الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تَـــشَــــظِّـــــــي الـحَــــمِـــيْــــمَــــةِ” … ثلاثُ ملاعقِ سكّر لـ “حياة أقصر من عمر وردة ” لــ عبدالله البلوشي

تَـــشَــــظِّـــــــي الـحَــــمِـــيْــــمَــــةِ” … ثلاثُ ملاعقِ سكّر لـ “حياة أقصر من عمر وردة ” لــ عبدالله البلوشي

يقول إلياس فركوح في أحد حواراته : ” إذا ما اتفقنا من حيث المبدأ على أنّ الحياة لا تتعيَّن “موضوعًا”، في الفنّ كما في الحياة، إلا بوجود “ذات” لا تُعاينها فحسب، بل تعيشها كشرطٍ يُوجِب التلازم معها، فإنَّ لجوء الكاتب إلى حياته الشخصية لكتابة أدبه يصير أمرًا مفهومًا ” .1 والكاتب بلجوئه إلى ذلك النوع من الكتابة لا بد أن يكون اعتماده على الذاكرة؛ لاسترجاع طفولته الخاصة ومرابع الذكريات الحميمة، إلا أنّ هذا الاعتماد الرئيس على الذاكرة يسبقه مجموعة من المحددات، لعل أبرزها هو تحرّي الموضوعية المطلقة فيما سيرويه عن ذاته، مع الإقرار بأنّ وضعه الشخصي الحالي، ووضْع بعض الناس الذين ارتبط بهم، والوضع الاجتماعي عامة، لا يُسعفه على رواية كلّ شيء . كذلك فإنّ تناول أحداث واقعية لا يعني مطلقًا موضوعية الحدث عنها، بحيث إنّ الفترة الزمنية الفاصلة بين زمن الواقعة وزمن الحكاية لا تُسعف على الاسترجاع الموضوعي، فضلًا عن أنّ الذات الحاكية لا يمكنها أنْ تنفصل عن المحيط الاجتماعي والثقافي الذي آلت إليه، وكلّ ذلك يفيد أنّ الموضوعية التي تحدَّثَ عنها الكاتب لا تتحقّق بالصيغة التي افترضها .2 من جانب آخر فإنّ استعادة تاريخ حياة، تخضع في الغالب لشروط زمن الاستعادة، ووَعْي المستعيد ووجهة نظره، ومستلزمات التعبير عن ذلك، أكثر مما تخضع لشروط المسار التاريخي الحقيقي لتلك الحياة .3
إنّ التجارب الذاتية بكلّ تنوّعاتها ومكوّناتها وعناصرها وأمشاجها الوقائعية أو الفكرية كانت تُستَثمَر بوصفها مكوَّنات جزئية في بناء عالَمٍ مُتَخَيَّلٍ شاملٍ، وتُوظَّف حينما يُعَادُ إنتاجُها طبقًا لمقتضيات ذلك العالم وحاجاته الفنية .4 وبالتالي فالسيرة الذاتية هنا خطابٌ تخييلي متجدِّدُ المفاهيمِ والرؤى، ولا بدّ حتى تنجح أيّة سيرة ذاتية نجاحًا إبداعيًّا لا وثائقيًّا أنْ تحمل في طياتها بذور المجاز والاستعارة والحكاية والتوهُّم والاختلاق والتخييل؛ على اعتبار أنَّ الحياة المعيشية نفسها مليئةٌ بالكذب والوهم وأحلام اليقظة والنرجسية والخيال وما إلى ذلك !! .5 فالتجربة الذاتية تُشحَن بالتخيُّل، وتوفِّر هذه الممارسة الإبداعية حرية غير محدودة في تقليب التجربة الشخصية .. وإعادة صوغ الوقائع واحتمالاتها، وكلّ وجوهها … .6
بدت لغةُ عبدالله البلوشي في سيرته الذاتية ” حياة أقصر من عمر وردة ” شاعريَّةً، تضجُّ بالتخييل والأحلام، لا سيما وهو يسرد علاقاته الحميمةَ بالآخر . لقد جسّدت تساؤلاته الأنثروبومورفية7 المستوى الحسِّي والروحي الذي ظلّ عبدالله البلوشي محتفظًا به بين جوارحه وهو يسرد هواجسه في تفاصيل الكائن الإنسان والكائن الطير والكائن الجماد، ثلاث ملاعق سكّر قد لا تكفي لإطالة حياةٍ أقصرَ من حياة الزهور، لكنها قد تمنحنا حرارة الصراع بين القبح والجمال، وإذْ تمنحنا ذلك فإنها تمنحنا إياها ونحن ما زلنا متجذّرين في تربة الحياة لا كما تمنحُها الزهورَ بعد اقتلاعِها من تربتها .
