الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الأطفال والأجهزة الإلكترونية.. بين التنظير والواقع (2-2)

الأطفال والأجهزة الإلكترونية.. بين التنظير والواقع (2-2)

السيد عبد العليم

“قبل أن يصرخ الأب أو الأم وينزع الجهاز من يد الطفل أو يخفيه عنه، عليه في وقت فراغ الطفل وليس وقت مذاكرته أو وقت إقامة الصلاة أو ما شابه ذلك، عليه أن يوفر له البديل وليس كما نرى كثير من الآباء يمنعه عن اللعب في الجهاز ويتركه بلا أي نشاط أو عمل، فيكون تأثير ذلك أكثر سلبية على الطفل من لعبه في الجهاز.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الواقع يجب أن يتسم التعاطي مع ظاهرة انهماك الأطفال في الأجهزة الالكترونية الحديثة بالتوازن بين متطلباتهم في مثل هذه السن، وبين عدم التأثير السلبي على سلوكهم وأداء واجباتهم المدرسية والقيام بالتزاماتهم الدينية ومهامهم الأسرية.
وذلك بوضع الأمور في نصابها وحجمها وسياقها الطبيعي، بلا إفراط بترك الحبل على الغارب للطفل وبلا تقييد وتعقيد لهم أيضا.
وذلك أن الكثير من الآباء ينظرون إلى الأطفال من منظورهم هم اليوم.
وينسون ما كانوا عليه عندما كانوا في مثل سنهم وما كانوا يفعلونه.
ولو قام الأب بارجاع شريط الذاكرة، لوجد أن أطفال اليوم لم يتمتعوا بما كان هو يتمتع به في ذلك الوقت من حيث الانفتاح والحركة.
وذلك أن كل حياته كانت تقوم على الحركة والمشي والجري من مكان لآخر، سواء للعب أو بذهابه الى المحلات لشراء احتياجات الاسرة الضرورية، حيث كان الطفل يذهب ويرجع عدة مرات ليفرغ بذلك طاقاته.
فمن من الكبار لا يتذكر كم مرة أرسله أهله لشراء مستلزمات ضرورية لغداء او عشاء، وفي طريقه وجد أطفالا في مثل سنه يلعبون، فركن إليهم ليتذكر بعد ـ ربما ساعات ـ ما يحتاجه الأهل على عجل فيهرع لشراء المستلزمات والعودة للمنزل ليجد العقاب سواء بالتعنيف اللفظي او بالضرب.
فضلا عن أنه ربما كان هناك من بين الآباء والأمهات من هو مدمن او شبه مدمن استخدام تلك الأجهزة بشكل يفوق كثيرا استخدام الأطفال الذي يعلن قلقه عليهم وينصحهم بعدم الإفراط في استخدام تلك الأجهزة قبل أن يكون هو نفسه قدوة لهم في ذلك.
ثم إن كثيرا من الأطفال في عالم اليوم يعيشون في مساكن صغيرة وليس كما كان حال الآباء عندما كانوا في سنهم وبالتالي فهم أشبه بالمحبوسين بين أربع جدران أغلب أيام الأسبوع وليس أمامهم أي متنفس سوى مثل تلك الأجهزة والالعاب.
فيجب ان يكون التعاطي معهم بادراك ذلك الواقع الذي يعيشون فيه وليس بالصورة الخيالية والوضع الافتراضي في أذهان الآباء.
فقبل ان يصرخ الأب أو الأم وينزع الجهاز من يد الطفل او يخفيه عنه، عليه في وقت فراغ الطفل وليس وقت مذاكرته او وقت اقامة الصلاة او ما شابه ذلك، عليه أن يوفر له البديل وليس كما نرى كثيرا من الآباء يمنعه عن اللعب في الجهاز ويتركه بلا أي نشاط أو عمل، فيكون تأثير ذلك أكثر سلبية على الطفل من لعبه في الجهاز.
إذ ماذا يفعل بوقته وطاقته وحيويته؟ كما يأتي ذلك الاقبال الكبير من الأطفال على مثل تلك الألعاب في ظل غياب كثير من الآباء والأمهات عنهم لانهماكهم في وظائفهم أو أعمالهم.
ومع ذلك يجب على أولياء الامور معرفة اسم المستخدم وكلمة مرور أبنائهم مع هذه الأجهزة لمراقبة مدى سلامة استخدامهم لها.
وأن يستخدم الطفل تلك الأجهزة في مكان مفتوح وليس في غرف مغلقة حتى يمكن متابعة ومراقبة ما يعمله خشية استخدام تلك الأجهزة في أعمال غير أخلاقية.
كما يمكن استغلال نهم الأبناء لتلك الاجهزة والالعاب كنوع من التحفيز لهم على المذاكرة وحفظأجزاء من القرآن الكريم وغير ذلك.
