الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الخطاب الديني في وسائل الإعلام الرسمية .. التجربة العمانية نموذجا (1 ـ 2)

الخطاب الديني في وسائل الإعلام الرسمية .. التجربة العمانية نموذجا (1 ـ 2)

إن موضوع التعايش موضوع شائك عبر التاريخ، فكثيرا ما تواجه البشرية أزمة في هذا المصطلح تنظيرا وتطبيقا، فمن يقبل به لغة تفاهم وتآلف بين شركاء الوطن سيعمد إلى تفسيره بالطريقة التي تحتفظ له بقدر من السلطة والتعالي على الشريحة التي تشاركه العيش والتراب، ومنهم من ينادي به تنظيرا ويخالفه تطبيقا، ولذلك احتاجت الأمم المتحدة عبر منظمة اليونسكو إلى إعلان يوم 16 من نوفمبر عام 1995م يوماً عالميا للتسامح. يعالج هذا الإعلان العنصرية الطاغية في أرقى الدول تقدما. وربما يكشف من طرف خفي اعتماد بعض الدول مبدأ الوئام والتسامح كنوع من الاستراتيجية السياسية التي نبه إليها كوندروسيه بقوله: “إنه في البلدان التي كان يستحيل فيها على دين معين قمع الديانات الأخرى، قام ما أسمته عجرفة الديانة المهيمنة بـ”التسامح” أي رخصة يعطيها أناس لأناس آخرين تمكنهم من الاعتقاد فيما يقبله عقلهم، والعمل بما تمليه عليه ضمائرهم”1.
ولعل أبرز قضية تلعب دورا مزدوجا في العالم المعاصر هي الإعلام، الوسيلة الخطيرة التي أصبحت تعمل في اتجاهين، الأول : تشكيل الرأي العام تجاه القضايا المختلفة، والثاني : تنفيذ السياسات التي ترومها الطبقة المهيمنة سياسيا اقتصاديا. وفي كل الأحوال فإن الإعلام أصبح الناقل الرسمي لكل محاولات التجزئة والعنصرية والطائفية والعرقية في كثير من البلدان؛ لا لأن المجتمع الذي ينشط فيه يعيش حالة من عدم التعايش أو أن الأديان لا تقبل التعايش أصلا ولكن لأن الطبقة الحاكمة ترى أن ديمومة وجودها على كرسي الهيمنة لا يتم إلا بهذا النوع من الإثارة، وقد تساءل الكاتب الفرنسي بورديو عن الجهة التي تحرك سياسات التلفزيون “أيهما يتحكم في الصورة الإعلامية، أصحاب النفوذ السياسي أم المثقفون أم رؤوس الأموال والنظرة التجارية للتلفزيون؟!!” ثم توصل في نهاية بحثه – كما لخصته بعض المواقع2- إلى هذه النتيجة ” إن المضمون المقدم في التلفزيون يؤثر في الجمهور بشكل كبير وأن هنالك متخصصين بصياغة الأحداث وتقديمها عبر الشاشة بشكل يستحوذ على انتباه المشاهد ويزرع فيه عواطف ناتجة من طريقة عرض الحدث، وبذلك يسيطر على تفكيره ويكوّن وجهة نظر معينة تتناسب مع الجهة المهيمنة، وأن هذه الجهة هي السلطة السياسية، فهي المستفيد الوحيد من تلاعب التلفزيون في عقول المشاهدين لتحكم سيطرتها على الرأي العام وعلى المجتمع ككل”3.