المِلْعَـقَةُ الأولى / الكائنُ الإنسانُ
إنّ الكتابة احتفالٌ بالذات وبجماليات الحياة : حيث إنّ الكاتب يحاول الاحتفال بعالم الطفولة والقرية الريفية بكلّ الوسائل التي تتيحها اللغة بالنسبة إلى شخصٍ مثله لا يريد ولا يستطيع التواصلَ مع البشر والأشياء والفضاءات من حوله إلا من منظور شِعريٍّ أصيلٍ فيه .8 يقول البلوشي في نصِّه الطويل الموسوم بـاسم بلدته “المعلاة” : ” كنتُ أتصيّدُ السعادةَ واقتناصها من كلّ مفردةٍ من مفردات عالمي الصغير، ذلك العالَمِ المتمثِّل في حضور الرموز الإنسانية الحانية التي كنتُ أتواصل معها بشغف، إلى جانب ذلك السِّحْر الكَامِنِ في تفاصيل كلِّ الأمكنة حال الوقوف عندها والزاهيةِ بجمالياتها التي لا تُحدّ” .9 لقد عاش البلوشي في سيرته كائنًا صُوفيًّا يسير برُوحِهِ أكثرَ منه بقَدَمَيْهِ، عاش يـقـتـني حكايات الليل من عجائز البلدة ليؤسِّسَ علاقاتٍ حميمةً مع الوجود بكلِّ مصائره، لكنَّ التشظِّي الذي يمارسه الغياب في الوجود يُحيلُ تلك الحميمةَ إلى ذكرى تنزف وجعًـا، يقول : ” كانت تجاورُنا امرأةٌ مُسِنَّة لم تُرزق بأولاد، وهي المرأة التي أتحفتنا بتلك القصص الغرائبية التي كانت تسردها في ليالينا الطوال … كنّا نتحلّق حولها في ليالي شهر رمضان المُضيئة بنجومها الزاهية … كانت هذه المرأة تعتني ببقرتها عناية فائقة ..تأخذ حليبها كل صباح .. تقوم بخضّه جيدًا إلى أن يتحول إلى لبن ثم توزّعه على جيرانها الذين كان أطفالهم يتقاطرون عند باب بيتها .. أتذكّر أنّ زوجها كان يمدّنا بغذاء طيب المذاق يُعدّه في صباحات نهار رمضان … لم تجد هذه المرأة بدًّا من الانتقال لتعيش إلى جوار شقيقتها التي كانت تعيش في منطقة بعيدة تقريبًا، وذلك بعد وفاة زوجها، وقد قُدِّرَ لي التواصل معها بين فينةٍ وأخرى في منزل شقيقتها تلك إلى أنْ وافاها الأجلُ المحتوم، لأكونَ بعده شاهدَ عيانٍ على حياة كائنَيْنِ وَدِيعَيْنِ كانا يعيشان تحت سقفٍ مشمولٍ بظلِّ الليل .10
إننا أمام كتابةٍ سرديّةٍ شِعريّةٍ تأتي كما لو كانت وفاءً بنذرٍ يُعزِّز علاقات الذات بأرواح الأسلاف بقدر ما يُعزِّز علاقاتها بعالمها الجديد … نصٌّ يحتفي كلَّ الاحتفاء بإنسانيّة الكائن وجماليات الحياة، حتى إذا كانت في ذروة مصائرها المأساوية .11
في حديثه عن “جوخة” جدَّتِهِ لأبيه يسرد البلوشي أعمقَ العلاقات الحميمة التي عاشها في مراحل حياته، الجدَّةِ التي كانت كما يقول ” تُضئ مساءاتي الهادئةَ بحكاياتها الأسطورية النادرة . لم تحتفظ أضلعي بأثر ضمّة حنانٍ قدرَ ما احتفظتْ بضمّتِها هي وحدَها ” .12 يتجه سرد البلوشي في حديثه عن عاطفة جدّتِه جوخة تجاهه وعلاقته الحميمة بها إلى دراما شِعريّة ” فالبوح بأسرار العواطف والأفكار يخفِّف من شدّة ضغطها على النّفس، وبهذا تُصبح السِّيرة نوعًا من