السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ألا.. ألا من تدبير يُحدِثُ التغيير؟!

ألا.. ألا من تدبير يُحدِثُ التغيير؟!

علي عقلة عرسان

فهل نحن اليوم، بعد مرور زمن مُرٍّ، ومجيئ زمنٍ أمرّ، على مسافة ما، من حيث المواقف والولاءات، والتكلفات، النتائج، والمعاناة.. من أولئك الأجداد الأقدم، الذين أضناهم ما أضناهم، وأفسد عليهم عيشَهم، مَنْ والوه فولّاهم، ثم تولَّاهم بشر الضَّيم، وأسوأ المصير، مثل ذاك الذي صار إليه حال النُّعمانُ بن المنذر، ملك الحيرة، على يد كِسرى ملك الفرس..

قال عَدِيُّ بنُ رَعْلاء الغسَّانيُّ، وهو شاعرٌ جاهليٌّ، من أجدادنا الغساسنة الذين استوطنوا حوران، وشيَّدوا فيها، وكانت عاصمتهم بُصْرى الشام، موقعًا تجاريًّا وحضاريًّا مهمًّا، تلك التي بنى فيها إمبراطور روما، فيليب العربي، الحوراني ابن جبل حوران، بنى فيها مسرحَها الروماني الشهير، ذلك الباقي، مع قلعة صلاح الدين، ببهاءٍ ورواء حتى اليوم.. قال عَديُّ، في ذلك الزمن العربي الذي كان فيه الغساسنة يوالون الروم، ويحاربون حربَهم، ضد المَناذِرَة، وعاصمتهم الحِيْرَة، الذين كانوا بدورهم يوالون الفُرْسَ، ويحاربون حربَهم، ضد الرومان من خلال استهداف الغساسنة.. قال:
ربما ضَرْبة بسيفٍ صقيلٍ دون بُصْرى، وطعنة نجلاءِ
وغَموسٍ تَضِلّ فيها يدُ الآ سي ويعْيا طبيبُها بالدواءِ
ليس مَنْ مات فاسْتراح بميتٍ إنما المَيْتُ ميِّت الأحياءِ
إنما الميتُ من يعيشُ ذليلًا سَيِّئًا بالُه، قليلَ الرجاءِ
وربما لهذا، تجد عبارة “الموت ولا المذَلَّة”، التي كانت لسان حال القوم قديمًا، فاستلهمها، أو سجلها شعرًا، فازدادت رسوخًا وانتشارًا على ألسنة أهل حوران، يضجون بها كلما ضِيموا، وظُلموا، وثاروا، وهاجوا، وماجوا. وكانت تلك “الحرب بالوكالة” مُضْنية، ومُكْلفة، ومُفَرِّقة لصفّ أبناء الأمة العربية الواحدة، التي توالت عليها مثل هذه الحالات والتبعيات، والولاءات القتالة، في أوقات فجعلتها نهبًا للضعف والعجز. فيا للزّمن الصعب.. يدور، ويحورُ، ويحول، ثم يؤول إلى الأصعب الأمرِّ الأشد فتكًا بالأمة، وإضعافًا لها.. ويا للذُّل يدفعُه السلاح، ويُدْفَع بالنّحور إذا ما عزَّ السلاح، ويا لقهر الرجال للرجال من آفة، هي شرّ الآفات على الحر الكريم في الحياة، تصيب من تصيب من الرجال فتثقُل عليهم وتقيم أمامهم سُدًّا بعد سُدٍّ، فتضيق عليهم الأرض بما رحُبَت.. وقد استعاذ الرسول، صلى الله عليه وسلم، من قهر الرجال، لشدة وقعه على المرء، وجاء ذلك في حديثٍ نَصُّهُ الآتي:”اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ”.