وهنا نقدم قراءة تشتغل على الإعلام العماني ونظريته في التعايش المذهبي والعرقي كنموذج للتعايش والوئام الإنساني، والمقادير التي حققها خلال خمس وأربعين سنة منذ انطلاق النهضة في 23/7/1970م. وهو يعد مرحلة تمهيدية للحديث عن مبدأ حوار الحضارات وتعزيز العالقات الإنسانية بين بيني البشر، وما دام النجاح قد تحقق على مستوى تعدد الأفكار الداخلية، فإن نجاحه مع الآخر سيكون سهلا جدا. والحقيقة أن عمان ظلت بعيدة عن كثير من الدراسات السياسية والفكرية التي تبحث في جوانبها المختلفة؛ ربما لأنها لا تحاول أن تفرض نفسها في الوسط الثقافي المؤدلج، ولا السياسي المشحون بالمصالح الخاصة، كما أنها مرت بأول تجربة إسلامية مع العالم الغربي المتمثل في الغزاة البرتغاليين، ومن بعدهم مع البريطانيين، واستجمعت خلال هذه التجربة معرفة ممتازة في طريقة التعامل مع النوايا والخطط الاستعمارية، وطريقة توظيف الأحلاف والأصدقاء لتحقيق مصالح الأعداء. وقد كان ذلك كافيا لاتخاذ كافة الخطوات التي تجنبها الاصطدام المباشر دون استعداد، وأيضا استخدامها وسيلة لتحقيق السياسات الاستعمارية والمتلونة.
ومع وجود كتابات خجولة حول الجوانب السياسية؛ ظل الإعلام العماني المتميز مفتقرا إلى دراسة تخصصية تشرح دوره في ترجمة الوعي الديني والثقافي، وتشكيل العقل الجمعي المتعايش من جهة، والمتفهم للتراكم السياسي والمعرفي المكتسب منذ منتصف القرن الأول الهجري من جهة أخرى، وذلك عندما قرر أهل عمان أن ينأوا بأنفسهم عن الإثنيات التي تشكلت لاحقا في الأمة الإسلامية.
ونكشف بطريقة مهنية سياسةَ التعايش والوئام الإنساني في الإعلام العماني، والنتائج التي حققها منذ فترة انطلاقة وإلى اليوم والمتمثلة في معنى التعايش ونظرياته عبر التاريخ.
إن التعايش يعني القبول بالآخر كلا وليس جزءا، ليس لأنه جزء من الوطن، يشترك مع الآخرين في ترابه وثروته؛ ولكن لأنه أيضا يحتفظ بمعتقداته وآرائه الفكرية دون مصادرة، وعلى الطرف الآخر أن يقبل بها كنوح ممن ممارسة حرية المعتقد في الرقعة الواحدة؛ ولذلك فإن محاولة تصوير التعايش على أنه القبول بفكرة العيش المادي في ظل مجموعة مهيمنة فكرية؛ سيظل معرضا لخروقات كثيرة وستمر من خلاله مجموعة من المضايقات للطرف الآخر؛ لأن المحرك الأساس ليس القبول بفكرة التعايش السلمي كحق من حقوق الإنسان الدينية والسياسية، وإنما كنوع من الاستقرار داخل دولة يهمين عليها قطب واحد مستبد، ومتمكن في الوقت نفسه من استخدام كل وسائل التجزئة الأخرى المندرجة تحت مفهوم الإثنية لإضعاف الطرف الآخر إذا لزم الأمر. كما أن الطرف الأضعف قد يتسامح بسبب ضعفه، وينتظر الفرصة التي تسمح له برد الاعتبار والسيطرة على الآخر، وإلغاء كل أشكال التسامح التي كان ينادي بها أيام ضعفه، وفي هذا يقول برات: ” الاحترام الذي يجب أن يشمل الآراء التي لا تتفق معه، ذلك لأننا نتسامح مع ما لا نقدر على منعه، والذي يتسامح ما دام ضعيفا يحتمل جداً أن ينقلب إلى لامتسامح عندما يزداد قوة”4.