التنفيس عن المشاعر المكبوتة ” .13 يسرد الكاتب مشاعر الخوف الذي ينتابه أثناء استماعه إلى حكايات جدّته “جوخة” في الليالي الممطرة، وردّة فعلها تجاه خوفه : ” .. وكانت كلما أحسّت برعدة فرائصي بفعل قصف الرعد الذي كان يهدر في الفضاء الخارجي الرحب، تهمُّ بضمّ جسدي الصغير إلى صدرها الدافئ؛ في محاولة لإبعاد شبح الخوف الذي يأخذ في السيطرة عليّ والذي كان يتكثّف أكثر أثناء سرد الحكاية نفسها، لذلك فإنه لا يمكنني وصف ما كنتُ أشعر به أثناء الضّمّة تلك واحتوائها لجسدي، وهو ما بقيتُ أستحضره على الدّوام في المواطن المُشابهةِ لمثل هكذا موقف، كما أنه ليس بمقدوري أيضًا أنْ أصفَ أثر تلك اليد التي كانت تهدّئ وجيفَ قلبي الصغيرِ الناجمَ عن سماعِ دويِّ ذلك الرّعـد ” .14
لعلنا إذا تتبعنا الحركة السردية في المشهدين (المرأة المُسِنَّة / جـوخة ) نجد أنَّ الحركة السردية في المشهد الأول الذي يتحدث عن الجارة العجوز تـتـكوّن من أكثر من أحدَ عشرَ فِعلًا، أسندها السارد إلى المرأة العجوز، وهي أفعال تضجّ بالحركة والحيوية في دلالتها ( تجاورنا / أتحفَتْنا / كانت تسردها / تعيش مع زوجها / تعتني ببقرتها / تأخذ حليبها كلّ صباح / تعمد إلى وضعه / تقوم بخضِّـه / تـوزّعه على جيرانها / اعتادت بعد العشاء أن تشعل / كانت تحضِّر / … ) وهي تسرد الحياة الاجتماعية والأعمال التي تقضيها هذه المرأة في حياتها .
إنَّ تلك الأفعال – على الرغم من حيويتها الماثلة – إنما ترسم مساحة انتظار وتمهِّـد لعلاقةٍ حميمةٍ مُزْمِنةٍ آيلةٍ للانهيار في لحظةٍ ما، وقـد اخْتُـتِـمَ المشهد بتلك البكائية؛ لحميمة العلاقة التي أشار السرد إلى جزءٍ بسيط منها بين العجوز وزوجها؛ لذا فإنَّ شظايا عدّة في هذا المشهد؛ التشظي الأول في فـقْـدِ المرأة زوجَها، الـتشظِّي الثاني في هجرة بيت زوجها المُتوفَّى، التشظِّي الثالث في بكائية السارد الأخيرة على أثـر موت المرأة ! هذه الشظايا ما كانت لتحدث لولا وجود حميمة متجذِّرة تربط تلك الكائنات بعضَها ببعض، لكنَّ أفعال الكائن السارد شبه غائبة في هذا المشهد، فقد استحوذت المرأة المسنّة على حركة الأفعال إذْ كان السرد يركِّز على وجود المرأة الحميمي في علاقتها بالمجتمع . في المقابل نجد أنَّ الحركة السردية في المشهد الثاني يتقاسم أفعاله كلٌّ من الساردِ وجدّتِه “جوخة” وهي أفعال سيكولوجية في دلالتها بسبب حالتَيْ “الخوف من” و”الخوف على” ( أحسّت برعدة فرائصي / تُضئ مساءاتي / تهمُّ بضمّ جسدي / لم تحتفظ أضلعي بأثر ضمّة حنانٍ / لا يمكنني وصف ما كنتُ أشعر به أثناء الضّمّة تلك واحتوائها لجسدي / تهدّئ وجيفَ قلبي ) . على الرغم من المشهد الحميميّ الذي يسرده البلوشي عن علاقته بجدَّتِه إلا أنَّه لم يذكر موت الجدّة او رحيلها أو شيئًا من تشظِّي الحميمة تلك!.
