الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مناطحة خطيرة

مناطحة خطيرة

أ.د. محمد الدعمي

لا مراء من أن تناطح أقوى قوتين في العالم، الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، يمكن أن يقضي بشكل مبرم على جميع الترتيبات والأنظمة والتقاليد الدولية التي كافح العالم لبلوغها منذ نهاية الحرب الكونية الأولى، في بداية القرن العشرين. وللمرء أن يزعم بذلك لأن ارتطام مثل هاتين القوتين العظميين لا يمكن أن يكون بلا رجع مدمر وذبذبات قوية تشمل العالم كله. وإذا كانت التحالفات من أهم أسباب الحرب الكونية المذكورة أعلاه، فإنها ستكون كذلك من أهم أسبابها اليوم، إذا ما حاولت الولايات المتحدة أن تتعامل مع روسيا كما تعاملت مع العراق إثر ضم نظام صدام للكويت، ذلك أن روسيا ليست العراق، وبوتين ليس صدام.
وإذا كان العراق نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي بلا حول ولا قوة أمام قدرة الولايات المتحدة على الاستقطاب الدولي، تلك القدرة التي توجب الامتثال إليها بارتقائها منصة القطب الأوحد، فإن روسيا اليوم تحتفظ بين أيديها بنصف مفاتيح الهيمنة العالمية اليوم، شبه مناصفة مع واشنطن! ودليل ذلك أن تحذيرات الأخيرة، مدعومة بتحذيرات أوروبا، لم تحرك بوتين قيد أنملة، بل ربما زادته إصرارًا على عدم إطلاق شبه جزيرة القرم من بين أيديه، الآن وإلى الأبد، تصحيحًا لخطأ ارتكبه خروشوف قبل حوالي ستين سنة عندما منحها لأوكرانيا، أي عندما لم تكن أوكرانيا سوى جزء من الاتحاد السوفييتي السابق.
وتشير أهم المؤشرات إلى أن الرئيس بوتين يتأهب لمواجهة لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لها: فإذا ما بدأت لعبة كرة المنضدة بمنع الأميركان عددًا من الشخصيات الروسية من دخول أميركا ووضع اليد على أموال روسية في المصارف الأميركية، فإن الروس لم يتأخروا يومًا واحدًا لإعلان مكافئ يمور بالتحدي، على أساس المعاملة بالمثل، فمنعوا عددًا من أعضاء الكونجرس من دخول روسيا، خاصة “جون ماكين” الأكثر انفعالًا من الآخرين. أما أهم المخاوف التي تقض المضاجع، فلن تجدها، في واشنطن وإنما في “تل أبيب”، حيث يحبس الإسرائيليون أنفاسهم خشية إجابة الروس على أي إجراء مقاطعة اقتصادية بأن يفكوا الحصار الاقتصادي الغربي المفروض على إيران. وهم قادرون على ذلك، لا شك. بل إن ما عانته إيران خلال السنين الماضية من حصار وتهميش لم يكن فاعلًا لولا التعاون الروسي، لأن روسيا تمتلك خطًّا حدوديًّا طويلًا مع إيران، أشبه بالخط الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك، إضافة على السواحل المشتركة في بحر الخزر. وبكلمات أخرى، ستذهب جميع الجهود الدولية لفرض الحصار على إيران للجمها، سدى، حالما يقرر البيت الأبيض التعامل مع الكرملين وكأنه يتعامل مع كوريا الشمالية. الرئيس بوتين لن يقبل بتعامل ينطوي على نظرة دونية ملؤها الاستهانة بقدرات روسيا.
وإذا كانت “بيونج يانج” لا تقل تحديًا للإدارة الأميركية من إيران، والعراق سابقًا تحت حكم البعث، فإنها ستشكل نصرًا نهائيًّا لروسيا ضد أميركا عندما يتم تقليم مخالب الأخيرة الاقتصادية والمالية. لاحظ ذلك، واحذر الصين التي تتربص بالولايات المتحدة وبسياساتها في الشرق الأقصى. وتأمل بأناة!

إلى الأعلى