الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة تطور العلوم الفقهية (فقه رؤية العالم والعيش فيه)
قراءة في ندوة تطور العلوم الفقهية (فقه رؤية العالم والعيش فيه)

قراءة في ندوة تطور العلوم الفقهية (فقه رؤية العالم والعيش فيه)

قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني:

جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية “فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة” النسخة الثانية عشر بمباركــة سامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قـابوس بن سعيد المعظم والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بفندق جراند حياة مسقط من الفترة 25ـ28 جمادي الأولى 1434 هجري الموافق 6ـ9 ابريل 2013 ميلادي، وذلك للفْتَ الانتباهِ إلى هذِهِ الظواهرِ في حياةِ أمتِنا وعلاقتِها بالذاتِ والآخرِ، ومَدخلاً لتعليلِ التأمُّلِ في فهمِ التطورِ الفقهيِ ضمنَ المذاهبِ وخارجِها، لأنه صارَ ضامناً للتلاؤمِ في ضوءِ التجرُبةِ؛ تَجربةُ التفكيرِ بالنوازلِ، وتجربةُ العيشِ المستقرِّ والآمِنِ، واستلهامُ فقهِنا الحضاريِ ومقاصدِه في مواجهةِ التأزُّمِ وإزالتِه، وصُنْعُ الجديدِ والمتقدمِ، ومعرفةُ الإمكانياتِ والمآلاتِ في ضوءِ مقاصدِ الشريعةِ وضوابطِها.
وحول ما قدم من اوراق وبحوث كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان “حقوق أهل الكتاب ومفهوم المواطنة من منظور فقهي (الذميون التقليديون)” لأحمد الخمليشي من المغرب. وقد تكلمنا سابقاً عن معالم الاتجاه الفقهي وحدود التطبيق والاحكام المنظمة لوضعية الذمي وغيرها… واليوم نواصل القراءة..

الميثاق العربي لحقوق الإنسان
أخي القارئ الكريم الحديث عن الميثاق العربي لحقوق الإنسان له جوانب كثيرة ومتعدة من حيث التطبيق فماذا قال الباحث في هذا الجانب: لقد اعتمد هذا الميثاق من القمة العربية في 23 مايو 2004 بتونس ولحد الآن صادق عليه حوالي نصف عدد الدول العربية.
ومما جاء فيه مرتبطا بالموضوع:
1 ـ تتعهد كل دولة طرف في هذا الميثاق بأن تكفل لكل شخص خاضع لولايتها حق التمتع بالحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الميثاق من دون تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو المعتقد الديني، أو الفكر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الميلاد، أو الإعاقة البدنية أو العقلية.
2 ـ تتخذ الدول الأطراف في هذا الميثاق التدابير اللازمة لتأمين المساواة الفعلية في التمتع بالحقوق والحريات كافة المنصوص عليها في هذا الميثاق بما يكفل الحماية من جميع أشكال التمييز بأي سبب من الأسباب المبينة في الفقرة السابقة”.

لكل مواطن الحق:
1 ـ حرية الممارسة السياسية.
2 ـ المشاركة في إدارة الشئون العامة إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون بحرية.
3 ـ ترشيح نفسه أو اختيار من يمثله بطريقة حرة ونزيهة وعلى قدم المساواة بين جميع المواطنين بحيث تضمن التعبير الحر عن إرادة المواطن.
4 ـ أن تتاح له على قدم المساواة مع الجميع فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده على أساس تكافؤ الفرص.
5 ـ حرية تكوين الجمعيات مع الآخرين والانضمام إليها.
6 ـ حرية الاجتماع وحرية التجمع بصورة سلمية.
7 ـ لا يجوز تقييد ممارسة هذه الحقوق بأي قيود غير القيود المفروضة طبقا للقانون والتي تقتضيها الضرورة في مجتمع يحترم الحريات وحقوق الإنسان لصيانة الأمن الوطني أو النظام العام أو السلامة العامة أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو لحماية حقوق الغير وحرياتهم”.

