن التعبير عن عواطفنا ومشاعرنا التي تمور كالبحر في نفوسنا، وكأنَّ في إظهار الحب والحنين والشوق انتقاصًا وإضعافًا لـ”الرجولة”، معنىً ومَظْهَرًا وسلوكًا!
إنَّها “الرجولة” إذ مُسِخَت وشُوِّهت وأُفْسِدَت أنْ ترى الزوج متأسِّدًا في المنزل، وعلى زوجته، عند عودته من حيث كان مُفرِّطًا في كثيرٍ من معاني الرجولة الحقَّة، وكأنَّه لا يتأسَّد هناك، أي حيث ينبغي له ألا يتأسَّد، إلاَّ رغبةً منه في تعويض خسائره المعنوية هنا، أي حيث يعمل، مُظْهِرًا لسيِّده في العمل، وولي نعمته، من الطاعة والخضوع والاستخذاء والتذلُّل كل ما تأباه، وتستكرهه، الرجولة في معانيها الحقَّة، فعلاقة هذا المرؤوس برئيسه هي كأرضٍ أُلْقِيت فيها رواسي من نفاق وكذب وتملُّق وتزلُّف، فالمرؤوس في سعي دائم إلى إقناع رئيسه بأن فيه من العبقرية والموهبة والفضيلة ما يندر وجوده في البشر كافة. كلاهما يحتاج إلى هذا الفساد الأخلاقي في العلاقة على الرغم من أن المرؤوس لا يُصدِّق ما قال، والرئيس لا يُصدِّق ما سمع!
وهؤلاء الرجال المصنوعون من ورقٍ تراهم أيضًا وهُمْ يقودون سيَّاراتهم برعونة وطيش ونزق، فإذا أوقف شرطي المرور أحدهم طلَّقَ ثلاثًا “رجولته”، وشخصية الفارس المغوار التي كان يتقمَّصها، وشرع يَسْتَعْطِف ويتذلَّل توصُّلًا إلى النجاة من عقوبة صغيرة تافهة!
إنَّهم يتلاشون تلاشي فقاعة وخزتها إبرة عندما يتحدَّاهم الواقع أن يكونوا رجالًا؛ ولكنَّهم يتأسَّدون ويتنمَّرون حيث تنتفي الحاجة إلى التأسُّد والتنمُّر، فَحَقَّ لتلك المرأة التي سُئِلَت عن سبب “استرجالها” أن تجيب قائلةً: “لقلَّة الرجولة في الرجال”!

إلى الأعلى