السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مدينة القصر المصرية .. ترسيخ لمفهوم التراث والتقاليد العريقة
مدينة القصر المصرية .. ترسيخ لمفهوم التراث والتقاليد العريقة

مدينة القصر المصرية .. ترسيخ لمفهوم التراث والتقاليد العريقة

تجمع التراث المعماري للعصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية

القاهرة ـ العمانية:
تحوي محافظة الوادي الجديد العديد من كنوز مصر المدفونة في رمالها، بجانب مياهها الجوفية الهائلة التي تبشر بزراعة ملايين الافدنة مستقبلا، لا سيما وانها تشكل 66 بالمائة من مساحة مصر الكلية. ورغم انها تضم العديد من الاماكن الاثرية والسياحية الا ان مدينة القصر التابعة لمركز واحات الداخلة تعد اهم موقع اثري بالمحافظة لما لها من اهمية تاريخية وللعادات والتقاليد العريقة التي لا يزال اهل المدينة يحتفظون بها.
تقع مدينة القصر على بعد 35 كم من مدينة موط عاصمة مركز الداخلة وتسمى بمدينة القصر الإسلامية حيث تجمع التراث المعماري في كل من العصر الأيوبي والمملوكي والعثماني. وكانت القصر عاصمة الواحات ـ التي تكثر في الوادي الجديد كالداخلة والخارجية والفرافرة ـ فى العصر الايوبى وتضم قصر الحاكم الذى يعتبر اصل تسميتها. ويؤكد دليل اعدته الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة ان المدينة حدد موقعها عند سفح منحدرات من الحجر الجيري الوردي على الطرف الشمالي من الواحة ولذا فالشوارع والأزقة الضيقة فيها برودة على الرغم من حرارة الصيف كما انها تحمي السكان من العواصف الرملية.
وتشهد الهندسة المعمارية للمنازل على الأهمية التي وضعها العثمانيون لجعل المدينة الموجودة في الواحة البعيدة أكثر أمنا. كما اكتسبت المدينة اهميتها الجغرافية كونها نقطة التقاء عدة دروب قديمة كانت بمثابة الطرق الخاصة بالقوافل التجارية ولذلك لم يكن غريبا ان تتنوع المنشآت المعمارية فى القصر فنجد المنشآت الدينية متمثلة فى الجوامع والمقابر والمدارس والمنشآت المدنية تتمثل فى المحكمة والحوانيت (المحلات) والمقعد والطاحون المعاصر. وبنيت مدينة القصر فوق اطلال مدينة فرعونية أو رومانية لوجود الكثير من الأحجار المكتوب عليها كتابات باللغة الهيروغليفية فى المدينة الإسلامية التى بنيت مبانيها بالطوب الأحمر.
ويقول ايهاب يسرى مدير مدينة القصر الأثرية ان المدينة شيدت فوق تلة مرتفعة كانت بالنسبة للأجداد حصن أمان ومراقبة وهو امر روعي في منشآتها كما يتضح من مئذنة مسجد أيوب الذى بني فى عام 648هـ على أنقاض مسجد الشيخ ناصر الدين والتي يظهر بها نقاط للمراقبة. ويشير الى ان حارات القصر تغلق عند العاشرة مساء ولكل حارة بابان للدخول والخروج لا يفتحهما إلا شيخ الحارة. وقد كانت المدينة محل اهتمام الرحالة والمؤرخين الاجانب، فالمؤرخ الهولندي رودلف بيترس قد اصدر كتابا بعنوان “وثائق مدينة القصر” وهي بمثابة تحقيق لوثائق تاريخية عثرت عليها بعثة هولندية أثناء ترميمها لبعض المنازل بمدينة القصر والتي كانت جزءاً من أرشيف عائلة من الوجهاء الذين كانوا يعيشون في مدينة القصر ببيت يعرف باسم “بيت القرشي”.
وقد استوطنت اربع قبائل المدينة هي قبيلة خلف الله ويعود أصلها إلى محافظة أسيوط بصعيد مصر ووفدوا إلى القصر منذ عام 50هـ وهم خبراء الزراعة والآبار والعيون وقبيلة الشهابية القادمة من أسيوط أيضا واستوطنوا الجزء الشرقى من المدينة وقبيلة أبو بكر التي استوطنت حارة الشهابية وقبيلة الدينارية التي يعود أصلها إلى بني هلال بالحجاز واستوطنوا الجزء الشمالى الشرقى من قرية القصر وكان افراد قبيلة الدينارية يختصون بالتعليم والمواريث بينما كان الشهابية يميلون إلى الفقه والقرآن. وتضم المدينة مسجدا تتخذ مئذنته شكل مئذنة مسجد الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة وكانت بمثابة مئذنة وبرج للمراقبة يجلس فيها الحارس. كما تضم مدينة القصر عددا من الحارات مثل حارة الشهابية وحارة باشير فضلا عن عدد من الأعتاب الخشبية المحفور عليها اسم صاحب المنزل وتاريخ انشاء المنزل وصانع العتبة. والمدينة ومنازلها كلها سقفت بجذوع النخل ويوجد بها فتحات لدخول الهواء فى تقاطعات الشوارع. كما تكثر في المدينة البازارات (الأسواق) التي يقوم من خلالها اهالي القصر ببيع منتجاتهم اليدوية من الخزف والخوص والفخار والمشغولات اليدوية للسياح الاجانب الذين يحرصون على هذه المدينة الاثرية التي تعود للعصور الوسطى وعلى عادات وتقاليد اهلها المميزة.
وقد قدمت الحكومة اليابانية دعما لترميم مدينة القصر بشرط استخدام خامات كتلك التي بنيت بها المدينة بما يحافظ على التراث المعماري المميز لها وبما لا يغضب سكان المدينة الحريصين على استمرار طابعها التاريخي ولذا كان تأكيد سامية عبدالتواب مدير عام الآثار الإسلامية بوسط الصعيد بأن مشروع الترميم كان هدفه إعادة الشيء إلى أصله وليس القضاء على شكله الأثري للحفاظ على الأصل. وتضم المدينة بداخلها مقبرة تسمى “المزوقة”وهى واحدة من 600 مقبرة أثرية رومانية لحكام الرومان الذين وصلوا إلى هذه المنطقة وحفروا قبورهم فى صخور جبال المنطقة. كما تزخر المدينة بالعيون المائية الحارة التي تفيد في علاج الأمراض الروماتيزمية وأمراض العظام والمفاصل كعين (الدنيارية) التى ترتفع درجة حرارة الماء فيها إلى 40 درجة مئوية وايضا عين (العمدة) التي يصفها البعض بانها اجمل عيون الصحراء الغربية.

إلى الأعلى