ـ لكل شخص الحق في حرية الفكر والعقيدة والدين ولا يجوز فرض أية قيود عليها إلا بما ينص عليه التشريع النافذ.
ـ لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده أو ممارسة شعائره الدينية بمفرده أو مع غيره إلا للقيود التي ينص عليها القانون والتي تكون ضرورية في مجتمع متسامح يحترم الحريات وحقوق الإنسان لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
ـ للآباء أو للأوصياء حرية تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا”.
تتعهد الدول الأطراف بأن تتخذ طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا الميثاق ما يكون ضروريا لإعمال الحقوق المنصوص عليها من تدابير تشريعية أو غير تشريعية”.

إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان
وحول إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام قال الخمليشي: أجازه مجلس وزراء خارجية منظمة مؤتمر العالم الإسلامي بالقاهرة في 5/8/1990.
الإعلان لم يلامس الموضوع مباشرة واكتفى بعبارات قابلة لأكثر من تاويل، مثل ما ورد في:
أ ـ البشر جميعا أسرة واحدة جمعت بينهم العبودية لله والبنوة لآدم وجميع الناس متساوون في أصل الكرامة الانسانية وفي أصل التكليف والمسئولية دون تمييز بينهم بسبب العرق أو اللون أو اللغة أو الجنس أو المعتقد الديني أو الانتماء السياسي.
أو الوضع الاجتماعي أو غير ذلك من الاعتبارات. وان العقيدة الصحيحة هي الضمان لنمو هذه الكرامة على طريق تكامل الإنسان…”.

أ ـ لكل إنسان الحق في أن يعيش آمنا على نفسه ودينه وأهله وعرضه وماله.

3 ـ صكوك صادرة عن الأمم المتحدة:
نكتفي منها بـ:
أ ـ الاعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948):
الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز”.
ب ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966):
1 ـ تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
2 ـ تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة، لا تكفل فعلا إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريا لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية “.

ج ـ إعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد (1981):
1 ـ لا يجوز تعريض أحد للتمييز من قبل أية دولة أو مؤسسة أو مجموعة أشخاص أو شخص على أساس الدين أو غيره من المعتقدات.
2 ـ في مصطلح هذا الإعلان تعني عبارة “التعصب والتمييز القائمان على أساس الدين أو المعتقد” أي ميز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس الدين أو المعتقد ويكون غرضه أو أثره تعطيل أو انتقاص الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على أساس من المساواة”.
الصكان 1 و3 صدرا في شكل إعلان لا يخضعان لإجراءات المصادقة
أما الصك 2 (العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية) فقد صادقت عليه أغلبية الدول الإسلامية.
المقتضيات السابقة جميعها تتفق على منع التمييز بين “المواطنين” بسبب اختلاف العقيدة، وأغلبية الدول الإسلامية ملتزمة بها قانونيا بإعلان مصادقتها على ما يخضع منها لإجراءات المصادقة ويبقى التساؤل عن مدى التطبيق؟ ذلك ما نعرضه في الفقرة الموالية:

التشريعات الداخلية
واقع هذه التشريعات يختلف اختلافا كبيرا تبعا لتباين تركيبة المجتمع العقدية في كل دولة. فمن دول لا وجود فيها ـ رسميا على الأقل ـ للمخالف في العقيدة إلى أخرى متعددة الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية، مرورا بالتي لا يتعدى فيها المخالفون بضعة آلاف إلى عشرات الملايين…
مع هذا الاختلاف نلحظ وجود توافق فيما بينها في كثير من المبادئ الراجعة إلى موضوع الاختلاف العقدي. من ذلك:
ـ عدم وجود مصطلح “أهل الذمة” في تشريعاتها وبالأحرى كلمة “الجزية”.
ـ التأكيد على مبدأ تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات أمام القانون.
ـ قد توجد قوانين “طائفية” لكن ليس بقصد التمييز، أو المساس بحقوق طائفة وتقديم امتيازات لأخرى، وإنما استجابة للوازع الديني لدى كل طائفة فيما تراه من أحكام دينية ينضبط بها سلوكها مثل قانون الأحوال الشخصية وقانون الوقف.
ـ أغلبيتها صادقت على الاتفاقيات الدولية التي تمنع التمييز بسبب الانتماء العقدي.
ـ النص في دساتيرها أو قوانينها الاساسية على مبدأي: المساواة وعدم
التمييز. هذا الواقع المعيش اليوم هل له سند من نصوص الشريعة، أم هو مصادم لها ؟ هذا ما نراه حالا.

