الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / البنية المدحية في الشعر العماني (5)

البنية المدحية في الشعر العماني (5)

البنية الخارجية في القصيدة المدحية العمانية

إن البنية الخارجية للقصيدة تتكون من عدة مكونات، وسيتم التركيز على ثلاثة منها: المقدمة، والألفاظ، وحسن التخلص. وقد درج الشعراء العمانيون على نهج من سبقهم في البدء بمقدمات غزلية أو طللية أو وصف للطبيعة، ليأتي بعد ذلك غرض القصيدة الأساسي ومرد هذا في اعتقادي رغبتهم في الحفاظ على القالب الكلاسيكي والمنهجية التي سارت عليها القصيدة في بداية ظهورها في العصر الجاهلي، فالمقدمة الطللية تعد من اشهر المقدمات شيوعا في الشعر العربي قبل الإسلام وفيها يجد الشاعر متنفسا لما يختلج في خلده وبما يدور في ذاكرته من ذكريات تحمل الاسى والشجن الماضيين، يحاول الشاعر استعادتها بهذا القالب الفني في عمله الابداعي، على ان هذا التقديم له وشيجة بموضوع القصيدة الذي يكون الشاعر في صدد الحديث عنه ولا شك في أن افتتاح الشعراء لقصائدهم بالمقدمات الغزلية المتوارثة، كان له سبب؛ فمن المعروف أن معظم القصائد العربية تبدأ بالغزل ما عدا قصائد الرثاء، وعلة ذلك أن الغزل يصل إلى السمع ثم إلى القلب، فيكون برداً وسلاماً، حتى إذا جاء الغرض الحقيقي من القصيدة، وليكن هجاء، استجابت له النفس بسرعة، وأثر فيها تأثيراً بالغاً (مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي:116- 117) . مثال ذلك ما نجده في قصائد الستالي، ومن ذلك ما قـــــــاله الستالي (ت: 676ه) في مدح أبي محمد النبهاني حيث بدأ قصيدته بمقدمة غزلية:
هل أنجزت لك وعد الوصل أسماء أم شأن موعدها مطل وإنساء
أم هل تسف منك داء الحب مصطبرا أم استمر عقاما ذاك الداء
لقد سمت نحو غايات العلى بأبي محمد شيم كالدر غراء
معذب الفعل والأقوال معتمد صنع الجميل وللمذموم إياه