في النص نفسه يبدو مشهد الجدّ والجدّة “جوخة” أكثر حميميةً من المشهد السابق، حيث يضمُّ علاقةً من نوعٍ آخرَ، تنتمي إلى المستوى الأفــقي وليس العمودي لكن السرد يركِّز على قِيَمِ العلاقة الحميمة التي ظلت الجدّة تتمتّع بها في هواجس الكِبَـر والضَّعْـفِ، وفي مصائرها المُثْــقَلةِ بتَعَبِ السِّنين : “لم تتخلَّ جدتي يومًا ما عن الاهتمام بجدّي الذي كان يكبرها سنًّا، فعلى الرّغم من أنّ الاثنين معًا فَـــقَــدَا نظرَهما منذ مرحلة الكهولة تقريبًا، إلا أنهما كان يبصران بحدس غريب. في المساء كانت تقوم بتقديم التمر والقهوة له. كانا لا يكفّان عن الحديث بصوتٍ عال، فهو إلى جانب أنه أعمى كان لا يسمع كثيرًا أيضًا، وقد كانت تردّ على أسئلته المتكررة، بأنْ تقرِّب فمها من أذنه بشكل ملاصق …. كان يناديها بنداءات تنمّ عن تعلُّقِه بأمّـه الراحلة منذ زمن طويل، لا سيما في أيامه الأخيرة من العمر، كأن يقول لها “مــاه” …”15
قام الكاتب في نصّ “جوخة” بشحن السرد بالشِعريّة والتخييل من أجل القِيَمِ الحميمة عند جدّتهِ “جوخة”، فتركّزت الأحداث جلُّـها في “جوخة” لكنّه يفجؤنا حين يسرد تشظِّي تلك الحميمة بجملةٍ أقربَ إلى الوصفية منها إلى الشِّعرية من خلال تشظٍّ آخر، هو موت الجدِّ16 : ” كان جدِّي بحارًا قديمًا بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، حيثُ توفِّيَ عن عمرٍ ناهز المائةَ وخمسةً وعشرين عامًا، وذلك بعد أن رحلت جدّتي قبله في ليلةٍ صيفيّةٍ هادئةٍ” .17
إنَّ ما توقَّعَه المتلقي هو تشظٍّ من العيار الثقيل –إذا صحَّ القول – فالسّرد سار – بعد وصف تلك العلاقة الحميمة بين الجدّين – باتجاه الجدّ وعلاقة الحفيد به، فضلًا عن أنه يبدو أنّ هناك اضطرابًا في البكائية في آخر النص؛ فالحديث عن الجدّ ووفاته في عمر متقدِّم، يستحضر ذلك الحديثُ وفاةَ الجدّة “جوخة” – كأنه خبر عابر – لكنّ النصّ زاد من هذا الاضطراب عندما تخلَّى عن السرد الأساس وهو الحديث عن الجدّ، ليواصل خاتمته عن الجدّة، مع أنَّ السرد كان يتعلق بالجدّ، ويُلاحظ ذلك بعد المقطع السابق مباشرة : “.. في ليلية صيفية دافئة، وقد نقلت لي إحدى النساء المُسِنَّات رواية عن صاحب المنزل المُتاخم للمقبرة، حيث وُورِيَت الثّرى هناك، أنّه كان يستشعر هبوب نسمات باردة توزّعت في ذلك المكان عقب دفنها” .18
على كلِّ حال فالمشاهد السابقة تأخذنا إلى “فضاءات الطفولة البعيدة وعلاقاتها الحميمة المفتقدة للاحتفال بها، كما لو كانت طفولة العالم التي يحرص الفن على العودة إليها والتذكير بها؛ لما تنطوي عليه من قيم البراءة والحبّ والمرح .. “19
المِلْعَـقَةُ الـثَّـانية / الكائنُ الـطَّـيْـر
” هل تحب الطيور كما نحب؟ هل تتخاصم؟… هل تبكي أيضًا؟ هل تُفجَع عندما يموت أحد من أفرادها؟ وهل يستمر حزنُها عليه طويلًا ؟ هل تختفي بعيدًا عندما تشعر بدنوِّ أجلها أم تحبِّذ أن تموت في مقبرة أو تحت ظلِّ شجرة؟20
إنَّ التساؤلات السابقة تُحيلنا إلى معرفة تلك الرُّوح التي بَدَا بها البلوشي في لغته السردية، إنها لغة تنضح بالحزن أكثر منه بالفرح، وبالعاطفة أكثر منه بالواقعيّة، لقد بدت تلك اللغة في المقطع السابق فلسفةَ رثاءٍ للبشرية، رثاءٍ للوجود Existence بمجمله؛ الحبّ والحزن والبكاء والتّشظِّي، إنّها العوالِمُ التي تجعلنا في لحظة من الزمن ننضو عن ذواتِــنا ثوبَ البلاغة لنواجهَ الحقيقةَ، في هذه اللحظة فقط يُصْبِحُ العُـرْيُ جَميلًا، إذْ نـَـــعْـــرُجُ إلى العالَمِ كلِّـهِ بِـــــبِضْعِ كلماتٍ، فالطيور أيضًا – في فلسفة البلوشي- تعيش بين الحميمةِ والتّشظِّـي، فعندما يطرح تلك التساؤلات فهو يبحث فيها عن حميمة الإنسان ويبحث فيها عن تشظَّي الإنسان، عن وجَـعٍ ممتدٍّ في كلِّ تلك التقلّبات الشعورية التي كان يطرح فيها تأمّلاته الفلسفية.