الواقع ونصوص الشريعة
ويبن الباحث في بحثه لموضوع الواقع ونصوص الشريعة قائلاً: في الفقه المدون في المراجع المذهبية يمكن القول بوجود اتجاهين أساسيين:
الاتجاه الأول لا يرى مجالا للتعايش السلمي المتكافئ مع المخالف في العقيدة ويرى أن أحكام مثل الآيات التي سنشير إليها في الاتجاه الثاني، منسوخة بسورة براءة التي لم تقرر إلا خيار الإسلام أو الجزية أو القتل لأهل الكتاب، والاسلام أو القتل بالنسبة لغيرهم.
الاتجاه الثاني مع إقراره لأحكام الجزية، يرى معاملة المخالفين في العقيدة بالحسنى استنادا إلى مثل الآيات:
“وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”.
“وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”.
“لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”.
“ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”
يقول القرطبي: هي “محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين وقد قيل: ان من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجى إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة”.
ولكن ما قاله القرطبي وآخرون تصعب مسايرته:
فهو مخالف للواقع الثابت من أقطار إسلامية بكاملها دخلت إلى الإسلام عن طريق الدعوة في آسيا وفي أفريقيا جنوب الصحراء، ومتناقض مع الرأي الذي يقول ان الجهاد الهجومي انتهى وجوبه بفتح مكة.
ـ كما ان الإيمان بالعقيدة الدينية إنما يتحقق ويكون صحيحا عندما يتم طوعا واقتناعا.
أما عندما يتم النطق به تحت ظل السيف فلا أثر له، وهذا ما أكدته الآية:
“قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ”. جاء في القرطبي: “وقال السدى نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح: أعراب مزينة، وجهينة، واسلم، وغفار، والديل، واشجع. قالوا آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم… ولكن قولوا أسلمنا أي استسلمنا خوف القتل والسبي”. فينطق بكلمات الشهادة لا يتعدى ما نطق به حدود لسانه، والإيمان مصدره القوة العاقلة لدى الإنسان المعبر عنها بالقلب، والقلب لا يصدر منه الإيمان إلا بالاقتناع وحرية الاختيار بين النجدين.
ـ كل الرسل أرسلوا مبشرين ومنذرين: ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم.
“إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى؟ تَكْلِيمًا، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا” “وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ”.
وهو ما تكرر وصف النبي به في سورة الأحزاب:”يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا” وفي سورة الفتح “إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا” فضلا عما ورد من ذلك في القرآن المكي.
ونقف أخيرا عند الآية 256 من سورة البقرة التي كانت من أواخر ما نزل من القرآن:
“لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”.
فقد أورد القرطبي في تفسيرها ستة آراء من القول بنسخها بآيات القتال إلى قصرها على بعض الأفراد، أو أهل الكتاب الذين قبلوا أداء الجزية
بينما عارض الطبري النسخ قائلا ان الآية نزلت في الأنصار الذين كانوا هودوا بعض أبنائهم أو استرضعوهم عند بني النضير فاعتنقوا اليهودية فلما أجلى هؤلاء طلب الانصار إجبار أبنائهم على الإسلام كي لا يرحلوا مع بني النضير، فنزلت الآية التي كانت خاصة بهؤلاء، ومع ذلك تسري على كل من تقبل منه الجزية من أهل الكتاب والمجوس فيكون ” معنى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين) إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية ورضاه بحكم الإسلام، ولا معنى لقول من زعم ان الآية منسوخة الحكم بالإذن بالمحاربة”.
وما قاله ابن جرير في هذه العبارة الأخيرة يبدو غريبا، إذ كيف يكون معنى الآية: لا إكراه في الدين للذين قبلت منهم الجزية والحال أنها نزلت وقت إجلاء بني النضير الذي كان في السنة الرابعة من الهجرة وفق ما يؤكده ابن جرير نفسه في تاريخه بينما فرض الجزية كان في السنة الثامنة أو التاسعة حسب الاختلاف المعروف في الموضوع؟.
ولذلك نميل إلى ما قاله الشيخ الطاهر ابن عاشور في تفسير الآية: “وهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه لأن أمر الإيمان يجري على الاستدلال والتمكين من النظر وبالاختيار. وقد تقرر في صدر الإسلام قتال المشركين على الإسلام… ولا جائز أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل ابتداء القتال كله. فالظاهر ان هذه الآية نزلت بعد فتح مكة واستخلاص بلاد العرب”.
ألا يكفي كل هذا للقول بأن المناسب والملائم لحقيقة الايمان بالدين ان ما جاء في سورة براءة من الأمر بقتال المشركين كافة وبقتال الذين أوتوا الكتاب إلى أن يؤدوا الجزية وهم صاغرون ـ هو الذي كان مرتبطا بظروف خاصة ومؤقتة وليس الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؟.
ان المشركين المأمور بقتالهم هم الذين ائتلفوا ونظموا على المسلمين وعاصمتهم المدينة زحفا لا يبقي ولا يذر:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا”.
أما أهل الكتاب المعنيون بالجزية فهم الذين ظاهروا المشركين في الهجوم الذي زاغت فيه الابصار وبلغت القلوب الحناجر.
“وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا، وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا”.
هذا باختصار شديد موقف الفقه “القديم” الذي اختلفت آراؤه نتيجة الاختلاف في السابق واللاحق من الآيات المتعلقة بالتعامل مع الآخر المخالف في العقيدة مع التأكيد على ان الواقع لم يساير التنظير إلا قليلا سواء في قتال “غير المسلمين” أو في أخذ “الجزية” من “الذميين”.
أما الفقه الحديث فمنه المستمر على حكاية التنظير المتوارث إزاء المخالف في العقيدة، ومنه الداعي إلى وسائل الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالحسنى للتعامل مع المخالف وأداء واجب نشر العقيدة وتبليغها للناس أجمعين.

