الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: قلعة الوطن

باختصار: قلعة الوطن

زهير ماجد

كل من كان يعرف قلعة الحصن وموقعها وتركيبتها الداخلية، كان يصعب عليه أن يصدق أن يتمكن الجيش العربي السوري خلال ساعات من إعادتها إلى الوطن. هي شاهد تاريخي على مناعة الجسم السوري خلال عهود طوال، مع أنها صليبية كما تقول التواريخ، إلا أن المحاولات الإسلامية ظلت قائمة منذ ما قبل صلاح الدين الأيوبي وحتى إياه، إلى أن تمكن الظاهر بيبرس المملوكي من تحريرها وأضاف عليها السلطان المملوكي قلاوون برجا من أبراجها.
هي إذن شامخة في أرض سورية شموخ أبطالها من الجيش العربي السوري الذين في كل يوم يفاجأون العالم بالطرق العسكرية غير المألوفة التي أوجدوها وتسجل لهم في خانة المعارك العسكرية المستحدثة والجديدة والتي لم تكن معتمدة، فهي إذن تتجاوز شكل الخطط العسكرية الكلاسيكية لتدخل في سجل التجديد التام.
عاد العلم السوري مرفرفا عليها، فإذا بالطريق الساحلي قد أصبح ناجزا، وإذا بحدود المخاطر الإرهابية مع لبنان تتقلص إلى حد الانعدام، وإذا بمدينة حمص تتحسس الرغبة بأن ترى في القلعة التي تطل عليها، روحا تهبها الحياة.
يحدث كل ذلك، والعدو الإسرائيلي يتأمل المشهد من بعيد، يتساءل ما إذا كانت ثلاث سنوات لم تضع حدا لحرب جهنمية، فكيف لو كان طرفها المباشر، وماذا أيضا سيكون عليه في المستقبل بعد تحول الجيش العربي السوري إلى تلك القوة القاهرة التي صارت من أهم جيوش المنطقة بعد الممارسات اليومية على أرض الواقع وبالرصاص الحي والقذائف الحية؟ هل يمكن لتلك الغارة التي شنها الإسرائيلي على الجولان إثر انفجار اللغم بجنوده أن تظل بلا حساب؟ من عادة السوريين الصبر والحكمة في آن معا، هم يراكمون العدوان الإسرائيلي المتكرر عليهم، لكنهم لن ينسوا ولن يغفروا.
أما الأميركي فيعترف هو الآخر بالنقلة السورية الهائلة التي تتم يوميا .. السوريون لا يحررون مواقعهم، يعيدونها من أيدي الإرهاب المغتصب .. يفوزون مرتين: الأولى يقدمون عرضا مغريا أمام العالم للتعرف على آخر ما توصلت إليهم قواتهم من خطط وقوة وإدراك وإمكانية، والثانية أن إعادة ما اغتصب تكون له رهبته من جهة وتوجيهه ضربة قاتلة بأن ما للوطن للوطن وكل ذرة فيه له وحده وقد يحدث في التاريخ مثل هذا الاغتصاب لكنه بعدها لن يتكرر.
سوف تحكي حجارة تلك القلعة ما مر عليها من حزن دفين يوم عاث فيها الإرهاب فسادا وكادت أن تختنق من أنفاسه .. لكنها هي الأخرى من الصابرين الذين عرفوا القادم المنتظر وأن العودة إلى حضن الوطن أقرب من أي كلام حوله.
هو التاريخ الذي يكتب من جديد، هي الحرية التي تعاد إلى أجزاء من وطن غال على شعبه وأهله وجيشه ودولته ونظامه ورئيسه .. ملحمة حرية القلعة تحدث أيضا أمام قوى إرهابية أخرى ما زالت تعيث فسادا على الأرض السورية، وقد بثت الرسالة إليها أن أيام الحرية لأجزاء الوطن الأخرى باتت قريبة، فكما كان الوطن سيكون عليه.
قلعة الحصن التي زرتها مرارا وكانت نجما في أحد برامجي الإسلامية، أشهد وأنا أتأمل مشهد عودتها إلى حضن الوطن، إنها من أصعب الأماكن التي تخشاها الجيوش، والسبب الأول فيها أنها لا تريد أن تخدش تاريخها أو تحدث دمارا فيها .. لكن الجيش العربي السوري عرف طريقه إليها متخطيا كل الصعوبات ليعيد إلى العالم مفخرة من مفاخره التاريخية كما كانت تماما وفي أبهى حلتها.

إلى الأعلى