ولكن حينما تتعادل القوى في البلدان المتعايشة يصبح توازن الرعب هو المسؤول عن حالة الانسجام والتعايش الفكري والسياسي، وقد تكون المصلحة المشتركة أحد هذه التوازنات أيضا، فلو أخذنا مثالا على ذلك الدولة الدينية (إسرائيل) يتعايش فيها تياران متغايران تماما: ديني وعلماني، يمتلك كل واحد منهما قدرة على التأثير في الآخر، ويتعادلان من حيث القوى السياسية والاقتصادية، فتعايشا كنوع من القبول بالوضع الراهن وهو مجرد تفاهم عملي فقط، تتحكم فيه توازنات القوى بين الفريقين الديني والعلماني واللآديني. وقد نظّر لذلك مارتن بوبر وهو يُعَد من أتباع الصهيونية الإثنية العلمانية، بتأكيده أن إسرائيل شعب وأن القومي والمقدَّس يتداخلان في حالته تداخلاً تاماً. ولقد ” تلقَّى إسرائيل الشعب وحياً دينياً في سيناء، ولكن روح هذا الدين هي روح قوميته. ولا يختلف الوحي الذي تلقاه موسى من الرب عن الروح القومية للشعب. وهكذا يذوب الشعب في الإله ليكوِّنا كلاًّ واحداً غير متمايز، فلقد حل المطلق في النسبي حلولاً كاملاً، كما ابتلع النسبي المطلق ابتلاعاً كاملاً، ولذلك فإن في وسع اليهودي أن يعي الإله بأن يعي نفسه، أو كما قال الحاخام كوك: إن روح إسرائيل وروح الإله هما شيء واحد”5.
وهذا النوع من التسامح المصلحي عجزت عن تحقيقه تنظيرات جامعة الدول العربية على المستوى الديني والقومي معا، رغم انطلاقها من فكرة التسامح الديني الذي يتفق عليه المسلمون جميعا، فقد جاء في المادة الثالثة في الميثاق العربي المنبثق من الجامعة على أن تتعهد كل دولة طرف في هذا الميثاق بأن تكفل لكل شخص خاضع لولايتها حق التمتع بالحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الميثاق من دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو المعتقد الديني أو الرأي أو الفكر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو الإعاقة البدنية أو العقلية، وتتخذ الدول الأطراف في هذا الميثاق التدابير اللازمة لتأمين المساواة الفعلية في التمتع بالحقوق والحريات كافة المنصوص عليها في هذا الميثاق بما يكفل الحماية من جميع أشكال التمييز بأي سبب من الأسباب المبينة في الفقرة السابقة.6
لكن هذا سرعان ما انسحب من ميادين الواقع أثناء وبعد الربيع العربي؛ فظهرت على السطح النزعة الطائفية، وتدخلت الدول في سياسات بعضها تدخلا تكلّمت فيه آلة الحرب بصوت صاخب، واستخدم التهييج الطائفي وقودا لهذا الخرق، واستمر الدعم المتواصل لاستبقاء الصراع من أجل الهيمنة وليس من أجل التعايش.
وهذا الوضع المؤسف أثار تساؤلا عن إمكانية نجاح الغرب في تحويل الصراع المرتقب بين الإسلام والغرب حسب تنظيرات برنارد لويس7، وصمويل هانتنجتون8 إلى صراع إسلامي إسلامي، وهو كاف لإزالة القلق مدة طويلة عن الغرب، لأن التسامح بين الفئات المتصارعة على أساس ديني سيكون صعبا للغاية9، وقد قدم برنارد لويس نفسه حلا يجعل من الحضارة الغربية قدوة بالطواعية أو الإكراه: “«لقد كانت عادتنا الّتي تعوّدناها في العالم الغربيّ هي: كلّما اتّجه الشرقيّون إلينا كلّما ازداد تمسُّكنا بالغرب لنجعل أنفسنا مثالاً للفضيلة والتقدُّم. فإذا تشبّهوا بنا عددنا ذلك أمراً حسناً، وإذا لم يكونوا كذلك عددنا ذلك سوءاً وشرّاً. فالتقدّم هو في التشبّه بنا، أمّا إذا لم يقتدوا بنا فذلك هو التقهقر والاضمحلال!! إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك بالضرورة. فعندما تصطدم حضارتان تسيطر إحداهما وتتحطّم الأخرى. قد ينبري المثاليّون والمفكّرون فيتحدّثون بطلاقة وسهولة عن تزاوج بين أحسن العناصر من الحضارتين، إلاّ أنّ النتيجة العاديّة في هذا التلاقي هي تعايش بين أسوء العناصر من الإثنين»10، وهي النظرية التي ارتاح إليها فوكوياما لاحقا عندما أعلن نهاية التاريخ بسيطرة الحضارة الغربية.