الخلاصة
وهنا ومما سبق يمكن استخلاصه فيما يلي:
ـ الموضوع لا يهم “الذميين التقليديين” وحدهم، لأن “العقائد” المنتشرة اليوم كثيرة ولا يكاد يحصيها عدد.
ـ الآيات المتعلقة بالتعامل مع “المشركين” و”الكفار” تعددت أحكامها نتيجة اختلاف الأوضاع المحيطة بزمن ومكان نزولها، ولم يحصل اتفاق على الترتيب الزمني لهذا النزول.
ـ الاتجاه الفقهي العام هو عدم التسوية في كثير مما يعبر عنه بالحقوق المدنية بين “المسلم” وبين “الذمي” وهو اتجاه ساد في التنظير وكان بين بين في التطبيق.
ـ التنظير الفقهي استمر في مساره في موضوع وضعية “الذمي” لأنه النهج الذي انتصر في جميع فروع الفقه منذ تأسيس “المذاهب” في القرن الثاني.
ـ لا وجود الآن لمقتضيات “قانونية” في الدول الإسلامية تميز بين المسلم وغير المسلم في الحقوق والالتزامات العامة للمواطن ولا وجود كذلك لمصطلح “أهل الذمة” في أي نص تشريعي أو تنظيمي.
ـ كل الدول الإسلامية التزمت في اتفاقيات إقليمية أو دولية بالمساواة بين جميع مواطنيها وعدم التمييز بينهم بسبب العقيدة الدينية.
ـ ما التزمت به الدول الإسلامية وتسير عليه في التطبيق يجد سنده في آيات قرآنية عديدة، وإذا لم يثبت القطع بتأخر نزولها فانه كذلك لم يثبت القطع بتقدمها في النزول أو بقصرها على وقائع أو حالات خاصة.
ـ إضافة إلى هذه الآيات المتعلقة صراحة باختلاف العقيدة ومعاملة المخالف فيها ـ هناك قيم الإسلام التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وتعد بالعذاب الأليم “الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ”.

إلى الأعلى