الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إن اللهَ فَعَّالٌ لما يُريد

إن اللهَ فَعَّالٌ لما يُريد

علي عقلة عرسان

” انتبه جيداً أنت، أنت الإنسان.. فأرض الله لم تعد واسعة، وهناك من يدَّعي أنها لم تعد أرض الله، بل أرضُهُ هو.. ويريد أن يُضاهِئَ فيها عظمةَ الله، سبحانه، وجلَّ جلالُه،”بتعاظمٍ قَشَّةٍ نحيلة فارغة”، تَصْفَرُّ وتَصْفَر، ويقصمُها نسيم الصَّبا، إن هو مَر.؟!انتبه، فقد أُحيط بك تماماً، وأصبحتَ في العالم -القرية، أصغر من ذرَّة في تربة مُغْبَرَّة، لأصغَر قرية، يمكن أن تتخيَّلَها؟!..”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أرض الله الواسعة التي أورثها خَلْقَه، انتشر البشرُ الناس منذ الأزل، وكانوا يتحركون في حِل وترحال حُرَّيْن مفتوحين على المدى. لم تكن لانتشارهم في أرض الله الواسعة حدود، ولم تُفْرَض عليهم فيها قيود، ولم يكن هناك مَن يُحرِّم على خلقٍ من خلق الله، تجاوز حدٍّ منها إلى حد.. فهم يسيحون فيها حسب ما يشاءون. كان هذا فيما ورثناه من معرفة عن بني البشر، ومن ذِكِر تداولوه، لكي نعلَم ونتعلَّم، ونفيدُ مما نعلم ومما نتعلَّم. كانت قدرة الإنسان، ورغبته، وحاجته، ودواعي عيشه وأمنه، والمحافظة على حياته ونسله، وربما دوافع أخرى مثل نزواته، وحُبه للكشف، والاطلاع، والمعرفة.. هي التي تحدد توجهه، ومكانه المختار، أو ذلك الذي يمليه عليه الاضطرار، هذا إن هو رغب عن الاستقرار في مسقط رأسه، وفي الرحيل إلى أرض أخرى، لدوافع منها ما سبق وذكَرْت.
قبل الحدود، والقيود، والمحْميّات البشرية، والدول، وقوانين الجنسية.. وقَبْل الهُويّات، والبطاقات، والجوازات، وتصاريح المرور.. إلخ، كان الإنسان حراً في التنقل والحركة، وحتى لو قادته تلك الحرية إلى التهلكة، فهو الذي اختار، ويختار، عن رغبة أو عن اضطرار. وقد يسلم أو لا يسلم، مِن غيره من الناس، الذين هم أيضاً أحرار في مكْثهم، وتنقلهم، وتحركاتهم، وخياراتهم. تدفعهم جميعاً، في أرض الله الواسعة، رياحُ رغباتٍ واعتبارات واضطرارات.
ومن يتتبَّعُ أعراف الأفراد والجماعات، ثم القبائل والشعوب، قديماً، يعرف أن “الماء، والكلأ -المرعى”، بالدرجة الأولى، ثم الأمن، هي الدوافع الأقوى، التي كانت تتحكّم بالحِل والتّرحال، وبظروف الاستقرار والتّنقل، وبالعيش في الحَضَر، داخل بيوت الطين والمدَر والحجر، أو في البوادي تحت بيوت من القَشِّ، أو الجِلْد، أو الشَّعْر، أو الوَبَرْ.. والضرورات هي التي كانت تُجْبِرُ على البحث عن مواقع للتوطّن الدائم أو المؤقت، بشيئٍ من أمن وسلام، وتوافر ماءٍ وطعام، لهم ولما يملكون من الإبل، والخيل، والأنعام. ومن المعروف أن المكان الجيد المُمْرِع العَذِيِّ، يُغري بالتّنازع عليه، وعلى ما فيه من خيرات وميزات ومُرَغِّبات.