إن الوضع في العالم الإسلامي اليوم يطرح بدوره سؤالا مهما، ما هو التعايش الذي ينادي به الإسلام، وهل يسمح تعريفه بالرضا عن تجاوزات الطرف الآخر في حق الآخرين وتسجيل أبشع صور الظلم، وإلى أي مدى سيعتبر ذلك شؤونا داخلية، ومن الذي سيتولى تحديد ما إذا كان الشريعة تفرض التدخل في هذه القضية أو تلك ، ومن الذي سيكون المؤثر في مثل هذه الأحداث هل المؤسسة الدينية أم السياسية، وهل يمكن أن تكون الأولى خاضعة للثانية11.
يقدم أهل عمان إجابة واضحة ومستمرة على هذه التساؤلات؛ بينما تظل غامضة عند غيرهم، فيتجنبون الوقوع في أمرين خطيرين: الأول : تنفيذ سياسة العدو المشترك. والثاني: تسخير المؤسسة الدينية لخدمة المؤسسة السياسية12.
أسباب التعايش عند العمانيين :
يتميز أهل عمان بسمت أخلاقي كبير يتعامل مع أي معارض داخلي أو خارجي بالحكمة والموعظة الحسنة، ويبتعد عن “الإيذاء الحسي والمعنوي” ولذلك ينوه النبي صلى الله عليه وسلمَ بهذه الخصلة الكريمة، فيقول لأحد رسله الذي رجع وقد أوذي حسيا ومعنويا: ” لو أهل عمان أتيت ما سبوك وما ضربوك “13 وظل هذا القدر من الأخلاق يتعامل مع الدعوة الإسلامية منذ بدايتها، فاستُقبلت رسالةُ النبي صلى الله عليه وسلمَ طواعية وعن قناعة تامة، وظلت التبعية للخلافة الراشدة دون محاولة للاستقلال السياسي أو الإداري (رغم توفر الحكم الذاتي)، بل شارك أهل عمان في الفتوحات الإسلامية بشكل مستمر، حتى عندما استقلوا إداريا وسياسيا لاحقا في زمن بني أمية والعباس14. وفي الشأن الداخلي كان التعامل مع جميع أطياف المجتمع العرقية والفكرية بذات السمت الأخلاقي الكريم، واستخدمت الحكمة والموعظة الحسنة بأبهى صورها في الإسلام، يتضح ذلك في نزعة الاستقلال التي تعامل بها أهل عمان مع الأمويين الذين سيطروا على عمان في الفترة من 85 – 99هـ والعباسيون وهم سنيون أيضا الذين سيطروا في فترات متقطعة ابتداء من 134هـ 15 ثم القرامطة وهم شيعة مغالون احتلوا عمان في القرن الثالث الهجري. لقد كان التعامل مع المذكورين تعاملا سياسيا بحتا بنفس روح الاستقلال التي سمحت بالانفصال عن الدولة الأموية، فخلت الكتب العمانية المؤلفة في تلك الفترة وبعدها من أي إشارة طائفية، وتم استنهاض المجتمع العماني للتحرير باسم الحق الشرعي السياسي لأهل البلد، وليس باسم الطائفية. بل إن دولة فارس تدخلت في الشؤون الداخلية العمانية بطلب من سيف بن سلطان الثاني، وسيطروا على عمان عام 1149هـ (1737- 1744م)16 وهم شيعة، وليسوا عربا أيضا، ومع ذلك فإن شيئا من النبرة العرقية والطائفية لم تكن موجودة في كتب ورسائل العمانيين الاستنهاضية آنذاك، ويمكن للقاريء أن يعود إلى الرسالة التي وُجِهَت إلى سيف بن سلطان الثاني من مشائخ عمان من دون ذكر أسمائهم مخافة البطش، حيث لم يرد فيها شيء من العبارات العنصرية أو الطائفية17.
كل ذلك حافظ على الموقف العماني المتزن من المخالفين، وحافظ الإيمان الصادق الذي يرفض التمييز بين المسلمين على أساس المذهب، ويعتبر أن المسلمين وإن تنوعت مذاهبهم فإن اعتداء بعضهم على بعض من باب البغي، ومعالجة ذلك يتم بالصلح، فإن تعذر فبقتال الفئة الباغية حتى ولو كانت من نفس الطائفة، يقول الله تعالى: ” وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)”18 يفرد لذلك الإمام البسيوي المعاصر للوجود العباسي في عمان بابا في مختصره ليكون دستورا لطلبة العلم قبل دخولهم في المطولات19.
