السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أهمية الثقافة المجتمعية في الحفاظ على التراث العمراني

أهمية الثقافة المجتمعية في الحفاظ على التراث العمراني

مقدمة
تعالج الكثير من الدراسات والبحوث الحديثة موضوع الحفاظ على التراث العمراني من زوايا نظر متعددة، لكن أبرزها ما يربط عملية المحافظة التاريخية بعوامل ثقافية لها جذور وامتدادات تاريخية من ناحية، ولها إفرازات إقتصادية من ناحية أخرى. ويلاحظ أيضا أن التعليم بات يلعب أيضا دورا محوريا في رفد توجه الحفاظ التراثي، ليس فقط على المستوى التخصصي ولكن بات يمتد ليشمل مراحل التعليم الأساسي.

ومن الملاحظ أيضا ارتباط الحفاظ على التراث العمراني ارتباطا مفصليا وتفاضليا مع الثقافة المجتمعية حيث تلعب الثقافة دورا رئيسيا في التنمية الإقتصادية والإجتماعية، وكمصدر رئيسي للدخل والتماسك الإجتماعي. وكأحد أوجه الثقافة العليا، فمن المتفق عليه الآن أن الفنون، سواء أكانت تقليدية، أم حديثة، هي أداة مهمة في النمو الإقتصادي والتحول الإجتماعي وظهور التفكير الفردي وعملية التحول الديمقراطي. وعلى المستوى الدولي فقد وفرت في هذا الإطار العديد من الصكوك الدولية، الاتفاقيات واللوائح والتوصيات، المعايير والإرشادات لعمل واستخدام وحماية المكونات الثقافية. هذه النصوص الدولية قد تغيرت بشكل عميق في ظروف القطاعات الثقافية الملموسة وغير الملموسة في العالم. إن اتفاقية التراث العالمي هي الأولى من اتفاقيات عديدة جديدة والتي تتعامل مع التراث غير المادي، واللغات المنقرضة، والكنوز والذاكرة البشرية. واليوم، تحمي اتفاقية التراث العالمي، أقدم اتفاقية دولية تتناول التراث الثقافي، أكثر من 950 من المواقع الثقافية والطبيعية والمختلطة منها أكثر من 70 في المنطقة العربية و23 أخرى في المنطقة المجاورة، مثل أرمينيا وقبرص وتركيا و إيران.

********
الاقتصاد الثقافي والسياحة الثقافية
إن دور الإقتصاد الجديد القائم على الثقافة في تجديد المناطق الحضرية، لا سيما المدن التاريخية، أصبح يستخدم كثيرا. وقد انتشر هذا النموذج بطريقة أو بأخرى إلى أماكن مثل لندن وبرشلونة، وبلباو، ومنطقة وسط المكسيك وفالنسيا وغيرها. وقد استخدمت كل هذه المدن مزيج من الإستثمارات تركزت على الحفاظ وعرض التراث العمراني، الحضري والمبني، وبناء المرافق الثقافية والإستثمار في اقتصاد المعرفة. وقد حلت هذه محل النوع التقليدي للإقتصاد الحضري في تجديد المدن التي فقدت دورها الإقتصادي. ويتطلب تخطيط وتنفيذ التراث الثقافي أو الخطط أو البرامج المرتبطة بالإبداع عمليات متعددة التخصصات. وهذا يشمل متخصصين في مجال التراث، ومخططي مدن واقتصاديين ومهندسين معماريين ومتخصصين بالفن، وأيضا علماء اجتماع وأحيانا حتى فلاسفة. ويحتاج أيضا إلى أن يدرّس ويتولد في أذهان صانعي القرار والمهنيين. وهو بهذا الإطار يتعارض مع الإعتقاد القديم بأن البنوك والتجارة والعقارات والسياحة يمكن أن توجه النمو الإقتصادي الحضري والإقليمي. لقد أثبتت التعهدات والأعمال الأخيرة في العالم أن هذا غير صحيح.