فهل نحن اليوم، بعد مرور زمن مُرٍّ، ومجيئ زمنٍ أمرّ، على مسافة ما، من حيث المواقف والولاءات، والتكلفات، النتائج، والمعاناة.. من أولئك الأجداد الأقدم، الذين أضناهم ما أضناهم، وأفسد عليهم عيشَهم، مَنْ والوه فولّاهم، ثم تولَّاهم بشر الضَّيم، وأسوأ المصير، مثل ذاك الذي صار إليه حال النُّعمانُ بن المنذر، ملك الحيرة، على يد كِسرى ملك الفرس، في الحادث التاريخي المشهود المشهور، حيث أسلمَ كسرى حليفَه النُّعمان، لِفِيَلَةٍ ثلاثة، تدعَسُه، فتمْعَسُه بأخفافها مُعْسًا مهولًا. وقد تمثَّلَ بذلك الشاعرُ الجاهلي سلامةُ بنُ جَنْدَل، مذكّرًا الناس بتحول الأحوال، ومُسّلِّمًا بقدرةِ الرَّحمَان وحُكمه، فقال:
هوَ المُدخلُ النُّعمانَ بيتًا سماؤُه صُدورُ فُيُولٍ، بعدَ بيتٍ مُسَرْدَقِ
وقد كان الغساسنة وأخوتُهم المناذرة، في حروب، يزهِق بعضُهم أرواح بعضٍ، باقتدار شبه متكافئ، فهم وأبناء أبيهم، “رَحَيَا مُدِيرِ”، كما قال المهلهل بن ربيعة عن حرب يوم عُنَيزَة، وهو من أيام العرب على العرب، في تلك الجاهلية الجَهْلاء؟! وهل تجاوزنا حكمهم على أنفسهم، وعلى الحياة والأحياء، من وجهة نظرهم، يا ترى.. أم أننا تمر بنا الأحداث، والكوارث، والدروس الكبار، والعِبَر، ولا نكاد نستخلص منها ما نتَّعِظ به، وما يمثُل أمامنا ونتمثّله، ونستفيد منه…؟!
ربّما يصعُبُ القطع برأي، فلكل زمن دولة ورجال، وظرف وأحكام، وربّما لا يجوز للبعض منا، وأنا منهم، أن يُصدِر حُكمًا، فضلًا عن أن يقطعَ برأيٍ، وأن يُرشد غَيرَه، بعد أن ضَيَّع نفْسَه وضٌيِّعَ بصورة ما، فعاد إلى وضع الجدّ الشاعر، الجاهليّ الأقدَم، أُحَيْحَةٌ بنُ الجُلَاح، الذي كان سيّد الأوس في الجاهلية، إذ قال، بعد أن جرَّب، وصال، وجال، وتمسَّك بالدنيا، وجمع المال، وملك الأطم التي تحمي أهلها وتمنعهم من أن يَنَالهم أعداؤهم:
أُعلِّمُكُم، وقد أَردَيتُ نفسي، فمَنْ أَهدي سَبيلَ الرُّشدِ بَعدي؟!
فيا لدرسه من درس، يَصْلُح ويُصْلِح، رغم مرور الزمن، وتحوُّل الأَحوال.
ونحن بأمس الحاجة اليوم إلى أن نَرْشَد، أو أن نكون أقلَّ غلوًّا، وأكثر حكمة.. فحالنا اليوم تُرْمِضُ، وتُكْبِدُ، وتُمْرِض القلبَ والروحَ، ويرْفضُها العقلُ السليم، والرجل الكريم، وقد لا تصفها الأقوال والأوصاف، أو تحيط بها بإنصف. حالنا، حالٌ وأية حالٍ، تلك التي نعيشها حربًا على الذات، وسلاحًا بيد الآخرين المتحاربين بنا، وعلى أرضنا، وفوق جثثنا.. أولئك الذين يتخذون مِنَّا، في تلك الحرب المجنونة، أدوات ودريئات.. ونحن بين الذات المُنْفَلِقَة، والآخرين من ذوى السياسات المتّفِقة، علينا وضدنا، نمعِنُ في خوض صراعاتٍ، والمطالبة بثاراتٍ، ونريق دماءنا، ونُزهِق أرواحنا، وندمر بنياننا، ودولتنا، وحياتنا، ومستقبل أجيالنا، تدميرا.. ولنا لاءات، مُعْتَصِمِيَّاتٌ شديداتٌ مُغَلَّظات، لا تحمل معنى النجدة والنخوة، ولا هي لاءات بمعنى: لا للقتل، ولا للفتنة، ولا للجنون، ولا للتبعية، ولا لحرب الأخوة على الأخوة، ولحرب الجهل على العقل.. ولا لحرب: القوة، السلطة، المعارضات وطلاب السلطة، وحرب الإرهاب، والقوى الكبرى، على الشعب المبتلى بذلك