يتابع هواجسه عن الطيور قائلًا : ” .. هل تموت عطشًا في متاهات صحراء واسعة مثلما نموت نحن عندما لا نجد ماءً … ” 21 . لقد كوَّن البلوشي علاقاتٍ روحيَّةً حميمةً مع الكائنات في فضاء واقعه، فتحوّلت معادلًا موضوعيًّا يُسْقِط عليها أحزانه وأوجاعه، آمالَه وأحلامه، ولأنَّ الطيرَ عنده مُثيرُ أحلامٍ، كان صوتُه ورفرفتُه مُثِيرَيْنِ لدرجة الاستفزاز الروحي لعوالِمَ تكاد تختفي في ضجيج الوجود : ” لم يكن ثمة صوت يقطع تأملي العميق حين أكون مستغرقًا في الخلوة أكثر من صوت ذلك الطائر الذي يعبر الفضاء وحيدًا في تلك اللحظة بالذات وهو يتجه مرفرفًا ناحية الجنوب . كان صوته المُترع بشجن يتيم ، والذي يأخذ في التسلل إلى مسامعي تدريجيا بشكل تراتبي يزداد وضوحًا كلما اقترب أكثر من فضاء البيت، إذ كان يرتقي بروحي ويصعد بها نحو عوالم غائبة في الظلّ أسهمتْ في ضياعها أحداثُ زمنٍ جدب، فأصبحتْ لا تزيد عن مجرد طيف ضبابي عابر، كعبور هذا الطائر نحو غيابات المجهول .22
يختصر الكاتب رؤيته الصوفية في ذلك الطائر، في رحلته الأولى من بلدته إلى مسقط، في الطريق عند رؤية الطيور، يقول : ” كنتُ أحلم لو أنني كنتُ طائرًا ضمن ذلك السّرب؛ وذلك لرسوخ قناعتي بأنّ الطير هو أكثر الكائنات حرية بالمطلق … ” . 23
“إنَّ التجربة الذاتية لها قيمتها التي تتجلَّى عادةً بوصفها “قيمة خطيرة” .. إنها تساعدنا على فهم قوّتنا وضعفنا معًا، نقصنا وإمكانات مجاوزة نقصنا في آن . وهي تفتحنا على العالم والآخرين بقدر ما تفتحنا على داخلنا . ومن ثم فهي تطرح أمامنا الوجود كلَّـه بوصفه موضوعًا لاكتشاف الرغبة الشخصية والطموح الشخصي؛ أي اكتشاف نزوع الحاضر وتعدِّي هذا النزوع إلى المستقبل ايضًا … “24

المِلْعَـقَةُ الثالـثـة / الكائنُ الـمــكـان :
يكتسب المكان بعدًا جماليًّا لما يمنحه من إمكانية الغوص في البنية الخفيّة والمتخفّيّة في أحشاء النصّ، وأجوائه، ورصد تفاعلاته وتناقضاته ” .25 لقد شكَّـلَ المكان بؤرة تأزُّمٍ في النصّ كلّما ألحّتْ على الذاكرة صورتُه المُتَشَظِّيَة . فإذا كان المكان يتخذ دلالته التاريخية والسياسية والاجتماعية من خلال الأفعال وتشابك العلاقات؛ فإنه يتخذ قيمته الحقيقية من خلال علاقته بالشخصية عامة ثم يعود المكان لكي يؤثِّر على ملامح هذه الشخصيات وصفاتها ولغتها وعلاقاتها وأسمائها وقيمتها .26
لا شك أنّ الأمكنة الارتدادية في الذاكرة السردية تتفاوت في وظائفها وقيمها الجمالية، لكن القيمة الجمالية العليا حينما يتحول بنا المكان الارتدادي من كائنات واقعية إلى أرواح سائلة، تخلق من ارتداده عوالِمَ أخرى في أساطير الثـلج والنار وفي طقوس الموت والحياة .
