الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الغرب يقيم الجدران أمام الطوفان

الغرب يقيم الجدران أمام الطوفان

د.أحمد القديدي

”.. بعيدا عن الشرق الأوسط المعقد المعذب يقوم الجدار الأطول في العالم بين الولايات المتحدة والمكسيك وهو كما تعلمون لم يمنع أن ينتقل عبره خلال ثلث قرن ثلاثون مليون مواطن مكسيكي وأميركي لاتيني من الجنوب الى الشمال من بينهم عشرة ملايين مهاجر غير شرعي بلا وثائق و لا تأشيرات وعد المرشح باراك أوباما سنة 2008 تسوية أوضاعهم (كما وعد بهدم أسوار محتشد جوانتانامو)…”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
أربعون جدارا أقيمت عالية شامخة مكهربة خلال العشرية الأخيرة بين الدول أو في قلب الدولة الواحدة و شهد الناس هذه الأيام عشرات الألاف من المهاجرين بأطفالهم ونسائهم يقفون غاضبين جائعين أمام جدران اليونان ومقدونيا وإيطاليا أو أمام جدران أدغال مدينة (كاليه) الفرنسية أو أمام جدران عجيبة أقيمت في قلب المملكة المغربية بين مدينتي (سبتة) و(مليلة) الخاضعتين للمملكة الأسبانية (أي الإتحاد الأوروبي) و بين بقية أرض المملكة المغربية وهذه نماذج تؤشر على فداحة المعضلة الإنسانية الناتجة عن تراكم أخطائنا نحن العرب المسلمين وأخطاء مستعمرينا القدامى الذين غادروا الأرض منذ الستينات و لكنهم حافظوا على مناطق هيمنتهم باللغة والثقافة والتمكن من مصادر الثروة. فبعد جدار برلين الذي إنهار تحت معاول الشباب الألماني في نوفمبر 1989 أقامت سلطات الإحتلال الإسرائيلي جدار العار يخترق و يمزق ما بقي من أرض فلسطين ورمت الدولة العبرية عرض الحائط بقرارت منظمة الأمم المتحدة التي أذنت بهدمه وإيقاف بنائه بل تواصل تقطيع أوصال فلسطين لمنع نشأة أية دولة فلسطينية في المستقبل كما نصت عليه “إتفاقيات السلام” المزعزمة المغشوشة التي لم تنطل إلا علينا نحن العرب وحتى الزعيم ياسر عرفات رحمة الله عليه إغتر بوعودها الكاذبة ورمى بالبندقية في مياه نهر الأردن محتفظا بغصن الزيتون اليتيم فقط ولم يسعفه ذلك التنازل التاريخي فاغتالوه بشحنة بلونيوم وهو ماسك بغصن الزيتون! و تواصل بناء الجدران و حتى رفح الحدودية شهدت قيام جدران بين بعض العرب والبعض الأخر وأغلقت حدود و أحكم حصار. وبعيدا عن الشرق الأوسط المعقد المعذب يقوم الجدار الأطول في العالم بين الولايات المتحدة والمكسيك وهو كما تعلمون لم يمنع أن ينتقل عبره خلال ثلث قرن ثلاثون مليون مواطن مكسيكي وأميركي لاتيني من الجنوب الى الشمال من بينهم عشرة ملايين مهاجر غير شرعي بلا وثائق و لا تأشيرات وعد المرشح باراك أوباما سنة 2008 تسوية أوضاعهم (كما وعد بهدم أسوار محتشد جوانتانامو) و لم ينجح أمام تحديات التركيبة السياسية الداخلية الأميركية !
و حلت سنة 2015 فسجلت منظمة الأمم المتحدة خلالها وصول مليون من البشر الى سواحل أوروبا جلهم من سوريا و بعضهم من إفريقيا والمغرب العربي حملتهم قوارب الموت من بينهم 270 ألف طفل دون العاشرة أحصت من بينهم منظمة اليونيسيف 10 ألاف طفلا مفقودا يعلم الله وحده أين انتهت بهم رحلة الموت والعذاب!
فهل مات منهم من مات مثل الطفل الملاك (إيلان) أم راحوا ضحايا عصابات تجار البشر نخاسة هذا العصر و باعة الأعضاء البشرية! أو لعل بعضهم أسعفه الحظ فاحتضنته عائلة أوروبية ربما تربيه وتعلمه فينشأ في مجتمع غربي مرفه و يتغير اسمه من محمد الى باسكال ومصيره يذكرنا بتاريخ السبايا والمماليك والعبيد في القرن التاسع عشر حين كانت الهجرات بالعكس من الشمال إلى الجنوب! هذه هي الجدران المقامة من الخرسانة المسلحة و من الأسلاك الشائكة المكهربة تعلوها الكشافات و كميرات المراقبة ويحرسها القناصة ببنادق مزودة بالمناظير كتلك التي قتلوا بها أحد الفلسطينيين شبه العاري على شاطئ عربي منذ أسابيع ليرفع القناص يده بعلامة النصر! في مشهد تراجيدي يجعلنا نشفق على القتيل و القاتل فكلاهما ضحية مسرح اللامعقول السياسي العربي البائس الراهن. أية جدوى في الحقيقة من بناء الجدران و إقامة الحواجز في عالم مؤسس على نظام سياسي و حضاري واقتصادي جائر رسمت حدوده الدول العظمى بغاية استغلال القوي للضعيف وهيمنة الأمم الطاغية على الأمم المستكينة؟ أي جدران تستطيع صد الملايين (وغدا المليارات) من بؤساء الأرض عن الالتحاق بمرفهي الأرض ويكفي أن تسمع بعض هؤلاء العالقين على حدود اليونان مثل عدنان المواطن السوري الهارب من جحيم القصف الروسي على مدينة حلب وهو مصحوب بزوجته غادة و بطفلين بريئين تقرأون في عيونهم الحلبية كل فواجع الحرب والدمار يقول عدنان: صار لنا أسبوع من ساعة وصلنا و نجونا من عواصف البحر ونزلونا لليابسة ننام في العراء و لا نأكل الا بعض (السندويشات) التي توزعها علينا الجمعيات الخيرية المسيحية بعد أن نصطف ساعتين في الطوابير. هيك العذاب ها الأيام و الأطفال بردانين و عندهم حمى و ناقصين ملابس و خيام و أرجلنا تجمدت بالصقيع يا عالم يا مسلمين ياعرب فين النخوة فين الكرامة فين التضامن !!! نموذج من مئات الألاف من تراجيديا الهجرات تقابلها من الجانب الأوروبي اليوم محاولات إنسانية للتخفيف من مصائبنا ومعها ممارسات عنصرية رشحت أحزاب اليمين العنصري المتطرف للوصول للحكم قريبا. و إلا كيف نفسر أن يؤسس مرشح الرئاسة الأميركية (ديفيد ترومب) حملته في الإنتخابات التمهيدية على الالتزام بمنع المسلمين (كل المسلمين) من دخول الولايات المتحدة لو وصل الى البيت الأبيض! رغم بعد أمريكا عن الهجرات المشرقية. العالم يزداد إنشقاقا بين الحضارات لا بين الدول و الحرب كما أعلنها (صامويل هنتنجتن) أصبحت بين الثقافات لا بين الجيوش. فمتى ندرك نحن العرب المسلمين أن البقاء للأقوى في مسار الإنتقاء الطبيعي و الإنساني الذي نحن فيه وهذا الإنتقاء لا يرحم ضعيفا أو غافلا بل يضعه في سلة السلالات المؤهلة للانقراض.

إلى الأعلى