وذلك بأن يتم وعدهم بتركهم يلعبون لمدة محددة حال ذاكروا دروسهم وادوا واجباتهم وحفظوا القدر المحدد لهم من المصحف الشريف وغير ذلك، مع الوفاء بالوعد.
كما يمكن النظر الى تلك الأجهزة واستخدام الاطفال لها بشكل مغاير وذلك بتحويل ما يراه البعض سلبيات الى ايجابيات: فاستخدام الأطفال لتلك الاجهزة يمثل نوعا من اكتساب مهارات جديدة.
ويمكن توسيع مداركهم من خلال المتابعة وسؤالهم عن كيفية عمل مثل هذا البرنامج او اللعبة وهل وكيف يمكن تطويرها او عمل برامج مماثلة.
ومن ناحية القراءة، يمكن استخدام برامج القراءة الالكترونية من الكتب وغيرها التي تعج بها هذه الاجهزة حيث هناك قصص للأطفال وكتب تعليمية لهم وبرامج لتحفيظ القرآن وتعليم السنة بشكل مبسط وبرامج ترفيهية وتعليمية في نفس الوقت مثل برامج الالغاز وغيرها ـ بل بات يوجد عليها مناهج تعليمية لأغلب سنوات الدراسة.
فضلا عن أن وزارات التربية والتعليم في عدد من البلدان صارت تحمل المناهج على الاجهزة اللوحية (تابليت) للطلبة.
أي أن هذه الأجهزة تعد نعمة والمشكلة هي في عدم معرفة كيفية استغلالها.
فالعيب هنا في الآباء وليس في الجهاز ولا في الطفل.
بل إنه حتى الرياضة صار بالامكان ممارستها عبر هذه الاجهزة من خلال برامج من نقاط لتمارين وحركات رياضية بفوائد كثيرة لدرجة ان البعض يرى فيها مركز رياضي (جيم) في البيت.
هذا في الوقت الذي لا يتوفر فيه ملاعب للأطفال ولا للشباب في كثير من المناطق.
فهناك كثير من الرياضة التي يمكن ممارستها بشكل آمن في البيت عبر تلك الأجهزة ويمكن لأكثر من واحد ممارستها معا أي لعب جماعي حسب احتياجات ومتطلبات كل واحد بما في ذلك ذوي الأمراض المعينة.
وفي كل ذلك لابد من وجود الموجه وهنا يبرز دور الأب والمطلوب هنا عمل احصاء حول كم واحد يلعب مع أبنائه او يدخل معهم في تلك الألعاب ويحاول الاقتراب من مستوى تفكيرهم؟ أما فيما يتعلق بالآثار الصحية السلبية على نظرهم وأكلهم، فربما كانت صحيحة في حالة الافراط في استخدام تلك الأجهزة والوصول الى حالة الإدمان.
لكن من ناحية أخرى، فإننا نرى من يستغلها بشكل ايجابي وذلك أن هناك بعض الأطفال الزاهدين في تناول الطعام من الأساس، فيكون اغراؤهم وتحفيزهم على الأكل من قبل الأهل بمكافأتهم بالسماح لهم باستخدام تلك الاجهزة.
كما أن هناك كثيرين يلتهمون الطعام خلال تعاطيهم مع تلك الاجهزة.
اما من ناحية التأثير على بصرهم، فان ذلك ايضا مرتبط بحالة الادمان لساعات طويلة لأن ذلك يكون له أثره على الجسم كله من حيث وضعية الجلوس غير الصحيحة وما شاكل ذلك.
أما التهويل بأن تلك الأجهزة تؤثر سلبا بشكل كبير على نظر هؤلاء، فربما يذكرنا بالحديث الذي ينتشر عند مواكبة كل تطور تقني يحدث.
فعندما كنا نشاهد التلفاز الابيض والاسود وبدأ يظهر التلفاز الملون، انتشر مثل هذا الكلام بأن تلك الألون سيكون لها تأثير سلبي على العيون والنظر.
وايضا عندما بدأت الهواتف النقالة في الانتشار، شاع الحديث عبر وسائل الاعلام بالتأثير السلبي من ذبذبات وطنين في الأذن بما يمكن ان يؤدي الى الصم.
مع أنه لم يتم اثبات ذلك علميا.
فماذا لو توقفنا عن مواكبة تلك التطورات؟ فأين كنا في عالم اليوم؟ لقد باتت تلك الوسائل من مقتضيات العصر الذي نعيشه شأنها في شأن بقية المستجدات والابتكارات الأخرى التي نتعايش معها.
وهي تمثل نعمة من نعم ربنا سبحانه علينا، لأن هناك الكثير من الأطفال في كثير من البلدان لا تتوفر لهم تلك الوسائل التي فوائدها أكبر بكثير من ضررها، حال وجه الآباء أبناءهم إلى تلك الفوائد وحذروهم من الافراط وسوء استخدامها.

إلى الأعلى