الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حكومات الألفية الثالثة «رؤية إلى أبرز التحديات المستقبلية» «1-5»

حكومات الألفية الثالثة «رؤية إلى أبرز التحديات المستقبلية» «1-5»

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. يفترض هذا السيناريو أن تستمر حركة التوجهات الكبرى الراهنة كما هي عليه الآن, وأنه لن تكون هناك مفاجآت استثنائية جذرية يمكنها أن تلغي توقعاتنا الراهنة, فيما يطلق عليه في مناهج الدراسات المستقبلية بسيناريو الاستمرارية, على أننا لا يمكن بحال من الأحوال أن نجزم بأن هذا السيناريو هو سيناريو مؤكد لطبيعة وشكل الحكومات في المستقبل, بقدر ما هو قراءة مستقبلية في المحتمل والمتوقع لذلك,”

ستتناول في هذه الدراسة التي سنقسمها إلى 5 أجزاء أبرز تلك التحولات والتوجهات المعاصرة التي بدأت بالتأثير على العديد من الحكومات القائمة اليوم, ومن المؤكد بأنها ستغير بشكل كبير جدا من شكل وطبيعة ومضمون تلك الحكومات التقليدية خلال السنوات المقبلة, مع محاولة تناول أبرز الوسائل والأدوات الممكن من خلالها احتواء أكبر قدر من الانعكاسات السلبية لتلك المتغيرات والتحولات على بيئة الإدارة السياسية, وهياكل البناء السياسي للأنظمة السياسية المعاصرة في إدارة كل ما يتعلق بالإدارة الحكومية للمستقبل, حيث يمكننا من خلال إسقاط توجهاتنا إلى الأمام في الزمن القادم, فيما يعرف بتقنية المد البياني الاستقرائي للتوجه « وهو تقنية من التقنيات المستخدمة في مناهج الدراسات المستقبلية من خلال رسم سيناريو أو صورة تقريبية لما يمكن أن يكون عليه شكل وطبيعية الحكومات في نقطة محددة في المستقبل, وقد حددنا على سبيل المثال العقد الثالث من القرن 21 لتلك النقطة التي سينطلق منها استشرافنا.
ويفترض هذا السيناريو أن تستمر حركة التوجهات الكبرى الراهنة كما هي عليه الآن, وأنه لن تكون هناك مفاجآت استثنائية جذرية يمكنها أن تلغي توقعاتنا الراهنة, فيما يطلق عليه في مناهج الدراسات المستقبلية بسيناريو الاستمرارية, على أننا لا يمكن بحال من الأحوال أن نجزم بأن هذا السيناريو هو سيناريو مؤكد لطبيعة وشكل الحكومات في المستقبل, بقدر ما هو قراءة مستقبلية في المحتمل والمتوقع لذلك, وأين, وكيف يمكن أن تصبح الحكومات القائمة اليوم في العقد الثالث من القرن 21 بناء على معطيات الحاضر؟
على أننا وقبل قراءة الحاضر وجدنا أولا أهمية إلقاء نظرة ولو بشكل مختصر وموجز على الماضي حيث يمكننا من خلال ذلك الحصول على فكرة عما نحن متجهون إليه في المستقبل, ففي الثورة الصناعية الأولى نحو مطلع القرن 19 كان لتطبيق البخار على الطواحين ووسائط النقل تأثير قوي على الاقتصاد والمجتمع والحكومات, فقد تحولت أنماط الإنتاج والعمل وظروف المعيشة والطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية بشكل كامل, أما في الثورة الصناعية في مطلع القرن 20 فقد أحدثت الكهرباء والمواد التركيبية وماكينات الاحتراق الداخلي تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية مماثلة.
فعلى سبيل المثال تحولت الولايات المتحدة الأميركية بعد الثورة الصناعية في القرن 20 من ( أمة يغلب عليها الطابع الزراعي إلى أمة صناعية حضرية مدنية بالدرجة الأولى, ففي تسعينيات القرن 19 كان معظم الاميركيين لايزالون يشتغلون في المزارع, وبعد ذلك ببضعة عقود كانت غالبيتهم تسكن في المدن وتشتغل في المصانع, فتغيرت الطبقات الاجتماعية والانقسامات السياسية عندما اكتسب العمل في المدن ونقابات العمال مزيد من الاهتمام, ومرة أخرى تغير دور الحكومة وطبيعتها), بالتالي فان هذا النوع من القياسات التاريخية تساعدنا كثيرا على فهم طبيعة القوى والحكومات التي ستشكل السياسات العالمية في القرن الحادي والعشرين , وخصوصا أننا نجد ونلاحظ بشكل كبير وواضح أنماطا مشابهة لذلك التغيير سالفة الذكر.
