الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / القهوة العربية من عناصر التراث الثقافي غير المادي “4″

القهوة العربية من عناصر التراث الثقافي غير المادي “4″

سنواصل في هذه الدراسة التعرف على القهوة العربية كمفردة من مفردات التراث الثقافي العربي غير المادي، وسنستكمل ما بدأناه في الدراسة السابقة حول الآداب الاجتماعية التي تصاحب تقديم وشرب القهوة العربية، وذلك من خلال طريقة صناعة وتحضير القهوة العربية والتعرف على مختلف الأدوات التي يستعملها العربي عند صناعته للقهوة. ومن الأمور التي كان ولا يزال يتفاخر بها الإنسان العربي المهارة في صنع وإعداد القهوة لاعتقاده أن طعم القهوة جيدة الصنع يزيل آثار التعب والتوتر، ويظهر لنا هذا المعتقد بصورة واضحة في مجتمعات حياة البادية، ولذلك نسمع الشاعر البدوي يخاطب ساقي القهوة قائلا:”قم سو فنجان، ترى الراس مندوش”.(1) أي أنه يطلب فنجانا من القهوة لإزالة تشويش الفكر الذي اعتراه. ومع هذا يوجد اختلاف في طريقة صنع القهوة من عشيرة (قبيلة) إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، ومن المعروف أن هناك أشخاصا يتفننون في صنع القهوة ليصبح طعمها لذيذا، وقد يعرف البدوي صانع القهوة من طعمها إذا سبق له وشرب من قهوته.(2)

طريقة صنع القهوة
وفي لقائنا الذي اجريناه مع الأخ أحمد بن محمد الحجري من ولاية بدية بمحافظة شمال الشرقية، رئيس المجموعة المشاركة في صناعة القهوة في القرية التراثية المقامة في حديقة العامرات العامة المصاحبة لمهرجان مسقط لعام 2014م – (3) شرح لنا باستفاضة حول طريقة صنع القهوة في البادية العمانية، والتي لا تختلف كثيرا عن صناعتها في بقية البوادي العربية، حيث حدد لنا بدقة خطوات إعداد القهوة والتي جاءت على النحو التالية:
أ) الوقت المناسب
كانت العادة أن تصنع القهوة في الصباح الباكر قبل البدء بالأعمال العادية، (كرعاية وحلب الإبل والأغنام أو الذهاب للاحتطاب أو غيرها من الأعمال اليومية)، حيث يبدأ صانع القهوة بإشعال النار بالموقد الذي يتوسط عادة المضافة، (هو عبارة عن حفرة صغيرة تتوسط المضافة) ثم يضع الحطب فيقوم بإشعال النار، ويفضلون عادة من أنواع الحطب من شجر الشيح والغضاء لرئحتهما الطيبة عند اشعال النار، ولتوافرهما بكثرة في البادية أكثر من أي نبات أو أشجار أخرى.
ب)عملية تحميص البن
بعد ذلك توضع حبوب البن في المحماسة الموضوعة على النار، ثم يباشر صانع القهوة بتحميص حبوب البن وتحريكها وتقليبها.
وهناك قواعد وأصول متبعة لتحميص حبوب البن منها:
1- أن تكون حبوب البن جافة، لم تتعرض للرطوبة والبلل من قبل.
2- يجب التأكد من عدم وجود شوائب عالقة في البن.
3- لا يجوز أن تلمس حبات البن أثناء التحميص لأن ذلك يفسد طعمها.
ويؤكد الحجري أنه من المستحسن أن تحمص حبوب البن على نار هادئة، حتى يميل لونها إلى اللون الأشقر المائل إلى السواد، كما لا يجوز أن تطول مدة التحميص حتى لا تتفحم ويسود لونها، لأن ذلك يؤثر في نكهتها، ويجعل مذاقها غير مستساغ.
ج) طريقة سحق البن
وبعد عملية التحميص توضع الحبوب في النجر لتسحق، ويوضع هذا المسحوق في الدلة المركونة على النار، والتي فيها الماء المغلي، ويضاف إلى القهوة (احيانا) قليل من الهيل المطحون أو الزعفران وغيرها من المعطرات لتحسين طعمها.
كما يلفت الحجري انتباهنا إلى أنه لا يجوز النفخ مباشرة على القهوة أثناء الغليان حفاظا على نظافتها وسلامتها. وبعد أن يتأكد القائم على صنع القهوة من جهوزيتها تماماً، يتم تصفيتها من الشوائب العالقة ثم يقوم بسكبها في الدلة المخصصة لذلك، وتكون القهوة عندئذ صالحة للشرب.