في سيرة عبدالله البلوشي كان الإحساسُ بالمكان وجمالياته، تـتـكـدّس صُـوَرُ المكان في أعماقه وتتراءى كأرواح حميمة تأبى مغادرة ذاكرته المُحَمـَّـلة بجراح الفـَـقـْـد .
فلم يكتفِ أنْ جعل المكان في سيرته واقعا هندسيا جامداً وإنما نفخ فيه من رُوحه الحالم وذاكرته المجروحة، لقد جسَّـدَ المكان رُوحاً يضج بالأنين المُزْمِن والوجع الدائم كمعادل فني للهواجس الجَوّانيّة الممتدة من لحظة الميلاد، وقد رصد في سيرته تفاصيل الطفولة المُخضـّـلة بطقوس الحزن والفرح، فكانت القريةُ والبيت والمدرسة، والأشجار، والجبال والكهوف، والوديان كلُّها حاضرةً في ذاكرته السردية، تنقل الصور الحسيّة للمكان إلى تجربة انفعالية يظهر فيها صدى نفسٍ مُـعَـلَّـقَـةٍ بأرواح الماضي ومُمَـزَّقةٍ بـتـنـهّـدات الحاضر.
إنَّ المتأمِّل في نصوص السيرة عند البلوشي يُدْرِك تمامًا أنّ عُمْقَ القراءةٍ في هذه النصوص يتركّز في سردِ الكاتبِ المكانَ وحميمةَ العلاقة بين الإنسان وهذا الكائن المُؤَنْسَن، ولعلَّ افتتاحية نصّ “المعْلاة” تترجم تلك الحميمة بين البلوشي والمكان : “… وهي البلدة التي حملتُ معالمها على الدوام في الجزء الأعمق والخفيّ من ذاكرتي … “27 .
إنها الرحلة الطويلة والشاقة التي حمل فيها البلوشي كلّ أنماط الضجيج وتقلّبات الهواجس التي عاش تفاصيلها في بلدته، فتخضع طقوس الحميمة والتشظِّي في كتابة الذات لعلاقة الاتصال والانفصال، وعلاقة الثابت والمتحوِّل، ولا شيءَ يمكنه أنْ يُوقِفَ نزيفَ السّرد عندما يخترق التحوُّلُ عوالمَ الذات . في البلدةِ التي احتضنت طفولته يتشظّى كائنُ الجمال، إنها حساسية المكان المفجعة حين نفقد في ذواتنا المكان الرمزي المتعالي في الذاكرة، يقول : ” وكم يكون وقْعُ هذا التحوُّل عليّ صاعقًا حين يكون الرمز الذي ألفته ردحًا من عمر طفولتي قد غرب إلى الزوال والعدم، كأنْ تموت شجرة ما أو يُهدم بيت طيني صغير أو تُقتلع نخلةٌ من جذورها “28
( الشجرة + البيت الطيني + النخلة ) كلها عناصر اتصال ثابتة تُوقِـد في الذات مشاعل الذكرى في عوالم العتمة والغياب، في عوالم ( المَوْت + الهَـدْم + الاقتلاع ) وهي نتاج أحداث تراجيدية مفجعة . ليست تلك العناصر الأولى مجرد زخرفة جمالية فائضة عن حاجة الذات العميقة، إنما هي متشكِّلة في رحم الطفولة ومُتَشَبِّثةٌ بجذورها في تربة الوجدان لتمنحَ الذات الانسجام والتوازن في مواجهة الطبيعة الطالِعة تجاه التكدُّس والفوضى . الإنسانُ مُنْتِجٌ الجمالَ، والإنسانُ مُنْتِجٌ القُبْحَ في الوقتِ نفسِهِ؛ وبسبب الصدام الحاصل بين ما هو جميل وما هو قبيح تحتضن الذات قلق الروح بين جنباتها . فالشجرة، والبيت الطيني الصغير، والنخلة ليست مفرداتٍ مكانيةً فحسب وإنما هي كائناتٌ روحيّـة، تستمد منها الذاكرة رؤيتها للعالم من حولها، وحين يُمارَسُ على تلك الكائنات طقوسُ التشويه والفناء فإن ثمّة طقساً جنائزياً ـ بالمقابل ـ تمارسه الذات في داخلها.