كله.. ولا هي قول الوعي الحامل معنى: رفض الحرب من أجل الحرب، ورفض الاستعمار الجديد الذي “يساعدنا؟!” لنمعن في السكر والغيبوبة، ليَفْلَحَ قلوبنا، ويزرعَ فيها حُبَّهُ، وإدماننا على الولاء له، وابتلاع سمومه.. شأن حرب “الأفيون” على شعب الصين..؟! بل هي لاءات ممطوطة، تحمل معنى: لا للحق، العدل، العقل، الأمن، السلم، الخير.. إلخ. ونحن للأسف الشديد، نخدم بإخلاص وكفاءة، في إطار من نشوة الخضوع أو الإخضاع: ولاءات لمن يُعلي ذاتَه ومصالحه وسيوفَه، فوق كل حالٍ وذات ورقَبة.. نبحث عن الصواب بتخَبُّطٍ في الخلل، والزلل، والخطأ، والمكر، والغدر، وكل ما يصنع الخراب.؟! ومن الطبيعي، والحال هذه، ألّا نجد منّا وفينا سوى أشباح شخوصٍ منقوعةٍ في الوجَع، نعيش الشقاء والشَجن، ونَصَبًا بعد نصب، وتمتقع وجوهنا بشحوب وهَلَع.. نطوف ونحوم حول أطلالِ بناءٍ كان وطنًا حلوًا، وبيت شُموس، وربيعَ أنفسٍ وقلوب.. فأصبح صقيعَ البلْقَع، وأصبحنا نراه اليوم، من خلال الدموع، والقهر، والفقر، والجوع: ردمًا على دم، وعتمة الهم، والفزع، والموت في الغم. وقد غَدَونا أشلاء شَعب، وأشلاء دولة، وأشلاء بَشَر، نتناثر في الآماد، بين بحرٍ، وسهلٍ، وجبلٍ، وواد.. ينْبُذنا مَدَرٌ، وحَجَرٌ، وشَجَرٌ، وقاماتُ بشر، إلى بيداء البوادي، حيث نَنْشَف، ونيْبَس، ونتأسى، ونبتئس، ونذرف الدمع هنا وهناك، على وطن، وبيت، هو “بقايا الوشْمِ في ظاهرِ اليدِ”، كما يصف شعراؤنا القُدامى الأطلالَ، وحالهم في وقوفهم عليها، وتذكّرهم لما كان من عهد الأحبة، وشأن الأهل والخُلان، والأماكن الأحبّ إلى القلب.. ويصدق في الواحد منّا، وهو يواجه ذاته في مرآة غيرِه، ويواجهها في مرآته، هو ذاته، وهو يواجه أيضًا بعض أهله إن بقي منهم أحد، أو تناهوا إليه صوتًا في بلد، ويواجه بعض أحواله، وآماله، وأفعاله، والظروف التي تحيط به، وما سيؤول إليه حالُه وحال أطفاله.. يصدق فيه قول: غُرَيْقَة بن مُسافع العَبسيُّ، الشاعر، وهو يجيب على سؤال زوجه، وقد رأته في حال لا يَسُر عدوًّا ولا صديقًا، وربما تجمَّد في قلبها الإحساس والوداد، واختلت عليها الأمور، فلم تعد تعرف الشأن، والحال، والبلاد:
تقول سُلَيمى: ما لِجسمك شاحبًا كأنَّك يَحميكَ الشَّرابَ طبيبُ
فقلتُ، ولم أَعْيَ الجوابَ، ولم أُلِحْ، وللدّهر في صُمِّ السِّلامِ نَصيبُ
تتابُعُ أحداثٍ تَخَرَّمْنَ إخوتي وشَيَّبْنَ رأْسي، والخُطُوبُ تُشيْبُ
أتى دون حلوِ العيشِ حتى أمرَّه نُكوبٌ، على آثارهِنَّ نُكُوْبُ
فبالله كيف السبيل، مع هذا الأمر، بل مع هذه الأمور، التي تُصيب الصخور الصُّمَّ القاسيات، بل تصيب الأقسى منها، كالصّوان وما في حكمه، وهي “صُمّ السِّلامِ”، التي عناها الشاعر هنا.. وهي تحمل كل هذا الذي فيها من: من عَنَتٍ، وقهر، وعُقم فكْرٍ، وموت، بكل معاني الموت وأبعاده؟! وكيف السبيل إلى فهم، أو طمأنينة، أو تسويغٍ يَقْبَل الهضم، لما يجري، ويستمرُّ، ويَسْبَطِرُّ.. وكأن الناس فقدت الإحساس، أو هي لا تدري بما يجري للناس، في بلد ضاق بأهلِه، وضاق به أهلُه، وضاقت أرضه بالدم إذ يُراق فيها، وبالجثث إذ تُدفن فيها، أو ينهشها الوحش ولواحم الطير في