عيوب القهوة
ومن العيوب العامة (التي حددها البدو) في القهوة والتي يذكر لنا الحجري منها ما يلي:
1- القهوة الدافئة: وهي الباردة، ويحدث ذلك عند إبعاد القهوة عن النار لمدة من الزمن، وفي تلك الحالة يقول شاربها لساقيها: “قهوتك طالبة النار” ففي ذلك لباقة من الإنسان العربي بدل أن يقول “قهوتك باردة”.
2- القهوة الشايشة: ويحدث هذا العيب في القهوة إذا سارع المقهوي إلى صب القهوة أثناء غليانها على النار فتنزل حبات البن المطحونة في الفنجان، ولتلافي ذلك العيب يكون بترك القهوة فترة بسيطة بعد الغليان لكي تستقر.
3- القهوة المسربة: وهي القهوة التي في قاع الدالة، ويدل ذلك على قرب انتهاء القهوة، ومن واجب المقهوي أن يجدد القهوة قبل أن تصبح مسربة.

مواد صنع القهوة
إن من أهم المواد المستعملة في صنع القهوة والتي يعددها لنا الحجري هي:
1) البن
هو حبوب القهوة ولا يستعمل منها إلا أجود الأنواع، وقد جرت العادة أن يستعمل البدو القهوة العدنية المجلوبة من اليمن ثم السيلانية الممتازة، ثم تأتي بقية الاصناف الأخرى.
وحول طريقة جمع وحصاد حبات البن يذكر لنا الباحث أحمد العبادي حيث فيقول: “وغالبا ما تجمع حبات البن قبل تمام نضجها، وتعرض للشمس فوق أرض مستوية لتجف ويسود لونها، ثم تفصل عنها القشرة بهرسها بواسطة الرحى، فإذا ما انفصلت القشرة عن اللب، ذريت في الهواء الطلق، ثم يتم عزل حب البن عن القشرة، أما ما يترك قائما على أصوله حتى يتم نضجه فإنه يقشر باليد، ويترك حتى يجف. (4)
2) الهيل
وبالعودة إلى أحمد الحجري يواصل شرحه لنا حول كيفية إعداد وتحضير القهوة بحيث تؤخذ كمية بسيطة من حبوب الهيل ثم تدق بواسطة النجر لتضاف إلى القهوة وهي تغلي على النار، وبعضهم يضيف إلى القهوة بالاضافة إلى الهيل معطرات أخرى مثل جوزة الطيب، والزعفران، وعود الند وغيرها، فتفوح تلك الروائح أثناء إعداد القهوة لتعطر الجو برائحتها الطيبة، وكأنها تدعو محبي القهوة إلى طلب ارتشافها والتمتع بشربها.

