الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : تشتٌت الكفاءات العراقية

اصداف : تشتٌت الكفاءات العراقية

وليد الزبيدي

ليس هناك إحصائية دقيقة عن أعداد الأطباء والمهندسين والاقتصاديين والعكسر والخبراء الأمنيين وعلماء الحاسوب والمخرجين والرسامين وأساتذة الجامعات والكفاءات العراقية الأخرى الذين توزعوا على مختلف دول العالم، لكن الجميع يتفقون أن عشرات آلاف الكفاءات العراقية قد غادرت العراق واستقر بها المطاف في هذه الدولة أو تلك، وقصة هروب الكفاءات العراقية ليست جديدة وإن أصبحت ظاهرة مخيفة خلال العقد الأخير، لكن وبما أن التعليم قد بدأ مبكرا في العراق، ولأن ثمة طبقة من الأثرياء في هذا البلد، فقد بدأت موجات الدارسين في الجامعات الغربية وتحديدا في بريطانيا والولايات المتحدة في وقت مبكر جدا، ودرس في النصف الأول من القرن الماضي “العشرين” الطلبة العراقيون في تخصص الطب في الجامعات البريطانية، كما درس آخرون في جامعات الدول الاشتراكية وتحديدا بعد خمسينات القرن الماضي، وبينما كانت العوائل الارستقراطية ترسل الأبناء وحتى البنات إلى بريطانيا فإن العوائل ذات التوجهات اليسارية حرصت على ذهاب الأبناء والبنات إلى الدول الاشتراكية.
كانت أول صدمة للكفاءات العراقية بعد ثورة عام 1958التي أنهت حقبة العهد الملكي في العراق التي بدأت مع تأسيس الدولة العراقية في العام 1921، وبينما فضّل بعض الطلبة البقاء في بريطانيا على العودة بسبب ما تعرضت له الطبقة الارستقراطية والقريبة من الحكم الملكي، فقد اضطرت كفاءات اخرى لمغادرة العراق بسبب الاضطرابات والخلافات التي وصلت الى حدّ استخدام السلاح بين الفصائل السياسية.
بعد الطفرة الاقتصادية الكبيرة الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمي بعد حرب عام 1973، وما شهده العراق من مشاريع تنموية واسعة بادرت الحكومة لمنح امتيازات للكفاءات التي ترغب بالعودة إلى العراق، لكن اصطدم العديد من العائدين ببيروقراطية ثقيلة فاقفل هؤلاء عائدون من حيث أتوا،وكانت حرب الثمانينات أحد العوامل الطاردة للكفاءات، فعندما كان الطلبة يحصلون على شهاداتهم العليا من الجامعات العالمية ويدققون باهوال الحرب التي استمرت مع إيران من عام 1980 حتى 1988، فقد قرر البعض البقاء في بلاد السلم والسلام بعيدا عن الحرب والقتل والدماء.
ثم حلّ بالعراق دهر لا يقل عن اهوال الحرب تلك بعد أن بدأ الحصار يعصف بالعراقيين منذ العام 1990، ثم حرب الخليج الثانية عام 1991، وتداعيات تلك التطورات السلبية على الحياة بصورة عامة والمجتمع والكفاءات بصورة خاصة، في تلك الاثناء وتحديدا في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي برزت ظاهرة هروب الكفاءات حتى اضطر الكثيرون لتزوير جوازات السفر بسبب منع السلطات الكفاءات من مغادرة بلادها.
وما أن حلّ الخراب والدمار بالعراق واهله بعد غزو أميركا لهذا البلد عام 2003 حتى اصبحت الكفاءات العراقية مستهدفة بالقتل والاختطاف بصورة لم يشهدها العراق عبر تاريخه الطويل، وتمت تصفية آلاف الكفاءات من أطباء واساتذة وخبراء، حتى هرب الكثير منهم عسى أن ينجو بنفسه وعائلته.
لكن حتى هذه اللحظة لم تخرج إحصائية بعدد الضحايا من الكفاءات وإعدادهم في أصقاع الدنيا.

إلى الأعلى