العراء، وبالقذائف المنهالة عليها، ما صَغُرَ منها وما كَبُر، وبالرَّصَاص الأعمى، أو البصير الذي ينطلق على يد قنَّاص، وبالعويل والولاويل، وشكوى الأيامي، وبكاء اليتامى؟! وضاق، بسبب مما يحصل في هذا البلد، وما يلاقيه أهله فيه.. ضاق ذوو الضمائر من الناس، بضمائرهم، وبوجودهم بشرًا عاجزين، في أرض البشر المتوحشين والمستوحشين، عما يمكن أن يخفف من مآسي البشر، لأنهم لا يقدرون على فعل شيء، لوقف الإجرام، وردع المجرمين، ومنع ما يتم من دمار وما يجري من وحشية، في أرض الأبجدية الأولى، وموطن المعرفة، ومواقع التوطّن والاستقرار الحضري الأول، سوريا، متحف الحضارة في الهواء الطلق؟! وما يجري عمره خمس سنوات في حساب الزمن، ولكنها عقود من المعاناة الإنسانية الفظيعة.. بينما ما زال، من لا يعنيهم سوى “القهر، والموت أو النصر؟!”، لا يَرون، ولا يسمعون، ولا يرتوون من الدم، ولا يبْشَمون من أكل لحم أخيهم، حيًّا وميتًا؟!.. ولا يثوبون إلى مَثابةٍ فيها رُشْد، ولا يُراعون وضعَ الناس، ولا يرعون في لله، سبحانه، إلًّا ولا ذمّة.. فيرتدع منهم من يرتدع، أو يردَعُ عن الإجرام وعن إضرام نار الفتنة من يُردَع، ويضعُ لشغفهم بالقتل والاقتتال، والفساد والإفساد، والتجارة بالعباد، والنفخ في نار الفتنة المتفجرة، حدًّا.. لكي يبدأ خَطوٌ جاد على طريق وضع حدٍّ لمآسي الشعب، ولتشريده، وتعذيبه، وتقتيله. وقد أيقظتْ مناحاتُه، وأحواله، والكوارث التي ألمَّتْ به.. أيقظت من له بقايا ضميرٌ، وبقايا سمعٌ، وبقايا بصرٍ، وإحساس بشر.. فصرخ بالدول، والأمم، والجيوش، والميليشيات، والناس.. بعد أن نفضَ يدَه من الساسة والسياسات والحكومات، وأدرك النفاق المتجذر في تلك الجهات لا يتزعزع، بل يتلون ويتلفَّع بألف غطاء وغطاء، وأنه راسخ، شأنه شأن الخداع، الذي يشكل تربتها وماءها وبذورها وثمارها المرة.. لقد صرخ، وما زال يصرخ بآخرين، أحياء، أو يتوهم أنهم أحياء، وأن لهم دورًا في حياة يعيشونها وتهمهم، وتهم شركاؤهم فيها.. لكي تتوقف الحرب، ومأساة القرن الحادي والعشرين، والكارثة الكبرى التي تفتك بالأطفال والنساء والشيوخ، بالمدنيين بلا تحديد أو تعيين: السوريين والعراقيين منهم على الخصوص، وبغيرهم من المدنيين العرب عمومًا، وكاد يُشرف على اليأس، لما لمس ويلمس من يباسٍ في العقول والقلوب والأحاسيس. وكأنما انضم أو كاد، إلى ركب من عَجزوا من العباد، عن فعل شيءٍ منقذٍ، مُجدِ، ناجزٍ.. عبر تاريخ البشر الطويل، فردّدَ قولَ صخر بن عمرو بن الشريد، أخي الخنساء، سيدة الرِّثاء، التي ما بَرِحت، من وراء الزمن والمحن، ترثي صخرًا، وترثينا فيه.. ذاك صخر الذي كان أول من قال:
لَعمري لقد أَيقظتُ من كان نائمًا وأَسْمَعْتُ من كانتْ له أُذُنانِ
نقول هذا.. ونردد هذا، ونستبشر بما قد يخرج من ذا، وذاك، وهذا، بتدبير يُحدث التغيير، مما ييسّره الله سبحانه من خير، يوقف المحنة، ويمنع تفاقم الفتنة، واستمرار الشر.. فَلَه الأمر من قبل ومن بعد، وله الشكر وله الحمد..
فهو الذي يَهَبُ الحياة، ويأخذ الحياة، ويفرض على من فيها، ما يشاء، كيف يشاء.. وهو الذي لا يُحمَدُ على مكروه سواه.

إلى الأعلى