أدوات صنع القهوة
1- المِحْمَاسة
وهي اداة تصنع من الحديد أو النحاس، طولها في حدود المتر، لها جزء مقعر على شكل دائري، وتوضع بها حبات البن ليجري تحميصها على النار، وتتبع لها يد تسمى ” يد المحماسة” بطولها تقريبا وهي ذات رأس على هيئة هلال، عليها نقوش وأشكال جميلة، وهي تربط مع المحماسة بواسطة سلسلة حديدية، وتستعمل يد المحماسة لتقليب حبات البن أثناء تحميصها كي لا تحترق ( 5 )
يقول الشاعر ناصر بتال الروقي:
ومحماسة منقوشة بالرقومي
لها من البن اليماني تنقيت
2- القَلاَّية
وهي مقلى تْحَمَّس فيه القهوة في حالة عدم وجود محماسة ثقيلة كالتي ذُكرت أعلاه، ونظراً لخفة القلاّية وسهولة نقلها وتحريكها فقد انتشرت أكثر من المحماسة وأصبحت متداولة أكثر من سابقتها.
3- النجر
وهو كتلة مجوفة من الخشب، وتستعمل في طحن حبوب البن المحمصة بدقها بواسطة المهباج، وهو عصا غليظة بطول الذراع تقريبا، وقد أتقن صنعها وزخرفتها، وبها تدق حبوب البن(6) وعندما توافر في الاسواق “الهاون”المصنوع من النحاس أطلق عليه “نجرا” مجازا، ويلازم النجر النحاسي قطعة على شكل قضيب تدعى “يد النجر” والبعض يسميها ” المدقة” أو “الهوند” أو “المهباش” وكلاهما مصنوع من النحاس. (7 )
وفي بعض المناطق من عمان يطلق عليه اسم “السْفَنّ” وللنجر أهمية بالغة حيث إنه يعتبر سيد أدوات صنع القهوة، فهو إلى جانب استخدامه لدق حبات البن، إذ يعتبر دق النجر فناً قائماً بحد ذاته وله اصوله ويستخدم صوته مناديا وداعيا للمجيء والمشاركة في شرب القهوة، ودق القهوة ينبغي أن يكون على إيقاع موسيقي يشنف الآذان ويطرب الناس لسماعه، وقد تختلف دقات النجر من شخص إلى آخر وهو فن قليلاً من يتقنه، وهم المختصون بدق القهوة وتجهيزها، ويتم تعليمها للصغار لتتوارثها الأجيال القادمة.
وبعض أبناء البادية يقسمون دق النجر إلى ثلاثة أنواع وهي كتالي:
- التثليثة: وهو ثلاث دقات في كل مرة مرتين ثقيلة في وسط النجر، ومرة خفيفة في طرف النجر.
- التربيعة: وهو أربع دقات في كل مرة ثلاث ثقيلة في وسط النجر ومرة خفيفة في طرف النجر.
- التخميسة: وهو خمس دقات في كل مرة أربع ثقيلة وسط النجر ومرة خفيفة في طرف النجر.
4- المعاميل
وهي مجموع الأواني التي تصنع فيها القهوة، وهذا هو الاسم الذي يطلقه عليها عربان جزيرة العرب وأهل نجد وبعض أبناء دول الخليج، بينما في بعض الدول العربية الأخرى ومنها في عمان بحيث يطلقون عليها اسم (الدلال)(8 ) وتتكون الدلال التي تعمل بها القهوة من ثلاث دلال على الاقل ذات احجام مختلفة.
الأولى: وهي أكبرها وتسمى “الخمرة” وهي التي تطبخ فيها القهوة، ثم تبعد عن النار فترة وجيزة كي يهدأ الغليان وتركد.
الثانية: ثم تصب في الدلة الصغيرة وتسمى “المصفاة” وهي التي يطبخ فيها البهار والهيل أو القرنفل، ويطلق عليها “قهوة بكر”.
الثالثة: أما الدلة الثالثة، وهي متوسطة الحجم فهي التي تكون فيها بقية من قهوة سابقة، يضاف إليها قليل من قهوة جديدة وتطبخ ويطلق عليها “ثنوة”.
5- الفناجين
وقد كانت في البداية تصنع من الفخار، ثم أصبحت تصنع من الخزف الصيني الأبيض والمنقوش والملون، وقد يزين جدارها الخارجي بنقوش جميلة، ويجب الا يقل عددها عن ثلاثة، ويكون بجانبها وعاء ماء ليجري تنظيفها بين الحين والآخر (9) ويقول في ذلك الشاعر مشعان بن هذال:
قم صب فنجان ترى الراس منداش
لعيون من قرنه على المتن موجود
بدالة مربوبة كنها الشاش
وبهارها مقدار خمسة عشر عود
لذات بالدنيا معاميل وفراش
وصينية يدرج عليها العبد مسعود(10)
6- المحفظة
وهي الكيس الذي تحفظ به حبات البن النيئة (11)، وتصنع من الجلد وتزين بالنقوش، وهي ذات مخبأين، مخبأ توضع فيه حبوب البن، والآخر لحبيبات الهيل، ويلف على شكل اسطواني، ثم يربط بخيط مثبت بنفس الكيس، يصاحب المتذوقين للقهوة عند سفرهم أو التسيار على أحد الأصدقاء وإخراجه عند اللزوم (12)
7- المبرد
بتشديد الراء، وهي أداة خشبية مستطيلة تزينها بعض الزخارف والنقوش، تسكب فيها حبات البن عند تحميصها كي تبرد تمهيدا لسحقها في النجر (13)
8- الملقاط
هو ملقط معدني يستعمل لتحريك النار في الموقد، ولنقل الجمرات وتقريبها من المعاميل لتظل القهوة ساخنة وطازجة.
9- اللطوة
وهي قطعة قماش صغيرة تلف على مقبض يد المحماس لتقي اليد من حرارته، بسبب وجود الدائم في النار أو على طرفها، ويكون المقبض ساخناً لا تتحمله اليد، فتأتي اللطوة لتكون وقاء لليد من الحرارة، وهناك من يسميها “لقوة” لأنه يلقى بها حرارة المقبض فلا تصيب يده.
ومن الأدوات الأخرى المستعملة في صنع القهوة: والمنجرة، والمنفاخ، والليفة، والشت، والبيز وغيرها..
ومن الأمور التي كان ولا يزال يتفاخر بها البدوي خاصة والعربي بشكل عام، المهارة في صنع وإعداد القهوة لاعتقاده أن طعم القهوة جيدة الصنع يزيل آثار التعب والتوتر، ولذلك نسمع الشاعر البدوي يخاطب ساقي القهوة قائلا:”قم سو فنجان، ترى الراس مندوش” أي أنه يطلب فنجانا من القهوة لإزالة تشويش الفكر الذي اعتراه.(14) وتختلف طريقة صنع القهوة من عشيرة (قبيلة) إلى أخرى، ومن المعروف أن هناك أشخاصا يتفننون في صنع القهوة ليصبح طعمها لذيذا، وقد يعرف البدوي صانع القهوة من طعمها إذا سبق له وشرب من قهوته.(15)