وإذا ما أخذنا الألفاظ من ناحية الشكل الخارجي فإنه يمكننا القول بأن من شأنها أن تقع موقعا حسنا في الاستعمال بحيث تكون مناسبة في أداء المعنى، بحيث لا يكون فيه ركاكة أو غرابة. وفي ظل دولة بني نبهان ودولة اليعاربة كان الشعراء ينزعون بشعرهم إلى نماذج من التقليد لذلك نجد في بعض قصائدهم استخداما لألفاظ بدوية أو غريبة مكتسبة من العصر الجاهلي. من ذلك ما قاله الشاعر النبهاني الذي يمتاز شعره باستخدام الألفاظ الغريبة والأساليب المبتكرة، مثل قصيدته المشهورة التي قال عنها نور الدين السالمي في كتابه (تحفة الأعيان) أنها تزاحم المعلقات السبع بلاغة وتزيد عليها جزالة ورشاقة ويقول في مطلعها:
ألِلدَّارِ من أكنافِ قَوٍّ فَعَرعرِ فخبتُ النَّقا بطن الصّفا فالمشقَّر
كأن سطوراً مُعجماتٍ رسومُها إذا لُحنَ أو هَــلهالُ بُردٍ محــــــبَّر
ومُسحنفرٍ هامٍ كــأن هزيزه مهايـــــيجُ ذَوْدِ الجّــلة المتـهـــدّر
يَكُبُّ الأراوي العــصمَ خيشومُ ودْقه لأوجهها من كل أســلمَ أوعـــــرِ
في حين تميز شعراء آخرون بألفاظهم المأنوسة، والتراكيب العربية التي خلت من الغموض والغرابة، من ذلك ما قاله الستالي في قصيدته (أمير العتيك):
حُلِيُّ الملوكِ وتيجانُها وبيتُ المعالي وإيوانُها
وبأس الكماةِ وإقدامُها وحُلم الكُفاةِ وإحسانها
توارثها الأزدُ حتى انتهت إلى أن حوى الإرثَ نَبهانُها
أميرُ العتيكِ تسامى به كُهُولُ العتيكِ وشُبَّانها
أنبهان إنك من عصبةٍ نماها إلى المجدِ قحطانُها
همُ العينُ في يعربٍ كلِّها وأنتَ من العينِ إنسانُها
إذا طلبت مكرماتِ العُلى بدا في جبينك عُنوانُها
وأنتَ إذا صَعُــــبَتْ حاجةٌ أتــى من يمينــتتكَ إمـكانُها
هذا التناوب بين استخدام الألفاظ السهلة، والألفاظ الغريبة لدى بعض الشعراء لم يكن من وجهة نظري إلا لإبراز قدرة الشاعر وتمكنه من المفردات الصعبة، ومعانيها العميقة، حيث كان يوظفها بسلاسة في قصائده الشعرية منافسا بها أقرانه، أو موجدا لنفسه علامة فارقة.
أما مفردات المديح فقد كانت في عهد بني نبهان تدور حول معان متنوعة، أبرزها بطولات بني نبهان ومعاركهم الحربية، يقول النبهاني واصفا فعله بالأعادي (ديوان النبهاني، ص 9 ):
وقدنا الخيل للأعداء رهوا كما تسطو الذئاب على النقاد
وصبحنا الطغاة بعنقفير تجرعهم افاويق النكاد
وأرعفنا القنا الحظي خعا وأرهبنا المخاتر والمعادي
وأوردنا الطغاة حياضى ذل تجرعه الى يوم التنادي
قسمناهم فنصف للعوسي ونصف للمهندة الحداد
قذفنامم ببحر من حديد تلاطم فيه أمواج الجياد
وأرغمنا انوف سراة قوم وكل غضنفر صعب القياد
بضرب ترقمى الأكباد منه وطعن مثل أفواه المزاد
والأمر ذاته يقال عن عصر اليعاربة، حيث كانت الألفاظ تدور حول الانتصارات التي حققها العمانيون على البرتغاليين، وغيرها من مفردات المدح في مختلف المناسبات، ومن أمثلة القصائد المدحية في هذه الفترة الزمنية قصيدة ( الخيلية ) للشاعر راشد بن خميس بن جمعة بن أحمد الحبسي قالها يمدح الإمام قيد الأرض سيف بن سلطان الأول اليعربي:
هَنِيتَ بالعدل والملك العظيم فلا ** زالت مماليككَ الأحرارُ والخَدَمُ
ولم تزل تهبُ الأموالَ في طلب الـ ** ـعُلى ويهدى إليكَ المدح والحكمُ
وليْبق حسادكَ الأيام في كمدٍ ** من الغمومِ حزيناتٌ قلوبُهُمُ
على عدوِّكَ يا ابن الأكرمينَ مدى ** أيامه رصدان : الصبحُ والظُّلَمُ
فإن تُبَيته صبحاً رُعْتَه ، وإذا ** ما نام سّلتْ عليه سيفَكَ الحُلُمُ
أما الألفاظ في عهد الولة البوسعيدية فقد كانت سائرة على نهج الشعر في عصر بني نبهان وعصر اليعاربة، وظل الأمر كذلك حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي حين ظهرت الاتجاهات الفنية الأصيلة عند كل من: سعيد بن خلفان، وأبي مسلم الرواحي، وأبي وسيم؛ حيث دخلت الألفاظ الدينية على القصيدة بشكل أكبر، وتميزت بكونها جزلة قوية تتمتع بالرصانة والقوة؛ وذلك بسبب بعدهم عن المحسنات البديعة. ونموذجا على ذلك أذكر قصيدة (همم الملوك أجلها اعظامها) لأبي مسلم البهلاني العماني
ملك جبلته على الحلم انطوت إن الملوك تزينها أحلامها
يؤتى بأثقال الجبال جرائما فيزول بالعفو العظيم لزامها
وبتلك يمتلك الرقاب مليكها وبتلك يقتاد الصعاب همامها
وقضية المجد الأثيل منوطة بجمال مصطنعاته أحكامها
أصل لجامعة الكمال كماله كالشمس روح للوجود قيامها
ما زال يهتف بالمعالي همه حتى تضاعف في يديه زمامها
قطب لعمر الجد عنه تضاءلت همم القروم وعصرت أوهامها
أو ما ترى سر الخلافة أشرقت بظهوره وتباشرت أعلامها
واهتز منبرها وهلل عرشها وتهللت فرحا به أيامها
وأغاث اسلام البسيطة بعد أن كادت يودع أهلها اسلامها

وفاء الشامسية

إلى الأعلى