كان هذا قبل أن تصبح السيطرة، وبسط السلطة عبر التسلّط بالقوة، والرغبة في القهر، وإظهار التفوق بعنْجَهية، وغطرسة، واستهانة بحياة الضعيف والأضعف.. كانت تلك من أكثر دوافع البشر على التنازع والتقاتل والتعادي، وشن الحروب، وإقامة الحصون، والقلاع، والخنادق، للدفاع.. ومن ثم التأسيس لحِمى، ومحْميّات، وحدود، ودويلات مدنٍ، ثم دول، وممالك، وإمبراطوريات، تُخْضِعُ لها آخرين، بالقهر والطغيان، وصار لها مستعمَرات وتبعيّات.. وفي ظلال الطغيان غابت الحرية، وانتشر التعذيب والترهيب والإفقار.. وظهر طرْد السكان المستقرين في أرضهم، كما ظهرت إعادة التوطين، تبعاً لحسابات الساسة، والسياسات، والعصبيات، والتعصب القومي أو الديني، وغير ذلك من مُسببات.. وكثُرَ النزوحُ واللجوءُ، وامتدت المخيّمات، والمعسكرات طولاً وعرضاً، تلك التي يذوب فيها الإنسان، بلا حديد ولا نار، يذوب روحاً وإرادة، وجسداً، ويصبح عالة وعاراً، على الإنسان الشريف الحر القادر، ووصمة في جبين الحرية، والكرامة الإنسان، والأحرار.
بعد عشرات آلاف السنين، لم يتوقف البشر عن التنقل في أرض الله، لكن حسب أنظمة، وقوانين، ووثائق، وتحرِّيات، وموافقات، وإجراءات تقصُر مدتها أو تطول. واليوم أصبح العالم كله قريةً.. ولكن حاراتها، وأزقّتها، وبيوتها، وكل من وما فيها، محكومٌ:بالحكومات، والأجهزة السرّية، والمصالح الحيوية، لمن يملك القوة والمال، ومن بيدهم الأمر والنهي. لم يعد الإنسان حراً في العالم القرية، بكثيرٍ من المعاني، والأبعاد، والمفاهيم، والقياسات.. والمُكْرَه على التنقل في القرية -العالم، من البشر، لأسباب وأسباب وأسباب، اعتماداً على أنه حر، في أرض الله الذي خلقه حراً.. قد يتعرّض، في أرض الله التي كانت واسعة: للمساءلة ، والسجن، والعذاب، والقتل، وربما يلاحق ويحاسَب، على لا شيئ، إذ يكفي الشك والظن والوشاية بتقرير من مكلّفٍ، أو شخصٍ ذي غاية.. أو ربما يُصَنَّف، وفق ما أصبح يُعْرَف بقوانين الإرهاب، أو مكافحة الإرهاب، فيغدو هدَفاً لمن حضر وغاب.
أنت أيها الإنسان، لم تعد اليوم أنت، في أرض الله الواسعة، التي كان الناس فيها شركاءٌ في ثلاث:”الماء، والنار، والكَلأ”.. أنت اليوم لم تعد أنت، بل ما يقرِّره لك آخرون، من بني جلدتك، أو من البشر الآخرين، الآمرين أو المأمورين..؟! لقد كنت في يوم قريبٍ رقماً في عداد رعايا، “مواطني؟!”، دولة، وأصبحت اليوم، في عصر العالم -القرية، ومع تطور علم الجزَيْئات المتناهية الصِّغَر، وعلوم الذَّرة، والفضاء، والهندسة والوراثية، وعلم “النانو “، المبشِّر بتقزيمك أكثر، أو بسحقك أنعَم وأفضل، لتكون عصْريّاً معصوراً.. وفي ظل سياسات، تريدك مخلوقاً في قفصٍ، يتسع لما كان يُسمى شَعباً أو أمة؟!. لقد أصبحت غريباً في دارك، وغريباً، بعيداً أو مبعداً، عن دار أخيك، ابن أمك وأبيك، الذي صارت له دولة غير دولتك، وفُرِضَ عليكما تقسيمٌ بعدَ تقسيم وتقزيم، ليحتل أرضاً من أرضكما، قومٌ من لَمَم الأقوام، وعاهات الأمم، ومصائب الأيام. أو فُصِّلَ تقسيمها تفصيلا، ليُنَصَّب فيها حاكمٌ، شرط أن يجعل شعبه غَنَماً.. دولة، أنتجها خَطٌ حاكِمٌ خطَّه القوي على الورق، فرسمها أرقاً لها ولغيرها من أخواتها الشقيقات، وأصبحت أنت وأخيك في دولتين، جراء خطٍّ نَصِّفُ إرث جدِّك وأبيك، وما ملك أبوك وأخوك، وجَزِّأَ دارك، وغرفة نومك.. بين دولتين، لكلٍ منهما:حدودٌ، وسيادة، وقيادة، وإرادة، وعَلَمٌ، ونشيد، وعيدٌ، وجيشٌ عتيدٌ، ذو بأس شديدٍ على الأقربين؟!