وهنا نطرح السؤال التالي: ما الثورة التي يمكن من خلالها القول إنها قد ميزت من جهة, وأثرت من جهة أخرى في شكل ومضمون البناء التاريخي والحضاري الحالي بشكل عام والسياسي والاقتصادي وما إلى ذلك من نواحي الحياة بوجه خاص وعلى رأسها بكل تأكيد مضمون بحثنا الرئيسي – ونقصد – طبيعة وشكل ومضمون الحكومات في القرن 21, وستكون هي اللاعب الرئيسي والموجه لدفة المستقبل, والحقيقة أنني على يقين تام بان الإجابة سهلة وواضحة للغاية وللجميع, لان تلك الثورة لم تصب الحكومات فقط في الصميم , بل بلغت كل مسامات الحياة والمجتمع بلا استثناء, اقصد أن الجميع لا يختلف على أنها الثورة الرقمية, وبمعنى آخر، الثورة الصناعية الثالثة الكامنة في الثورة المعرفية والمعلوماتية رغم أنها مازالت في مراحلها المبكرة من حيث التطور والتأثير العابر للقارات. حيث يواجه الجميع اليوم شعوبا وحكومات إيقاعات فائقة التسارع لصدمة معلوماتية ومعرفية تهز كيان الوجود الإنساني برمته , وتأخذ هذه الصدمة المعلوماتية / المعرفية طابع الاستمرارية والديمومة والكثافة تحت تأثير أمواج متدفقة من الاندفاعات المعلوماتية التي تهاجم العقل الإنساني وتقهره, وفي وصف هذه الثورة المعلوماتية والمعرفية يقول الاقتصادي الكبير كينيث بولدنج: لقد ولدت في منتصف التاريخ البشري لأن ما حدث مذ ولدت حتى الآن يعادل تقريباً كل ما حدث قبل أن أولد, وعلى هذا المنوال يقول البيولوجي الشهير جوليان هكسلي بأن إيقاع التطور المعرفي والتكنولوجي أسرع اليوم 100.000 مرة مما كان عليه في العصور السابقة, أما توفلر فيذهب في كتابه – صدمة المستقبل – إلى وصف هذه الثورة قائلاً : بأن 90% ممن أنجبت البشرية من العلماء يعيشون الآن في المرحلة الراهنة.
وقد أثرت الثورة الصناعية الثالثة أو الثورة الرقمية بشكل غير مسبوق في مختلف نواحي الحياة الحضارية , بداية من تطور التفكير والوعي لإنسان الألفية الثالثة ونظرته الى حاضره ومستقبله , مرورا بالتغيير الشامل والواضح في أساليب وأنشطة حياته اليومية, وليس انتهاء بالتأثير في سيادة الحكومات وطبيعتها واستقلالها, وتأثير العناصر الفاعلة من غير الدول في مجريات الحياة العامة بمختلف اتجاهاتها – بعبارة أخرى- فان التكنولوجيا الجديدة والثورة الرقمية حولت كتل وهياكل البناء الحضاري العالمية بشكل جذري خلال المراحل الزمنية القادمة , لذا يتعين على سياستنا المستقبلية أن تتكيف مع ذلك بطريقة مناسبة.
وبالعودة إلى تأثير الثورة الرقمية على الحكومات الراهنة كونها محل بحثنا, فقد كان الرهان قبل أكثر من سبعة عقود ونصف مضت حين تنبأ عالم الاجتماع البارز وليام أوجبيرن بان التكنولوجيا الجديدة سوف تؤدي الى مركزية سياسية اكبر والى تقوية الدول في القرن 20 , ففي العام 1937م جادل اوجبيرن بان الحكومة الأميركية ربما ستميل الى تشديد النزعة المركزية بسبب الطائرة والحافلة والشاحنة وماكينة الديزل, وقد كان محقا بدرجة كبيرة بشأن تلك النظرة والتفكير في سياسات الحكومة الأميركية على سبيل المثال لا الحصر , كما لم تكن أميريكا وحدها قد انتهجت تلك النزعة وذلك التوجه في طبيعتها وهياكل بنائها في ذلك القرن بل كانت دولا وقوى عالمية أخرى كالاتحاد السوفييتي تسير على ذلك النهج, فقد كان نموذج ستالين الاقتصادي قائما على التخطيط المركزي, الذي جعل الكمية لا الأرباح هي المعيار الرئيسي لنجاح أي مدير , فكان المخططون لا الأسواق هم الذي يضعون الأسعار.
إلا أن ذلك لم يكن مقدرا له الاستمرار والنجاح الى مالا نهاية لا في الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق ولا في غيرها من حكومات دول العالم, كون ذلك لم يكن ممكنا أبدا في ظل الثورة الصناعية الثالثة, وما رافق ذلك من حتمية مواكبة ذلك التطور في المعرفة وتسارع المعلومات في وقت لم تكن فيه النظرية البيروقراطية أو المركزية في إدارة شؤون الحكم والدولة وتسيير مؤسساتها قابلة ولا حتى قادرة على التعاطي مع ذلك الوضع لجمودها وضعف هياكلها الإدارية ونقص المرونة اللازمة لمواكبة الإيقاع المتسارع للتغيير التكنولوجي في الاقتصاد والسياسة العالمية القائمة على المعلومات, وكما قال مارشال جولدمان المتخصص بشؤون روسيا ذات مرة ( في آخر الأمر أصبح نموذج النمو الستاليني قيدا بدلا من أن يكون مسهلا ) وهو أمر يمكن سحبه على كل الدول والحكومات التي مازالت تسير على ذلك النهج المتهالك في تسيير وإدارة مؤسساتها حتى يومنا هذا, حيث سوف تجد حكومات العالم وبجميع أشكالها أن السيطرة التقليدية حتى على شؤونها وسيادتها الداخلية قد بدأت تفلت وتنزلق شيئا فشيئا من بين أيديها.

إلى الأعلى