الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر: لله درك أيتها العجوز المبصرة..!!

بداية سطر: لله درك أيتها العجوز المبصرة..!!

كانت تعيش في عالم آخر، يستحق أن نطلق عليه لقب (المدينة الفاضلة) من حيث نوع الغذاء، فهو يزخر بثقافة (تعي) ما تأكل و(تدرك) ما يحتويه الغذاء، كانت تتعجب ما نقدمه لها من غذاء، بل كانت تتعجب ما يهضم أطفالنا الصغار، كما كانت تشعر بخيبة أمل عندما نصحبهم إلى ما يسمى (بمطاعم الوجبات السريعة) -حين طفح الكيل بها – قالت مزمجرة: هل تعرفون مما يصنع هؤلاء الطهاة غذاءكم.؟ كيف تستأمنون هؤلاء التجار في غذاء أبناءكم ؟ هل تدركون مكونات هذا الغذاء ؟ ومتى صنع؟ وهل ذبح حسب الطريقة الاسلامية؟ عندئذ قررت هذه العجوز البصيرة أن تقاطع هذه المنتجات في تلك الساعة وهي أصلا لا تعرف عن هذه المأكولات في ديارها بإحدى قرى تنزانيا الساحلية شيئا، جاءت إلينا لزيارة ابنها الوحيد وحفيدتها اليتيمة ، فهي تعودت على غذاء صحي من اللحوم الطازجة والدجاج الحي الذي يذبح أمام ناضريها – حسب قولها- ناهيك عن الفواكه والخضار التي لم تحفظ بمواد حافظة وملونة ولم يضف اليها منكهات صناعية.
ذات مرة قدّمت إليها (فواله) مع القهوة العمانية وكنت ظانا أنني أكرمتها بتلك التشكيلة الممزوجة بالتفاح الخارجي الاحمر والأخضر فسألتني بلغتها السواحلية مستهزئة: وكأنك قطفتها للتو من مزرعتكم يا بني ؟!، فتعجبت من تساؤلها الداعي إلى الحيرة والتفكير من استهزاءها وهي تدرك بأننا لا نزرع التفاح في بلادنا – حسب علمي- بل يستورد فاستوقفتني قائلة: ألا تنظر لهذه التفاحة وكأنها قطفت للتو..!! أليس كذلك؟ قلت لها نعم تبدو كذلك، إلا أنّ الشركة المنتجة لا بد أن تضع عليها المواد الحافظة كي تصل الينا سليمة من العيوب والعلل . فأجابت الم تدرك أن العلل والعيوب مغطاة في هذا التفاح الذي تمضغه في بطنك وعيالك..؟ قلت لها كيف يكون ذلك؟ قالت: هل عرفت نوع المواد الحافظة التي توضع على ظهر هذه التفاحة – وهي تشير أليها بأصبعها – أليست مواد كيماوية تضر بجسم الانسان وتذهب بصحته. كما انها تفلسفت في جوابها حينما ذكرت أضرار ذلك علينا وعلى أبنائنا وان تلك الاضرار ليس شرطا ان تظهر بعد عام أو عامين ربما تظهر آثارها بعد حين من العمر إلا انه في النهاية تؤثر على صحتنا.
لقد لقنتني هذه العجوز العارفة درسا مبصرا عن أضرار المأكولات السريعة، كما علمتني درسا آخر عن المأكولات ذات المواد الحافظة رغم أنها تجاوزت السبعين من عمرها، إلا انّ أسنانها لا زالت مضيئة صفت كأسنان المشط ، تكررت لديها علامات الدهشة والاستغراب مما نقتني من أطعمة مثلجة، ونقدم في كثير من وجباتنا من (النقانق والبرجرات) المصنعة، تمتعض تارة وتتأفف أخرى، حين تخفي ذلك في سريرتها الناصعة بطبيعة مختلفة وطقوس غذائية مغايرة لواقعنا، أقسمت بأنها لم تسمع باللحوم المصنعة في قريتها المتخمة بالطبيعة والمشبعة باللحوم الطازجة والدواجن ذات الطعم اللذيذ بعيدا عن المغالطات الحاصلة في عالمنا اليوم ، وبعيدة عن ما يسمى بالهرمونات والمضادة الحيوية التي أصبحت تلقح بها معظم الحيوانات المستوردة من بلاد العم سام.
تلك قصة حقيقية عشت واقعها مع تلك العجوز ذات السبعين ربيعا، تملك من الصحة ما لا يملكه اليوم بيننا ذو الاربعين عاما، فرض عليهم الواقع في ديارهم تناول أغذية صحية كما كان يفعل أجدانا السابقون لا يوجد في قاموسهم لحوم مستوردة أو دواجن مهجنة أو زيوت مهدرجة أو لحوم مصنعة أو مما عرف في قاموسنا اليوم صنع من مادة (الجيلاتين)مما انعكس ذلك على صحتهم وسلوكياتهم ووعيهم الثقافي تجاه ما يأكلون.
انتهت زيارة هذه العجوز المبصرة بعد أن قضت معنا اسبوعا كاملا، علمتنا دروسا لن تنسى وستبقى خالدة في الذهن بان نبتعد عن كل ما يؤثر بصحتنا وقررت أن تنصرف في يوم مليء بالنشاط والاجتهاد فكان الاولاد يلعبون وهي تغادر المنزل فتودعهم وتسلم عليهم حينما رأت صغيري يمسك علبة من البلاستيك عجيبة الشكل بالنسبة لها فسألتني عما يأكل فقلت لها نسميه بالدارجة (مينو/تشيبس) فرأته ذات ألوانا حمراء وصفراء فاشتد حزنها علينا وهي تهمهم يأكلون ألوانا نستخدمها في الاصباغ في قريتنا إنهم يسممون أمعائهم ولا يحترمون ما خلق الله لهم من صحة وعافية فقالت وهي مطرقة برأسها: إنكم إن بقيتم على حالكم فستفارقكم السلامة وتهجر بيوتكم فقبل مغادرتي أنصحكم ان تعودوا الى صوابكم ورشد أباءكم الذين لا يأكلون الا طيبا ولا يشترون الا الصالح من الغذاء.
إنه أمر في غاية الأهمية أن ندق ناقوس الخطر تجاه ما نقتني من منتجات نجهل عمدا او نتجاهل دورها في بث السموم في أجسامنا بل وتمادينا في ذلك وأصبحنا نهدي أبنائنا الصغار من المأكولات والحلويات التي لا ندرك كيف صنعت ولا نعي مكوناتها..!! بل وأصبحنا لا نبالي بما يأكلون وما ناكل حين اطلقنا الحبل على غاربه لدخول ما طاب وما خاب من منتجات غذائية في بيوتنا . لله درك أيتها العجوز المبصرة.

د. خلفان بن محمد المبسلي

إلى الأعلى