الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رحل “الترابي” وبقيِّ الشجار بين المواقف والأفكار

رحل “الترابي” وبقيِّ الشجار بين المواقف والأفكار

محمد عبد الصادق

”.. يرى البعض الترابي رائداً للتجديد في الفقه الإسلامي الحديث, حيث ظل لعقود يطرح رؤيته للتجديد وفق إطار أصولي أتاحته له ثقافته الفقهية الشاملة وتخصصه في القانون الدستوري المقارن, ويعتبرونه صاحب نظرية متكاملة في تجديد علم أصول الأحكام, ولعل من أكثر الفتاوى التي جلبت النقد على الترابي وخاصة من السلفيين, فتواه بجواز إمامة المرأة للرجل”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل أن تهدأ النفوس حزنا على رحيل الدكتور حسن الترابي وتتوقف مواكب التشييع التي شارك فيها السودانيون من جميع الأطياف والاتجاهات السياسية والفكرية ـ ثار الجدل من جديد بين مؤيدي ومعارضي السياسي والمفكر السوداني الراحل الذي كان رقماً صعباً في الساحة السياسية ومفكراً إسلامياً جمع بين العلوم الدينية والاجتهادات الفقهية مستفيداً من دراسته للقانون والعلوم الإنسانية والفلسفية في الخروج بآراء واجتهادات جديدة كان بعضها صادماً, جعلت الترابي يعيش معظم حياته محاطاً بهالة من الإثارة والجدل والاختلاف منذ عودته من المهجر عام 1964م وتوليه منصب الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامية لدى تشكلها وهي الجبهة التي انبثقت عنها جماعة الإخوان المسلمين فرع السودان.
ولد حسن الترابي في الأول من فبراير عام 1932م بمدينة كسلا شمال شرق السودان قرب الحدود الإريترية, نشأ في بيت متدين, والده كان قاضياً شرعياً وشيخاً لإحدى الطرق الصوفية ذائعة الصيت في السودان, تزوج من وصال الصديق المهدي شقيقة رئيس وزراء السودان الأسبق الصادق المهدي زعيم حزب الأمة, حفظ القرآن ودرس علوم اللغة العربية والشريعة على يد والده وهو في سن صغيرة, وكان متفوقاً طوال سني دراسته الأولية, التحق بكلية الحقوق جامعة الخرطوم وتخرج بتفوق عام 1955م , سافر إلى انجلترا لتكملة دراسته العليا, فحصل على الماجستير عام 1957م من جامعة أكسفورد, وتوجه بعدها إلى باريس ليحصل على دكتوراه الدولة في القانون من جامعة السوربون 1964م ,أتقن الترابي أربع لغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية إجادة تامة واطلع على فلسفات هيجل وكارل ماركس وإنجلز, وكان محباً للموسيقى والغناء والفنون التشكيلية.
عاد الترابي إلى السودان وعمل أستاذا للقانون بالجامعة ثم عميداً لكلية الحقوق, اعتقل ثلاث مرات في السبعينيات, بتهمة محاولة الانقلاب على نظام الحكم في عهد جعفر نميري, وخرج عام 1979م بعد مصالحة النميري مع الحركات الإسلامية وموافقته على تنفيذ مطالبها بتطبيق الشريعة الإسلامية وتولى الترابي منصب النائب العام ورئيس لجنة تعديل الدستور بما يوائم الشريعة الإسلامية, كما شغل منصب وزير الخارجية في نهاية حكم النميري عام 1984م,