وفي رسالة وجهت إليه تستفهم عن مشاركة المذاهب مع بعضها البعض في الجهاد “ما تقول في الأمر الذي يوجد إذا ترك الناس كلهم الجهاد كفروا، فما معك أن تخرج تفسير هذا الأمر وما معناه، وما هذا الجهاد، وما هو جهاد المشركين؟ أم من كان يستحق الجهاد من المشركين، فهل يكون هذا واجبا ولازما ولا عذر فيه ولا مساغ؟ فما تقول في أهل هذا الزمان وهم كما تعلم؟ وهل تعلم أحدا من أهل القبلة قائما بشيء من ذلك في موضع من المواضع وقطر من الأقطار؟ فأحب أن تشرح لنا في هذا شرحا مؤديا إلى ما نلتمسه ونطلبه حتى لا يبقى بعد ذلك مستراد، ولا يحدث رأي، وأنت محسن متفضل إن شاء الله “.
يجيب البسيوي: “فإن وجد قوّاما بالحق جاهد معهم، وإن لم يجد فهو على النية والدنيوية بذلك، ويوجب ذلك على نفسه في نيته متى وجد من يجوز معهم الخروج إلى الجهاد خرج وجاهدا فرضا كان أو فضلا إن رغب في الفضل، ولا يخرج مع أهل الضلال، ولا يكثر الجهاد في انتهاك مالا يحل، ولست أعلم من أهل القبلة قائما بشيء من الجهاد على الوجه الذي أمر الله به ورسوله (“20.
والتوسع في هذا سيطول على حساب البحث، وإنما اقتصرنا على بعض الشذرات التي رشحت عمان، لتكون دولة التعايش السلمي في العالم الإسلامي منذ فجر الإسلامي وإلى اليوم.
وفي المجال الفكري فإن التعامل مع المخالف للعقيدة يتم بالحوار العلمي دون أدنى اعتبار للتفرقة، وسيكون الحوار من حق المخالف وليس من حق المناظر.
أما المخالف لعقائد المسلمين المتداولة، والمبتدع في الدين على غير أصل مقبول عند المذاهب الإسلامية؛ فإن التعامل معه أيضا سيتم بالحوار والمجادلة الحسنة مدة كافية، قبل أن يتخذ إجراء حقوقي ضده، وهو إجراء يحتفظ بحرية الشخص في العيش بعيدا عن مضايقة المسلمين، إذ لم يحدث في تاريخ عمان أن حكم على مخالف من هذا النوع بالإعدام كما كان يحصل في غيرها من البلدان، لنأخذ على ذلك مثالا التصرف الذي قام به الإمام غسان بن عبدالله الخروصي ت: 207هـ مع ” بقية ” شخصية وفدت إلى صحار من خارج عمان، لم تكن لديه عقيدة ثابته، بل كان متذبذبا، فدعى إلى الزندقه، فأمهله الإمام أربعة أشهر ليأخذ مجالا للحوار والمناظره فإن لم يتراجع يغادر البلاد21. وظل أهل عمان يتبعون سياسة التعايش الراقي حتى مع غير المسلمين دون تسجيل موقف يطبع عليهم – أي غير المسلمين – علامة تمييز عن المسلمين. وبعد هذه الجولة السريعة فإنه يمكن ردّ التميز الذي صنع الفارق التاريخي بين أهل عمان وغيرهم إلى شيئين مهمين:
- لم يكن الاستقلال الذي اشتغل عليه أهل عمان قائما على الاعتبارات الإثنية سواء كان ذلك عرقيا أو مذهبيا. إنما كان مشروعا وطنيا خالصا لاحظه النبي صلى الله عليه وسلم في أهل عمان فأقر عليهم ملكيهم عبد وجيفر، ومثله فعل الخلفاء الراشدون، وسيكون من غير المقبول انضمام عمان لاحقا لأي دولة أخرى، خاصة إذا كانت لا تعتبر العدالة أساسا لملكها، حتى ولو كانت تبعية صورية.