********
الحفاظ التراثي كتخصص حديث
وحتى قبل نحو 80 عاما، لم يكن يخطر في أذهان الناس أن تراث الماضي ينبغي الحفاظ عليه واستعادته لمنعه من الاندثار. فقد كانت المعالم التاريخية تعني إما مصادر الإلهام لعمارة جديدة أو، في أحسن الظروف، كأنقاض أثرية قدمت خلفية رومانسية لمشاهد من البيئة المبنية. في السنوات الأخيرة فقط ارتبطت فكرة أن التراث المادي الذي تركه أجدادنا لنا مرتبط ارتباطا وثيقا بالإحساس بهوية الثقافات والشعوب والأماكن، وأصبح مقبولا على نطاق واسع. وبحلول الوقت الحاضر أصبح هناك فهما مشتركا مفاده أن المدن وعمارتنا هي نتاج عملية بطيئة مستمرة تم صنعها من قبل كل من الطاقة الحيوية ويد الإنسان. وتدريجيا لقد أنتج عمل الظواهر الطبيعية المستمر وحاجة الإنسان للتوافق مع البيئة المادية التي نعيش فيها مستندا على طلباته الخاصة، آثارا متباينة جدا في كثير من الأحيان بوصفها وظيفة السياقات الثقافية والمادية، البيئية والإقتصادية والإجتماعية، التي حدثت فيها كل هذه التحولات. وبالتالي فإن ظروف البداية الطبيعية والمصالح المختلفة للمجتمعات البشرية الواحدة ولّدت عمليات متميزة تطورية مستمرة دمجت في التيارات الثقافية المنتمية لبعضها البعض ولكن لا ينبغي أن تتداخل حيث أنه يمكن لأي منها إعادة بناء “بعدية” الديناميات الداخلية والعلاقات. ولكن بقائها على قيد الحياة هو في الواقع مرتبط بعمق بالمحافظة على المعنى التطوري لتحولاتها والتي ما إن تتوقف وصلاتها الداخلية فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تداعي تام، ومن المستحيل إعادة إنتاجها وستفقد إلى الأبد.

**********
الهوية والثقافة والتراث
إن التقليل المستمر لقيمة الفرق بين الهويات يؤدي حتما إلى التوحيد الثقافي. وإذا كنا نريد أن نعطي معنى لنشاط ومستقبل الإنسان نحتاج أن تستمر جذور هويتنا الواحدة بأن تكون حية لتطور الحضارة البشرية. وللوصول إلى هذا الهدف علينا أن نفهم بشكل مسؤول أن نشاطنا من التحكم بتحولات الأرض هو جزء من عملية التطور المستمرة. وعلينا تقع مسؤولية قبول والدفاع عن ما أعطى آبائنا لنا لإعطاءه مرة أخرى بقيمته لأبنائنا. كل هذا لا يعني أن نضع المصنوعات التاريخية في صندوق زجاجي بل يعني بدلا من ذلك الحفاظ على وتجديد وظيفتها الحيوية في المجتمع. هذه الأفكار وغيرها تشكل أبرز ما يتداوله المتخصصون في الحفاظ على التراث العمراني والتاريخي اليوم، وأبرز ملامح الخطاب الحفاظي التاريخي فيما يتعلق بالإرتباطات الثقافية والإقتصادية.

فيما يلي نقدم قراءة ومراجعة لبعض أبرز الكتب الموسوعية الصادرة حديثا والتي تعالج تطبيقات الحفاظ على المباني التاريخية، وهذه تشمل مجموعة من المواد المختلفة التي تتفاوت في طبيعة وحاجة الحفاظ عليها.

**********
حول هذه السلسلة (تطبيقات الحفاظ على المباني)
تقدم هذه السلسلة حول “تطبيقات الحفاظ على المباني” الأدلة والدروس من الماضي للمساعدة في فهم طبيعة المباني وما يحصل على حالتها من تدهور والعلاجات المحتملة. وهي بمنهجها تشجع نهجا حذرا. معظم الأمثلة في هذه السلسلة هي من إنجلترا، ولكن حتى على الرغم من أن المواد والتقنيات قد تكون مختلفة، إلا أن المنهجيات المتبعة هي في العادة ثابتة وعالمية، وبذلك يمكن لهذا السلسلة أن تكون مفيدة على نطاق عالمي واسع.