إنّ السرد الفني لم يعد وصفًا أو تقديرًا أو تجسيدًا أو ترميزًا للواقع المحيط بنا، أو حتى بناءً رمزيًّا جدليًّا موازِيًا للواقع، بقدر ما صار شهوةً جماليّةً عارمةً في إنماء الحسّ الجمالي .29
سوقُ البلدة هو المكانُ الذي تتجسّد فيه حركةُ الحياة بعوالمه وكياناته المتنوعة، حالةُ الجِــدَّةِ هنا هي حالة متشظِّية لا تُـعِـيد إلى الحميمة صورتها الزاهية؛ فالجِــدَّةُ هنا تشويهٌ واقتلاعٌ لحميمةٍ مُخَضَّلةٍ بهواجس العمرِ كلِّه، يقول في نصّ “المعلاة” : ” كان سوق بلدتي الأول قديمًا للغاية، يمكن الاستدلال على ذلك من شكل الحجارة والأخشاب المبنية به . لم أستطع درء نفسي عن ولوج فضاء الحزن ومداراتها عندما تحوَّل فجأة إلى أنقاض بهدف تشييد بناء جديد ليحلَّ مكانه “30
يتكئ البلوشي في الوصف على السردية الشِّعرية في جَعْلِ المكانِ يبدو كائنًا حيًّا يضجّ بعوالم الفرح، فيحوِّل الكينونة الصلدة المتجذِّرة في الجبال إلى أصداء فرح متحرّكة، يقول في حديثه عن جبل “السعتري” : أكثر ما كان يشدّني فيه هي تلك التجاويف العميقة في واجهته المطلّة قبالة الناظر. كانت هذه التجويـفــات أشبه ما تكون بجَمْعِ قِطَطٍ راكضةٍ بفرح .31
هكذا يخلق البلوشي من لغة الجبل لغةً أخرى تسيل عليها مياه الحياة فــــ ” البلاغة السردية هنا تتمثَّل في القدرة على محو التاريخ النفسي والجمالي والمعرفي للبلاغة والمعايير المتواترة من الكلمات، والتراكيب والنظريات، وإحلال مبدأ التوتّـر داخل مبدأ التواتر، بما يستحضر القدرة على قذف اصوات اللغة من جديد في نهر الوجود … يجب أنْ تتحولَ البلاغة السردية من بلاغة معيارية تصف الأشياء والأحياء والموجودات . هنا يُصْبِحُ الوعيُ مثْــقَــلًا بِــمـاءِ الوجود لا بحدود اللغة ” .32 فالذات في نصّ “قطـَّـار” تصنع صورةً لكونٍ حيٍّ لا يقوم على مبادئ ميكانيكية متبادلة التأثير، بل على إراداتٍ وعواطفَ تـتـبدّى في شكل حركي، وإذ تتحول العناصر القاسية الصلدة (الجبال) في تجربته إلى أنقى الصور العاطفية وأرقـّـها على الإطلاق :
” كنت أشعر بأن تلك الجبال قد بدأت تأخذ في التقارب أكثر مع بعضها البعض كمثل أنثى طير تلملم صغارها تحت جناحيها الدافئين ” .33
لقد كانت الذات مصابة بحساسية مفرطة تجاه المكان ومفرداته الصغيرة الدقيقة، ، يجرحها كلُّ ما من شأنه تشويه الطبيعة أو قـتـلها؛ لأنها تستمد منها بهجة العالم وإشراقته الزاهية ـ كما يقول في نصٍّ ” كنت أحرص في أول الصباح على تأمل أوراق هاتين النبتتين واللتين ظلتا نضرتين هكذا زهاء ثلاثة أيام منذ اقتلاعهما، لكنه سرعان ما بدأتا في الذبول بعد ذلك بشكل تدريجي، الأمر الذي أثّر بدوره على نفسيتي التي كانت تستشرف في نضارتهما بهجة العالم وإشراقته الزاهية ” .34
لا بدّ أنَ عملية الاقتلاع الخارجية تعادل تماماً عملية اقتلاع داخلية في الذات، وما لحق الشكل الخارجي الجميل من ذبول هو نفسه ما تعانيه الذات في رؤيتها للعالم المثال . إنه الشعور بالأسى حين تغادر الذاتَ عوالمُ الروح وتهجر الأمطارُ مزاريبَ السطوح، وحين ترفض الرياحُ أحضانَ النخيل . لا ألـمَ أقسى من أنْ تعيش الذات بلا أحلامٍ فاعِـلـةٍ في الرُّوح .