ولكل من الدولتين قوانين تحكُم الناس، وقيودٌ إن شاءت قيّدت بها معاصمَ أحرار، وحولتهم، بقهر منها، إلى عبيد.. وأنت، أنت.. في وضعك الذي وُضِعتَ فيه، لا تستطيع، أنت، أنت.. الوصول إلى بيت أخيك، أو جارك، أو حليلتك، أو خليلتكَ التي تؤويك.. لا “زائراً، ولا زاجراً، ولا ثائراً.. ولا.. ولا..”، إلا بإرادة عليا، لا تصنعها أنت، ولا هو، ولا هي.. لأن دولتك. دولته، دولتها.. أقامت كلٌ منها، بأمر من، أو بوحي هو أقوى من الوحي وأرسخ من الإيحاء.. أقامت كلٌ منها، إضافة إلى معابر الحدود المُحْكَمة الأبواب والسدود.. أقامت جدران حماية على طول حدودها، وصنعت خنادق ترابية ومائية، وشدَّت شريطاً شائكاً، قد يكون مُكَهْرَباً، ووضعت قيوداً، ونَصَّبَت حراساً ومحارس، وأَعلَتْ راياتٍ وبنوداً، لا تَخْفُقُ حسب حركة الريَّاح، وإنما حسب أمر الحاكم، الذي يأمر بذلك فيُطاع، أو يُؤمَرُ، بأن يأمُرَ به.. وهو الشديد، الحرص على حُكْمٍ، وعلى سلْطة، ودولة، ولو أدى حرصُه، ما يقوم به من أجل ذلك، إلى إزهاق ما في الدولة من أرواح، لفعل ذلك، فأَراح وارتاح.. فهو يأمر بهذا الفعل أو ذاك، لكي يكون بنظر من يأمرونه، ويَزِنُونَه، ويُزيِّنونَه للناس، ويظهرونَه لهم، ليكون:”أهلاً للحكم القوي، والثقة المطلقة”، وهكذا يظهر قادراً على شَكْمِ الرِّيح إن هي ثارت، فكيف بالحرية والناس إن ثَغَوا واستغاثوا.”؟!.
ولكي يتم ربطُك، وضبطُك، ومراقبتُك، أيها المسكين، ولكي يَسْهُلُ التّعرف على ما في جمجمتك وقلبك، أو لمعرفة مكان وجودك، وإحصاء ما تملك، والوقوف على ما تفعل، وما تشرب، وما تأكل، وما تَعْلِك.. وما.. وما.. إلخ، ولكي تتم ملاحقتك، أيضاً، والتعرف عليك “حياً وميتاً”.. أصبح هناك عشرات الوسائل، والأدوات، والأجهزة، والمُعِدّات.. تمتدُّ بين بصْمَة العَين، بعد أن جرى تحقير بصمة أصابع اليدين، وبين الحمض النووي، وجدائل شبكة الخلايا الجذعية، ذينك اللذين لا يخطئان في تحديد وقراءة كل شئٍ فيك، وعنك، في حاضرك وماضيك.. وربما، تقديم معلومات عمَّن وشْوَشْتهم، من ذكور وإناث، وعمّا أفضيت به إلى أقربهم أو أحبهم إليك، من أفكار، وكلمات، ومشاعر، ونزوات، ورغبات.. قد تكمن في ظلالها الظليلة، بوادرُ تمرّد، أو إشارات إلى ما يمكن أن يكون مؤامرات؟!.. هذا، كله يُعْرَفُ ويُكْشَفُ بمهارة ودقّة فائقتين.. وإذا حاولت مَكراً ما – ومن الطبيعي أنك لا تستطيعه، في ظل هذا العِلم المتراكم، المتعاون، المتعاضد، ليكشف أسرارك وسرائرك – فإن جهاز كشف الكذب موجود، ويتطور.. ويديره، ويراقبه، ويتفحص ما فيه، مهنيون متخصصون مُدرَّبون، وقد يكونون من عُتاة المأمورين، الغيورين:”عليك، وعلى بيتك، ووطنك، ومستقبلك.. و.. و.. أكثر منك بمئات المرات، وأنت لا تدري.”؟!. وهكذا تصبح مكشوفاً تماماً، وعارياً بما هو أكثر، وأبعد، وأعمق، من النُّخاع، والنّقَا في داخل العظام.. ويصبح مكشوفاً معروفاً أيضاً، كلُّ من/ وما يتصل بك، وأيّ شئٍ عنك، مذ كنت نطفة في صُلْب آدم، ومن ثم علَقة في رَحِم حوَّاء.. إلى ما كان منك في صُلب أبيك، ورَحِم أمّك.؟!ولكي يجري اصطيادك، وأنت في أي مكان من أرض بلادك، أو في أرض الله التي كانت عندك واسعة، من قِبَل مَن يَرون ضرورة لاصطيادك..هناك أيضاً أكثر من سبيل، وأداة، ووسيلة، وحِيلة.. ابتداء من التّتبُّع والتنصُّت، والقنص، مع كتمٍ للصوت، وتلفيع للوجه بقناع.. وانتهاء بتوجيه قذيفة إليك، من طائرة بلا طيار، يساعد على تحديد مكان استقرارها في جسمك، هاتفٌ محمولٌ، أو شريحةٌ ذكيةٌ، يضعها معلوم – مجهول، في مكان لا تقيك منه تقيّة.. فتُشلُّك، وتُشويك، وتحذَفك من الوجود.؟!
