الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ

بساط

الإذاعة .. عشقي الأول
**
ما أكثر المناسبات التي تمر علينا، فلا نوليها حقها، إما تقصيرا من بعضنا، أو انشغالا من البعض الآخر، لكنه في كلتا الحالتين تقصير.
من حوالي شهر تقريبا، وخلال فبراير الماضي، كان احتفاء العالم بــ”يوم الإذاعة”، التي شكلت ـ في يوم من الأيام ـ وجدان وثقافة أجيال كاملة، وجيلي كان من بينهم. وأنا ـ على وجه الخصوص ـ لي مع الإذاعة، تجارب وحالة عشق من نوع خاص.
كانت لي تجربة ـ أحسبها نادرة ومن نوع خاص مع الإذاعة ـ هذه التجربة كانت وليدة عبقرية رجل رحل عن دنيانا، لكن تجربته، لازالت تعيش في وجداننا، تؤنسنا، وتزيد حنيننا إلى منبتنا الأول.
صاحب هذه التجربة هو الراحل أبو مسلم عدايل، صاحب أول تجربة إذاعية خاصة، على مستوى جمهورية مصر العربية، في مدينة القنايات بالشرقية، وقت أن كانت بلدة، وكنا نصحوا على صوت أم كلثوم، تشجينا بـ” يا صباح الخير يا إللي معانا .. الكروان غنى وصحانا” فكانت مبعثا للأمل والتفاؤل باقي اليوم.
كانت إذاعته تهتم بجميع المناسبات والأعياد الدينية والوطنية، والمناسبات الخاصة والتهنئة بها، فكان أول ما يتبادر إلى ذهن من ينجح لهم طالب في الشهادة العامة ـ وقت أن كان لها ثقلها ووزنها ـ أن يسرع الأهل فيتقدموا بالتهنئة إلى إبنهم أو إبنتهم بالنجاح عبر أثير الإذاعة، ودائما ما كان أبو مسلم عدايل ـ رحمه الله ـ يبشر أهل بلدته والقرى المجاورة ـ التي يصلها صوت إذاعته عبر مكبرات الصوت ـ بقدوم شهر رمضان المبارك والعيدين، وكان قرآن الصبح ـ الذي يبث عبر أثير إذاعته ـ مبعث كل طمأنينة وخشوع.
تشكلت شخصية الراحل أبو مسلم عدايل، من عدة مصادر، أولها الكتاب، الذي لم أره يوما يسير في الشارع مارا بجوار بيتنا، إلا وهو يحمله، ولا ينقطع عنه، إلا عندما يرد سلام أحد المارين بجواره.
وعندما كانت تروق له فكرة ما، أو معلومة اقتنصها، في إحدى رحلاته القرائية، كان الراحل أبو عدايل، يفاجئ أهل القنايات، فيبدأ بالحديث عنها. وكانت بعض إطلالاته الإذاعية، لا تخلو من بعض الإسقاطات السياسية أو الاجتماعية، أو ما يخص بعضا ممن يختلفون معه الرأي.
ثاني المصادر التي شكلت شخصية الراحل، معرفته اللصيقة وصداقته بكل من جايله من مثقفي بلدته القنايات، وقد وصلوا لأعلى المناصب في القضاء والصحافة، والكثير منهم واصل دراسته الأكاديمية. وكانوا مداومين على زيارته، ونيل شرف الجلوس معه، في مقره الذي كان لا يتعدى بضعة أمتار. هو حقا صغير في مساحته، لكنه يسع قامات ثقافية وعلمية وأكاديمية، كانت تشرف بالتعرف عليه.
وأتذكر أن مجموعة من طلبة كلية الإعلام، قاموا بعمل الكثير من الدراسات والبحوث على هذه التجربة، التي كانت وليدة وقت انطلاقها في سبعينيات القرن الماضي.
مرت الأيام، وتبدلت الظروف، وغاب صوت الإذاعة، مع كل شيء جميل فينا.
ومن هذه التجربة الفريدة والخاصة، إلى تجربة أكثر خصوصية لي مع إذاعة سلطنة عمان، بما تضمه من قامات ثقافية وإعلامية وفنية كبيرة، عندما شرفت بالتعرف على الراحل الأستاذ زكريا نجم، الصحفي في جريدة الجمهورية المصرية، وكان سبق له أن عاش هنا في سلطنة عمان، وعمل في جريدة (الوطن العمانية).
كان عملي في جريدة الجمهورية المصرية، سببا في التعرف على الراحل الأستاذ زكريا نجم، وقد أسند لي في يوم من الأيام، كتابة بعض الحوارات الدرامية المقدمة للأطفال، حيث كان لا يزال يكتب برامج لإذاعة سلطنة عمان.
وبمجرد وصولي هنا إلى السلطنة، شدني الحنين إلى الكتابة للأطفال، وشجعني على الكتابة، ما لاقيته من مساندة من الراحل زكريا نجم، وإشادته بما أكتب.
كانت البداية مع “قصص الأنبياء” للأطفال، حيث ألفت لها حوارا دراميا، وكانت تجربة الإخراج للأستاذ خليفة الطائي، وقد سعدت بوجود الإعلامي المتميز هلال الهلالي، مقدما للمسلسل، ومشاركا في حواره الدرامي.
وقد تعرفت من خلال هذه التجربة على الأستاذ أحمد الأزكي، وقت أن كان رئيسا لقسم الدراما بالإذاعة، وتوطدت علاقتي به. بعدها توالت التجارب مع الأستاذ طالب محمد، عندما أسندت إليه رئاسة قسم الدراما بالإذاعة، وقد أثمر تعاوني معهم وقتها، مسلسل الأطفال “الحكيم الصغير” وكانت تجربة ناجحة بكل المقاييس، وقد حملت بصمة الفنان والمخرج الإذاعي المبدع سعود الدرمكي، حيث جاءت بصمته الإخراجية، لتؤكد الفكرة التي اشتغلت عليها، من خلال كتابتي للمسلسل.
بعدها كان التعرف على الإعلامي صاحب البصمة الثقافية والأدبية المتميزة الأستاذ سليمان المعمري، وكانت إطلالة الصوت الإذاعي الفائق التميز للأستاذة رشا البلوشي، في مسلسل “حكايات وقراءات” ومن بعدها “حكايات حروفي الجميلة”. كل هذا المشوار الإذاعي، ولم يفارقني إبداع الفنان سعود الدرمكي.
لن أضيف جديدا، عندما أقول إن الكتابة للإذاعة ـ وخصوصا الدراما ـ أصعب بمراحل من الكتابة للتليفزيون، لأن من يناط به هذه المهمة، عليه أن يعوض المستمع، بأدواته الكتابية، عن الصورة التي تيسر وصول الفكرة، لنظيره من مشاهدي التليفزيون. وهنا تأتي مهارة الكاتب، في اختيار المؤثرات الصوتية، من خلال المسامع التي يكتبها.
لكنها ـ في المقام الأول والأخير ومع صعوبتها ـ تشعرني بالمعنى الكامل للسعادة، خصوصا عند الكتابة للطفل، لأنني أعيش كل المراحل التي تسعد الطفل بشكل مسبق.
هذه هي تجربتي وعشقي الخاص للإذاعة. ودائما ما أتمنى أن أتغلب على صعوبة الكتابة لدراما الأطفال فيها، بحبي لهم، وعشقي لما أكتب.
كل عام وإذاعة سلطنة عمان، والقائمين عليها في تقدم وازدهار، ورحم الله من رحلوا عنا، وأثابهم عنا كل خير.

إيهاب مباشر

إلى الأعلى