وتستهدف هذه السلسلة في المقام الأول أولئك المهتمين بالحفاظ على المباني التاريخية، أو الذين يعملون في توثيقها وتسجيلها ولهم اهتمام مباشر بها. وهذه المجلدات الخمسة إنما هي مفيدة للمهندسين المعماريين والمساحين والمهندسين المهتمين بالحفاظ المعماري والمقاولين، وهي أيضا ذات فائدة للمالكين والقيمين والطلاب والباحثين. وهذه السلسلة تؤسس لرعاية دائمة والصيانة كجزء لا يتجزأ من أي برنامج للحفاظ المعماري، حيث أن الصيانة هو وسيلة لتحقيق أقصى قدر من الحفاظ وتقليل التكاليف. ولا تشمل الكتب في هذه السلسلة مواصفات تفصيلية علاجية للأعمال الحفاظية، كما أنها لا تشمل تغطية شاملة لكل موضوع. أنها تركز على تلك الجوانب التي هي كبيرة في عمليات الحفاظ، وتعكس طلبات الحصول على المعلومات من “مؤسسة التراث الإنجليزي”.

الأخشاب – هذا الكتاب يهتم بالجوانب العملية للحفاظ على تراث غني ومتنوع من الأعمال الخشبية في المباني التاريخية. وهو مقسم إلى أربعة أقسام هي: المواد والتاريخ، والتداعي والأضرار والتقييم والعلاج والإصلاح. يمكن للقارئ أن بحث عن أي موضوع يهمه ضمن الكتاب، ولكن تم تصميم الأقسام كدليل على عملية الحفظ.

المعادن – يشتمل الكتاب على أربعة أقسام رئيسة. الأول هو مقدمة عامة حول الأعمال المعدنية المعمارية، التي تحدد تاريخ المعدن كمادة معمارية، بالإضافة إلى معلومات حول الحفاظ والتي هي مشتركة في جميع أنواع المعادن. أما القسم الثاني فيبحث في الحفاظ على المعادن المستندة إلى الحديد، مثل الحديد الزهر والصلب. القسم الثالث يبحث في المعادن غير الحديدية، مع فصول تبحث في الحفاظ على الرصاص، ومعادن النحاس مثل النحاس والبرونز والنحاس الأصفر. أما القسم الأخير فيقدم عددا من المواضيع الخاصة في الأعمال المعدنية والحفاظ عليها، والزخرفة الورقية المعدنية والتماثيل والأجراس.

الحجر – يبدأ الكتاب بعرض الخطوط العريضة لتاريخ البناء حجري في إنجلترا ويصف أساليب العمل والتشطيبات في الحجر، حيث يتم وصف الخصائص التي تحكم مظهره وأداءه مع مرور الوقت. الفصل الثاني يشرح العمليات الرئيسة المسؤولة عن تداعي الحجر. وفي الفصل الثالث تم تناول طرق فهم المباني التاريخية وتقييم وتسجيل حالة الحجر. يصف الفصل الرابع مجموعة من العلاجات في الحفاظ وأساليب إصلاح.

الزجاج والتزجيج – ينقسم هذا الكتاب إلى أربعة أقسام، الأول يبحث في الزجاج كمادة معمارية وفي أساسيات تدهورها وكيفية المحافظة عليها. أما القسمان التاليان فيبحثان في النظم الرئيسة في عمليات التزجيج. يغطي القسم الخاص بالنوافذ التدهور وعمليات الحفاظ على تغطيات الشبابيك من جميع الأنواع والفترات. ويبحث القسم الخاص بالزجاج الحديث مادة الزجاج كمادة مستخدمة للتسقيف والستائر الجدارية. ثم يتم تقسيم كل قسم إلى خمسة فصول، والتي تبحث في التدهور والضرر والعلاج والإصلاح.

اللصقات والتزيين والجص – تم تنظيم هذا الكتاب على النحو التالي: أولا يتم وصف الجص واللصقات من حيث التطور التكنولوجي، والتطبيقات التاريخية وخصائص المواد. وثانيا، تتم مناقشة عمليات التدهور، تليها نهج التقييم لكل حالة فضلا عن مجموعة من الخيارات المناسبة للعلاج والإصلاح.

قراءة في كتب في الحفاظ التراثي: (هذه السلسلة تتضمن مجموعة كتب أخرى)

Practical Building Conservation (5 volumes: Timber، Metals، Stone، Glass & Glazing، and Mortars، renders & Plasters)
Ashgate 2012

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى