الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / مجتمع الوعي

مجتمع الوعي

**
ينطلق تناولنا لهذا الموضوع، من الرصيد النوعي الذي أوجده الأخدود الجوي المائي” الهمايل” الذي تعرضت له السلطنة في الأسبوع الماضي، وجملة القناعات والثقافات وسلوك الالتزام التي أوجدتها ممارسات المجتمع أفراده ومؤسساته، في التعاطي مع الحالة الجوية، والمسارات واضحة في التعامل مع طبيعة السلوك أو المواقف الناشئة في أدق المراحل وأرقى الممارسات التي أبرزت حالة متوازنة من السلوك في التعامل مع كل المعطيات الحياتية والمتغيرات التي يعيشها المجتمع، سواء في قناعاته وطبيعة الأفكار المتداولة وموقفه من التعليمات والتوجهات وعمليات التثقيف والتوعية التي تؤديها المؤسسات المختصة، ومستوى التنوع والاستدامة فيها ووضوح الاجراءات بشأنها، ومنظومة القيم التي تعمل على تأصيلها في سلوك المخاطبين.، وهو يرصد اليوم حالة متجددة من الوعي المجتمعي، تتكامل فيه جهود الجميع وتتضح خلاله مسارات العمل، وتنشط فيه قيم الشفافية والوضوح في نقل الواقع المعايش كما هو بكل تجلياته وتحدياتها وممارساته، وما تؤديه جهود العاملين في المركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة، في قراءة دقيقة ونوعية مستمرة للحالة الجوية بكل دقة ومهنية عالية، وما يتعلق ببرامج التوعية والتثقيف المستمر عبر البيانات التي يرصدها المركز بصورة دورية في تتبع الحالة الجوية ونشرها عبر منابر الاعلام المختلفة التي أفردت لها برامجها المباشرة في رصد الحالة في أدق صورها في مختلف المحافظات والولايات وعبر التواصل المباشر مع المتابعين للحدث من مراسلين ومواطنين والمختصين بشرطة عمان السلطانية، وتتفاعل في ظله قيمة المعرفة الدقيقة والمعلومات الصحيحة من مصادرها الأصلية التي أثبتت رغبة الجميع في انتظار أي قادم عن الحالة من الجهات المختصة، ليتم تداول ما تقره هذه الجهات وما تعتمده عبر بياناتها المتتالية، وما يؤكده المختصون فيها عبر مواقعهم الشخصية أو مواقع الجهات المختصة بالدولة، ويعكس روح التناغم والتكامل بين المؤسسات في التعامل مع عمليات الحدث الحاصل ووضع خطط التنفيذ وعمليات الاخلاء والاسعاف والتعامل مع حالات الاحتجاز، فقد عكست جهود الهيئة لعامة للدفاع المدني، وشرطة عمان السلطانية، وقوات السلطان المسلحة،جاهزيتها في التعاطي مع متطلبات الحدث بكل مهنية وكفاءة. على أن مسألة التكامل المؤسسي شملت أيضا مشاركة جهات الرصد المائي وكفاءة السدود بأنواعها المختلفة والمعاينات التي تمت لها قبل بدء الحالة الجوية، وما قدمته جهود وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه في هذا الجانب، أو ما تقدمه وزارة النقل والاتصالات بشأن الحديث عن كفاءة الجسور، فإن حاضنات الفكر والمعرفة والتعليم وما مثلته المدارس من مراكز للإيواء في بعض المحافظات أو الولايات المتضررة يعّبر عن تحولات نوعية في مفهوم الشراكة من أجل الإنسان ويعمّق روح المسؤولية الوطنية، ونتج عن هذا التناغم الحاصل بين المؤسسات عمقا في سلوك التواصل الاجتماعي في بناء مناخات اجتماعية تقوي فيها قيمه التناصح المجتمعي والتوجيه المستمر والأخذ بيد الآخر. ولقد أعطى هذا التكامل المتعدد المسارات ملامح إيجابية مساندة لمفهوم مجتمع الوعي، وتعميق روح التواصل المؤسسي وتجسيد لإنسانية الإنسان التي أعطت إنسان هذا الوطن استحقاقاته من خلال شراكة الجميع لحمايته والمحافظة عليه. وتعزيز روح المبادرة من أجله.
لقد شكل مجتمع الوعي اليوم ملامح راقية في سلوك الاستجابة للطوارئ والتنبيه للمخاطر، ومع أن المسألة لم تخلو من حوادث مميته وصل عددها حسب تقديرات شرطة عمان السلطانية إلى ( 10) أشخاص”، إلاأنه وبحجم كثافة الامطار وتساقط حبات البرد والرياح النشطة المصاحبة للحالة الجوية،فإن التعامل معها من قبل المواطن يعكس رغبة جادة في تغيير الممارسة وتعديل السلوك والاستفادة من الحالات السابقة كدروس أصبح لها حضورها في سلوك المواطن، وثقافة بدأت تتأصل في المجتمع لتعميق المسؤولية الشخصية في التعامل مع حالات الطوارئ، فإن هذا التحول الناتج في مسارات الوعي،عزز من التواصل المباشر من المواطن والمقيم مع الجهات الأمنية بالدولة، والذي يظهر في عدد البلاغات التي رصدتها الهيئة العامة للدفاع المدني والاسعاف وشرطة عمان السلطانية، إن مجتمع الوعي بذلك يشكل قيمة وطنية واخلاقية وإنسانية تبرز مستويات عليا من الشعور بالمسؤولية نحو النفس والمحافظة عليها وحمايتها وعدم تعريضها للمخاطر. ويعكس مسارات راقية في بناء الأوطان وحكمة التعامل مع المواقف، والاستجابة النوعية التي تعطي مؤشرات للعمل الجاد من أجل الوطن والإنسان.
وعود على بدء فإن الحديث عن مجتمع الوعي يرصد لنا اليوم الحاجة إلى الوقوف على محطات الابداع والابتكار في طريقة تناول أبناء عمان وبناتها للحالة الجوية، وتوثيقها لتكون مواقف وذكريات للأيام القادمة ومواقفهم المشرفة التي تعكس مستويات عليا من النضج الفكري، في دقة إبرازها للممارسات الأفضل التي تعكس جوانب التضحية، والجهود التي يقدمها أبناء عمان في عمليات الانقاذ، والاخلاء والاسعاف، والتعاون ومساندة أصحاب الحالات الطارئة والمحتجزين في بطون الأودية، ووجد أبناء عمان في مثل هذه المواقف فرصتهم لتقديم الأفضل، ورصد ملامحجميلة راقية ومشاهدات للطبيعة العمانية الساحرة. وقد وجدت شبكات التواصل الاجتماعي والتقنيات الذكية فرصتها في رصد هذا الإبداع وسبر أغواره، والدخول في أعماقه ونقل صورة مكبرة للمشهد اليومي الناتج، وهو بذلك يعكس حالة راقية في تعامل المواهب والقدرات والاستعدادات والابداعات الشبابية العمانيةالخلاقة سواء عبر التصوير الرقمي أو التصوير العادي أو قنوات اليوتيوب أو المواقع الالكترونية التي تتداول بعضا من هذه الصور.إنّ مجتمع الوعي يعكس في ملامحه مناخات الابتكار والتكامل والشراكة والمبادرة المجيدة والاستفادة من التقنية والجاهزية المؤسسية والروح الوثابة لتدارك الخطر. وهي في مجملها موجهات رسمها أبناء عمان في تعاملهم مع ” غيث الهمايل” بكل عفوية وهدوء وجاهزية في آن واحد.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى