الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : مفاجأة بوتين بسحب قواته من سوريا .. لماذا؟

شراع : مفاجأة بوتين بسحب قواته من سوريا .. لماذا؟

خميس التوبي

المفاجأة التي فجرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب القوة الرئيسية من سوريا لاتزال تثير الكثير من التحليلات وسط ذهول وتصريحات تبتعد عن منطق السياسة، وتصب في خانة التمنيات والعفن الفكري والطائفي الذي صاحب المؤامرة على سوريا منذ تفجيرها ولايزال، وذلك لعدم ظهور إرهاصات أو سابق إنذار بهذا القرار المفاجئ. إلا أن هناك الكثير من الغموض يحيط بطبيعة وحجم القوات التي ستسحب من سوريا، والاتفاق المعلن بين الرئيس بوتين ونظيره السوري بشار الأسد يتحدث عن خفض القوات الجوية.
ومن ينظر إلى كينونة القرار وظروف صدوره وتوقيته يجد صعوبة في التحليل والوصول إلى كنهه وصيرورته، لا سيما أنه يأتي والحرب على الإرهاب داخل سوريا لاتزال في أوجها، والداعمون للتنظيمات الإرهابية مستمرون في عملية الدعم بالمال والسلاح والمعلومات، وربما بقوات نظامية مندسة في صفوف هذه التنظيمات الإرهابية، غير أن القرار عند وضعه في سياقه الطبيعي يمكن أن نلمح من ورائه عدة أسباب من بينها:
أولًا: إن قرار سحب القوة الرئيسية جاء أثناء انطلاق جلسات محادثات مؤتمر جنيف الثالث، ولطالما كان الحل السياسي مطلبًا روسيًّا وسوريًّا لتجنيب الشعب السوري ويلات الحرب والدمار والخراب، فإنه بحاجة إلى شيء من التضحيات والتنازلات وتعبيد طرقه بالنيات الحسنة والثقة، وأن قرار التدخل العسكري الروسي الذي جاء بطلب رسمي من قبل الحكومة السورية الشرعية، لم يكن رغبة روسية لاستعراض القوة العسكرية والهيبة الروسية، وإنما كان خيارًا فرضه الرافضون للحل السياسي والمتبنون للإرهاب والداعمون له والمراهنون عليه.
ثانيًا: إن القرار جاء عقب جملة مواقف صريحة وتصريحات جريئة للرئيس الأميركي باراك أوباما حول دور دول عربية وإقليمية في تأزيم الأوضاع في المنطقة، فأراد الرئيس بوتين أن يقابل ذلك بعربون بسحب القوة الرئيسية من سوريا، وربما هذا يعكس أن هناك اتفاقًا بين موسكو وواشنطن على شكل خطوة أميركية تقابلها خطوة روسية لصالح تهيئة الأرضية المشتركة بينهما تمهيدًا للحل السياسي.
ثالثًا: لطالما كان التدخل العسكري الروسي إحدى الذرائع التي تتذرع بها الأطراف الداعمة للإرهاب والتنظيمات الإرهابية لعرقلتها الحل السياسي، فإن بوتين وفي غمرة محادثات مؤتمر جنيف الثالث أراد أن يسقط هذه الذرائع ويرمي بالكرة في ملعب الخصوم الداعمين للإرهاب، وبالتالي إحراجهم، ليتبين ما إذا كانوا صادقين أم على عهدهم القديم وغيهم الأثيم. وترحيب ما يسمى “المعارضات” أمس الأول بإعلان روسيا أنها ستبدأ سحب قواتها من سوريا، وأن الانسحاب الجاد سيضغط على السلطات السورية، ويعطي محادثات السلام قوة دفع إيجابية، هو بمثابة محك حقيقي لاختبار نياتها (المعارضات) وصدق توجهها، إما بإثبات جديتها في المحادثات الجارية والتخلي عن أساليب اللف والدوران والتحريض والتشويه والمماطلة، وإما بتخريب وقف الأعمال العدائية وإفشال الاتفاق والمحادثات. كما أن قرار سحب القوات أرادت به موسكو إنهاء الفيتو التركي على مشاركة الأكراد في محادثات جنيف، وهو فيتو لولا تأييد واشنطن لما كانت له قيمة.
رابعًا: صحيح أن قرار الرئيس الروسي المفاجئ بسحب القوات الرئيسية من سوريا يأتي في إطار خفض فائض القوة بعد النجاح في تطهير الكثير من المدن وقرى الأرياف من دنس الإرهاب، وتثبيت تمركز الجيش العربي السوري الذي هو قادر على إنجاز المهمة بالقضاء على ما تبقى من بؤر الإرهاب، غير أن قرار السحب يذكرنا بالظروف التي سبقت قرار التدخل الذي جاء إثر تقديم روسيا وسوريا التنازلات، وإثر المحاولات الروسية الدؤوبة لتقريب المسافات ووجهات النظر بين الأفرقاء، بدءًا من تسليم الترسانة الكيميائية السورية، مرورًا بمؤتمرات جنيف فلقاءات موسكو التي كانت كالحرث في الماء جراء حالة الرفض المطلق للحل السياسي من قبل الأطراف الأصيلة والوكيلة المتآمرة والأدوات والتنظيمات الإرهابية. فعند كل جهد يبذل للحل السياسي كان يقابله المتآمرون والداعمون للإرهاب بتصعيد إرهابي، في رسالة شديدة الوضوح على أن خيارهم هو الإرهاب والدمار والخراب والقتل وتهجير المدنيين وليس الحل السياسي. واليوم تعيد موسكو الكرَّة لإعطاء محادثات جنيف قوة دفع جديدة وإظهار حسن النيات وإبداء الثقة.
وفي ظل استشراء حالة العداء والتكالب على سوريا من قبل أطراف معروفة وإصرارها على تدمير هذا القطر العربي، من الوارد أن تتحول هذه التنازلات الجديدة إلى إغراءات بتدخل بري لمريديه فتصير فخًّا فيما بعد يسمح بإلحاق ضربة مؤلمة لهم، أو تدفعهم لمواصلة دعم الإرهاب وتخريب الجهود القائمة، ما يعطي لروسيا حق التدخل وبقدر أكبر عن ذي قبل.
خامسًا: إن القرار هو في صيغة رسالة سياسية لتأكيد جملة المواقف الصادرة عن موسكو بأن وضع الرئاسة السورية هو شأن سوري بحت ولا يحق لأحد التدخل فيه، وأن الدولة السورية بشخص رئيسها ومؤسساتها وبجيشها وشعبها لها سيادتها واستقلال القرار فيها، بدليل أن التدخل العسكري الروسي جاء بناء على طلب من الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس بشار الأسد، وقرار سحب القوة الروسية الرئيسية من سوريا جاء أيضًا بعد قرارواتفاق سوري رسمي.
إزاء ذلك، تبقى الخشية من تحركات كيان الاحتلال الصهيوني الساعي إلى تدمير سوريا أو على الأقل إضعافها وتحويلها مرتعًا دائمًا للإرهاب، ما إذا كان سيلزم الهدوء أم سيستغل الوضع الجديد بتفجير حرب ضد حزب الله ويجر الجميع إلى أتون حرب جديدة في المنطقة؟

إلى الأعلى