- وجود عقيدة لا تسمح بإقصاء الآخر أو قتله أو الاحتراب معه على أساس مذهبي أو غيره. وهو قدر تشتمل عليه كل المذاهب المتعايشة في عمان، لكن الذي تميزت به عمان هو وجود حكم قائم على الشورى، يراقب فيه أهل الحل والعقد حاكم البلاد وفق التعاليم الإسلامية النبيلة، ويلاحظون التزامه بهدي الخلافة الراشدة.

المصادر والمراجع:
1 – محمد عابد الجابري “قضايا في الفكر المعاصر” ص28. و المركيز دو كوندروسيه (???? – ???? م) هو رياضيّ وفيلسوف فرنسي. وهو ماري جان أنطوان نيقولا كاريتا، المركيز دي كوندورسيه.[1]يُعتبر أحد أشهر دعاة الإصلاح التربوي في عصره. لعب دوراً كبيرا في الثورة الفرنسية. لاحَقَهُ اليعاقبة عام ????م فاختفى عن الأنظار لمدة تسعة أشهر، حتى إذا اعتقلوه تجرَّع السُّمَّ ومات. ويكيبيديا : https://ar.wikipedia.org

2 – https://ashrafbhussain.wordpress.com
3 – التلفزيون و آليات التلاعب بالعقول للمفكر والكاتب الفرنسي بيير بورديو.
4 – نفسه ، وينظر مقالة الدكتور زكريا المحرمي ” عمان من التسامح إلى الانسجام ” في مدونته الشخصية : http://www.drzak.net/index/?p=211

5 – موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – (ج 20 / ص 245).
6 – الميثاق العربي لحقوق الإنسان، اعتمد من قبل القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس23 مايو/أيار 2004م
7 – وذلك في كتابه “الإسلام في التاريخ ” عام 1973م ، و برنارد لويس : من مواليد 31 مايو 1916، لندن أستاذ فخري بريطاني أمريكي لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون. وتخصص في تاريخ الإسلام والتفاعل بين الإسلام والغرب وتشتهر خصوصا أعماله حول تاريخ الإمبراطورية العثمانية. ولويس هو أحد أهم علماء الشرق الأوسط الغربيين التي طالما سعت إليه السياسة.
8 – في كتابه صراع الحضارات.
9 – نشوء الحضارة الإسلامية – (ج 1 / ص 5).
10 – نفس المصدر.
11 – ينظر في تأثير المؤسسة الدينية والسياسية بحث ” الفقه والسياسة في التجربة الإسلامية الوسيطة ” د. رضوان السيد ، مجلة التسامح، العدد 25 ص: 209.
12 – ينظر : الاستبداد، مظاهره ومواجهته ، سماحة الشيخ الخليلي، وهو أول كتاب يعالج ظاهرة الاستبداد التاريخي والمعاصر، ويشخص المشكلة المسؤولة عن الانحراف في العالم الاسلامي، وينظر أيضا : الإسلام وحقوق الإنسان، د. محمد عماره، ط: عالم المعرفة ص 11 . وبحث لكاتب الورقة بعنوان ” الإنسان وحقوقه في القرآن الكريم ” قدم في ندوة تطور العلوم الفقهية – مسقط 2014 م .
13 – رواه مسلم (رقم/2544)
15 – قضايا وإشكالات في تاريخ عمان، د. عبدالمنعم عبدالحميد سلطان، ص 81، 112 .
16 – ينظر ” عمان بين التجزئة والوحدة ” سالم بن عقيل مقيبل ص 134، 135.
17 – التمرد والاستقواء بالأجنبي في عمان ، د. طارق المناصير، ص90ن 91 . مكتبة الظامري ط1 1431هـ – 2010م.
18 – الحجرات.
19 – ينظر مختصر البسيوي ص 26، 27 ، تح: سيف بن سالم الهادي ط 1 2014 م موقع بصيرة.
20 – مختصر البسيوي، مخطوط بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، مسقط، السيب، وهي المخطوطة (ب) ص: 181، 182، 183 .
21 – ينظر: تاريخ صحار السياسي والحضاري، د. محمد بن ناصر المنذري، ص 270.

د‌. سيف بن سالم الهادي

إلى الأعلى