شارك في إسقاط نظام جعفر نميري عام 1986م , وشكل الجبهة القومية الإسلامية وترشح للانتخابات البرلمانية لكنه خسر الانتخابات لتكتل القوى اليسارية ضده, ورغم ذلك عينه صهره الصادق المهدي نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية في الحكومة الإئتلافية التي كان يرأسها المهدي, وعندما اختلف مع الصادق المهدي تحالف مع الجنرال عمر حسن البشير في يونيو 1989م وأطاحا بالصادق المهدي, وقضى الترابي عاماً كاملاً داخل السجن لينفي عن نفسه تهمة التآمر على صهره و سجن مع جميع قادة الأحزاب السياسية لمدة عام كامل , خرج بعدها وأصبح الحاكم الفعلي للسودان, لم يدم تحالفه مع البشير طويلاً إذ سرعان ما دبت الخلافات والنزاع على الصلاحيات وطريقة الحكم بينهما فانفصل الترابي عن الجبهة القومية ليؤسس المؤتمر الشعبي وينضم لصفوف المعارضة.
في 22فبراير 2002م سافر الترابي إلى جنيف واجتمع مع الزعيم الجنوبي جون قرنق ووقع معه مذكرة تفاهم من عشر نقاط من بينها منح جنوب السودان حق تقرير المصير وتصعيد وسائل المقاومة الشعبية السلمية والمطالبة بإلغاء القوانين المقيدة للحريات التي سنها البشير ورفع حالة الطوارئ عن عموم السودان, وألقي القبض على الترابي بمجرد وصوله إلى مطار الخرطوم وألقي به في السجن حتى عفا عنه البشير وأطلق سراحه بعد أكثر من سنة قضاها وراء القضبان, ولم يثنه السجن عن المضي قدماً في معارضة النظام, ومضى الترابي في تنفيذ مشروعه الذي كان يهدف لتوحيد الأحزاب والتيارات الإسلامية في كيان كبير يستطيع خلافة نظام البشير الذي ساهم في قيامه.
ويرى البعض الترابي رائداً للتجديد في الفقه الإسلامي الحديث, حيث ظل لعقود يطرح رؤيته للتجديد وفق إطار أصولي أتاحته له ثقافته الفقهية الشاملة وتخصصه في القانون الدستوري المقارن, ويعتبرونه صاحب نظرية متكاملة في تجديد علم أصول الأحكام, ولعل من أكثر الفتاوى التي جلبت النقد على الترابي وخاصة من السلفيين, فتواه بجواز إمامة المرأة للرجل, وكان دليله في ذلك حديث أم ورقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزورها في دارها وأمرها أن تصلي بأهلها في الدار, ويقول الترابي إن المقصود بالدار ليس المسكن, بل هي المنطقة التي يصلها نداء الصلاة.
كما أثارت فتواه بجواز زواج المسلمة من الكتابي جدلاً كبيراً, وكان سند الترابي أنه لا يرى آية ” ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن” تنطبق على أهل الكتاب, وهو رأي خالفه فيه معظم الأئمة والفقهاء في العالم الإسلامي, ورأوا أن فيه خطأ في الاستدلال ومخالفة للفهم المتعارف عليه بين أهل العلم والاجتهاد.
ومن الفتاوى التي أثارت الجدل حول الترابي كذلك , قوله إن شهادة المرأة تعادل شهادة الرجل مفسراً الآية التي نصت على ذلك بأنها جاءت في سياق أعم يظهر أن الأمر من قبيل الاجتهاد وعلل تنصيف الشهادة بأنه “حكم معلل بظرف الزمان والمكان في عصر النبوة, يوم كانت المرأة عديمة الخبرة في عالم السياسة والتجارة والمال, كما دافع الترابي عن حقوق المرأة بإقراره بحقها في التعليم والخروج للعمل وتولي المناصب القيادية كما كان ضد ظاهرة ختان الإناث المنتشرة في السودان, مما عرضه لهجوم شديد من التيارات المحافظة.
ويرى مؤيدو الترابي أنه رد الاعتبار للعقل ولم يرتهن للنقل من التراث الديني وتعامل مع القرآن باعتباره المصدر الأعلى والأسمى للتشريع ولكنهم يرون أن آراء وأفكار الترابي تحتاج فيمن يدرسها أن يكون متمكناً ومتمرساً من ناصية اللغة العربية والمفاهيم الفلسفية والأصولية حتى يستوعب كتاباته بعمق, بينما يعيب عليه معارضوه أنه لم ينتج أفكاراً متسقة لها منظومة فكرية واحدة, بل هي آراء فقهية مشتطة تخالف إجماع الأمة وما جاءت به كتب الفقه وأصول الاجتهاد.

إلى الأعلى