الهوامش والمراجع:
1- ياسين صويلح، مجلة المأثورات الشعبية، العدد71،أبريل 2004،ص 18
2- أحمد عويدي العبادي، المناسبات عند العشائر الأردنية عمان، دار البشير، الطبعة الثانية 1989، ص18
3- لقاء مع أحمد بن محمود الحجري من ولاية بدية بمحافظة جنوب الشرقية ـ رئيس المجموعة المشاركة في صناعة القهوة في القرية التراثية المقامة في حديقة العامرات العامة المصاحبة لمهرجان مسقط لعام 2014م، بتاريخ 8 فبراير 2014م.
4- أحمد عويدي العبادي، المصدر السابق، ص218
5- أحمد عويدي العبادي، المصدر السابق، ص218
6- وسمى النجر من النجارة وكانوا يتخذونه من أخشاب البلوط أو البطم اليابس والذي لا يتشقق مع الزمن، وقد تحفر عليه من الخارج أشكال هندسية وزخرفية.
7- عبدالله بن عبد العزيز الضويحي، القهوة في جزيرة العرب، مجلة الجزيرة، العدد 4، نوفمبر 1997، ص 30.
8- “والتسمية جاءت من الدل أي الصب، فيقال صب الماء والشراب”.
9- عبدالله بن عبد العزيز الضويحي، مصدر سابق، ص29.
10- ياسين صويلح، مصدر سابق،ص 23.
11- ” وحين يشتري البدوي حب القهوة فإنه يبادر إلى خزنها في المحفظة، وتعلق المحفظة في منتصف الواسط بالشق أو في الضيافة، دليلا على استعداد صاحب المضافة لصنع القهوة في أي وقت، وأحب الهدايا الى قلب البدوي أن تحمل إليه مقدارا من البن”.
12- أحمد بن محار الظفيري، مصدر سابق، ص15
13- أحمد بن محار الظفيري، مصدر سابق، ص16
14- ياسين صويلح، مجلة المأثورات الشعبية، العدد71،أبريل 2004،ص 18
15- أحمد عويدي العبادي، المناسبات عند العشائر الأردنية عمان، دار البشير، الطبعة الثانية 1989،ص 18

فهد بن محمود الرحبي

إلى الأعلى