انتبه جيداً أنت، أنت الإنسان.. فأرض الله لم تعد واسعة، وهناك من يدَّعي أنها لم تعد أرض الله، بل أرضُهُ هو.. ويريد أن يُضاهِئَ فيها عظمةَ الله، سبحانه، وجلَّ جلالُه،”بتعاظمٍ قَشَّةٍ نحيلة فارغة”، تَصْفَرُّ وتَصْفَر، ويقصمُها نسيم الصَّبا، إن هو مَر.؟!انتبه، فقد أُحيط بك تماماً، وأصبحتَ في العالم -القرية، أصغر من ذرَّة في تربة مُغْبَرَّة، لأصغَر قرية، يمكن أن تتخيَّلَها؟!.. أصبحت في قرية: مختارُها، ومخاتيرُ مختارِها، أو مخاتير “حاراتها، وأزقَّتها الضيقة، وزواريبها الموحِلة..”.. يتنازعون عقلَك، وقلبك، وروحك.. ويتنازعون جهدَك، وجِلدَك، ولحمَك، ودمَك، وعظْمَك.. وإذا أنت غَمْغَمْتَ بالاحتجاج والتّظلُّم، أو قرّرت المطالبةَ بفكِّ حبْل طاعتك لهم، ذاك المربوط به عنقُك، ومعدَتُك، وطفلُك، وزوجُك، أو إن أنت أردت أن تتمرّدَ، وتأْبَق من “رحمتهم؟!”، إلى رحمة الله.. فإنهم يمسحونك عن وجه الأرض، بالطول والعرض، في ثانية من وقت. فهم تقاسموا أرض الله، وخَلقَ الله، وسلطتَه على خلقه، ورزقَه لعباده.. وقد أخذوا الدّنيا، وتركوا له “الآخرة”؟!.. وما تركوها إلا لأنهم لم يطالوها، ولو أنهم طالوها، حتى بإيهام الناس وتوهمهم، لما تركوها، ولكانت من بين “السَّلَبِ”؟!.. فلِمخاتير القرية وأشياعِهم، حُكمٌ، ولله سبحانه، بنظرِهم، حُكْم، كما يقولون، ويرسمون، ويفعلون، ويعلنون.. وحكمُهم مُقدَّمٌ، أَمَّا حُكمُه، سبحانه، فمُرْجَأٌ.. وفي الحالَيْن، هم ولاتُه بالقوة، إلى أن يَحين وقتُ اليقين، في يوم الدين.؟!ولسان حالهم، أيها الإنسان الشّقيُّ بهم، يقول:افعل ما شئت، واشك أمرك إلى من شئت، وامكُر مَكْرَكَ، قدرَ استطاعتك على المكْر، وقارب وباعد، واقترب أو ابتعد، فحبْلُنا مجدولٌ، متينٌ، وعنُقك مربوطة إليه بإحكام، وعلى ذلك حارسٌ قويٌ أمين.. فتوهّم أنك حُرٌ، وبعيدٌ، وخارج قبضتنا، إن شئت، فما هذا، وما أنت، سوى وهمٍ على وهم، فنحن لك القَدَر المَقْدور..
لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَـى … لَكَ الطِّـوَلِ المُرْخَى وثَنْيَاهُ بِاليَـدِ
في ظل هذا العَثار، بين مختار ومختار، يبدو أنك، أيها الإنسان الشقيُّ بإنسان، قد سُلِبَ منك كل شئ: سُلِبَ منك قرارُك، وسُلِبَت منك حريتُك ودارُك، ولم يعد لك ما تملك، حتى مصيرُك انتُزِعَ منك، وسُلِبَت منك أرضُ الله الواسعة، حتى لم يعد لك الحق في حُلُم بأُفُقٍ بعيد، يفضى إليه تَرحالٌ مضنٍ، وعَزْمٌ شديد، ويدفع إليه رعبٌ يجعل المَكْبُولَ يحاول تقطيع جنازير الحديد، لينجوَ وما هو بناجٍ. لقد سٌلِبْتَ، وسُلِبَتْ منك حتى غرفةُ نومك الضيقة، فغدوت مكشوفةً تماماً أمام العالم، في القرية “العالم”، الذي أصبح أضيَقَ عليك من سَمِّ الخِيَاط، وسُلِبْت أمرَك في الدنيا، وحُكْمَ الدين عليك فيها.. وغُمَّ عليك بشأن الآخرة، فما تدري ما شأنك فيها، ولا ما قد يكون لك من خيرٍ أو شرٍ هناك، فقد سُرِقت منك حتى البُشْرى.. حتى البشرى، أيها المسكين، أصبحت، هي، والتفاؤل، والأمل، بيد مخاتير القرية – العالم، وفق درجاتهم، ومراتبهم، وقدراتهم، وأقدارهم.. كل هذا أصبح لهم، بعد أن استأثروا بالدنيا وأهلها، وبالشرائع، والتشريعات، والقوانين، وأحكموا قبضتهم على مَن يصنعُها، ويفسّرُها، ويقضي وفق أحكامها.. وعلى مَن يُبرِم تلك الأحكام، ويُنفِّذُها.. واستحوذوا أيضاً على الدين وأهلِه، وأصبحوا يرسمون لك المصير في الدّارَيْن، فجنَّتهم الجنّة، ونارهم النّار.. فإلى أين الفرار وقد أحيط بك تماماً؟ وبمن تُراك تلوذ، مع حفظ بعض ماء الوجه، والكرامة، والحق.. أيِّ حق؟! أو بمن تستعين، على سلالة من نارٍ، وأنت سلالة من طينٍ، وماءٍ مَهين.؟!
لك الله.. لك الله.. أيها الإنسان الشقي بسواه.. الله الذي حُكمه الحُكم، فهو مَنْ يقهر الظلم، ويحوِّل العلم وأدواته وإنجازاته من الشرِّ إلى الخير، بقدرته ورحمته، وهو الذي يعيد إليك أرضه الواسعة، وفطرته السليمة التي فَطَرَك عليها، والحريةَ، تلك التي وُلدتَ في حضنها، مالكاً لها، ولك منها وفيها جناحان قويان هما:”عقل يفكِّرُ ويُدبِّر، وقلبٌ يُبْصِر ويُقَدِّر”، هذا إن هما أبحرا في فُلْكِ الإيمان، وعملا بوحي من الرحمن، وكانت كل دقيقة من الوقت عندهما عملٌ، وأملٌ، وتَعَلّمٌ، ومهارةٌ، وإخلاص في تطبيق المعرفة بمهارة ومنطق وحسن نظر.. جناحان قويان تحلِّق بهما في الفضاء الرحب، فضاء الله الذي لا يحدّه حدٌّ، في البُعد، والعمق، والطول، والعرض، ومنه أفق الأرض. فكم من نفسٍ سجينة وصلت بالعلم والإيمان إلى الحرية والسكينة، وكم من مُقيَّدٍ مُغَلٍّ، وصل بالمعرفة والروح، إلى أكثر من أفق مفتوح.!! لك الله أيها الإنسان الشقيُّ بإنسان، لك الله الذي مَن كان نصيبه من الدنيا رضاه.. فقد فكَّ أسرَه وأسَرَّه، وكفاه.. فمن كان، من خلق الله، ذاك شأنه، فقد ربح بيعُه، ربحَ بيعُه. فلا يقنطَن أحدٌ من رحمة الله.
والله عليم بكل شئٍ، بيده التقدير، وإليه المصير، وهو فَعَّلٌ لما يريد.

إلى الأعلى