قدَّم البلوشي في سيرته كثيرًا من صور الحميمة والتشظِّي، قدَّمها في سرْدِه عن الكائن الإنسان، عن الكائن الطير، عن الكائن المكان، وهناك كائنات أخرى صوّر من خلالها الحميمة والتشظّي كالأشجار والنباتات الصغيرة، والفراشات، ولم يكن ينظر إلى كلّ تلك الكائنات على أنها جزء مكمِّل في الوجود فحسب بل رأى فيها دورًا مهمًّا في التفاعل مع الوجود، ودورًا مُلْهِمًا في تحريض الخيال الخلّاق لتفكيك شبكة الكون . في سيرة عبدالله البلوشي ” انتقل السرد من وجوده اللغوي المادي الكثيف إلى سيولة الرؤى المتداخلة ” .35
————————————————–

المراجع والمصادر:

1 محمد صابر عبيد، سوسن البياتي، البنية الروائية في نصوص إلياس فركوح، تعدد الدلالات وتكامل البنيات، دار وائل للنشر والتوزيع، عمّان، ط1، 2011م، ص159.
2 عبد العزيز جسوس، قراءة في الأدب المغربي الحديث، دار زاوية للفن والثقافة، الرباط، ط1، 2006م، ص13و14 .
3 عبدالله إبراهيم، الرواية العربية، الأبنية السردية والدلالية، مؤسسة اليمامة، الرياض، ط1، 2007م، ص367.
4 المصدر السابق، ص373.
5 حسين المناصرة، وهج السرد : مقاربات في الخطاب السردي السعودي، عالم الكتب الحديث، إربـد، ط1، 2010م، ص93.
6 عبد الله إبراهيم، ص366.
7 الأنثروبومورفية : إسناد صفات بشرية ـ كالأفكار والمشاعر والإدراك والدوافع ـ إلى كائنات غير بشرية . انظر : جفري ماسون، سوزان مكارثي، عندما تبكي الفيلة،
8 الرواية العربية، ممكنات السرد، القراءة الحوارية لعلاقات السيرة الذاتية بالرواية، معجب الزهراني،ندوة مهرجان القرين الثقافي الحادي عشر، ج2،ص103.
9 عبدالله البلوشي، حياة أقصر من عمر وردة، ص60، ط1، مسعى للنشر والتوزيع، البحرين 2014م .
10 حياة أقصر من عمر وردة، ص60-61.
11 القراءة الحوارية لعلاقات السيرة الذاتية بالرواية، ص106.
12 حياة أقصر من عمر وردة، ص83.
13 محمد عزّام، وعي العالم الروائي، دراسات في الرواية المغربية، منشورات اتحاد كتّاب العرب 1990، ص21.
14 حياة أقصر من عمر وردة، ص83ـ84.
15 حياة أقصر من عمر وردة، ص85.
16 انظر أيضًا نصّ “الضريرة” ؛ على الرغم من سرد العلاقات في النص بشكل حميمي إلا أنّ البكائية لم تكن تتناسب وحجم تلك الحميمة ، ص91-96.
17 حياة أقصر من عمر وردة، ص86.
18 حياة أقصر من عمر وردة، ص86.
19 القراءة الحوارية لعلاقات السيرة الذاتية بالرواية، ص107.
20 حياة أقصر من عمر وردة، ص37.
21 حياة أقصر من عمر وردة، ص38.
22 حياة أقصر من عمر وردة، ص41
23 حياة أقصر من عمر وردة، ص99.
24 وليد منير، النص القرآني من الجملة إلى العالم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة 1997م، ص169.
25 أحمد زنبير، المكان في العمل الفني ؛ قراءة في المصطلح، مجلة عمّان، الأردن، ع129، آذار 2006، ص13.
26 محمد الباردي، الرواية العربية والحداثة، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا، 1993م، ص232.
27 حياة أقصر من عمر وردة، ص43.
28 حياة أقصر من عمر وردة، ص43.
29 أيمن تعليب، منطق التجريب في الخطاب السردي المعاصر، ص273، ط1، العلم والإيمان للنشر والتوزيع، مصر 2010م .
30 حياة أقصر من عمر وردة، ص63.
31 حياة أقصر من عمر وردة، ص45.
32 منطق التجريب في الخطاب السردي المعاصر، ص281-282.
33 حياة أقصر من عمر وردة، ص110.
34 حياة أقصر من عمر وردة، ص55.
35 منطق التجريب في الخطاب السردي المعاصر، ص273.

د. حمود الدغيشي

إلى الأعلى