السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ناقدا الداروينية: كتاب مليارات الحلق المفقودة.. نظرة عقلانية إلى الخفايا التي لا تستطيع نظرية الارتقاء تفسيرها

ناقدا الداروينية: كتاب مليارات الحلق المفقودة.. نظرة عقلانية إلى الخفايا التي لا تستطيع نظرية الارتقاء تفسيرها

ان نظرية الارتقاء الدارويني هي النظرية المهيمنة حاليا في علم الأحياء في الغرب. وليس بمسموح حتى الآن بتوجيه النقد لها في المناهج الدراسية على مستوى الثانوية أو الجامعة. وتسمى نظرية الارتقاء الجديدة NDT وذلك بعد التعديلات التي أجراها عدد من العلماء عام 1941 على بعض فرضيات دارون عندما أصبح من المتعذر الدفاع عن هذه الفرضيات. انه لا مناص من عرض مثل هذه التقريضات لأن الماديين في عالمنا العربي (بمن فيهم ماديون من السلطنة) يستخدمون فرضيات الارتقاء الدارويني للتشكيك في الله والرسالة على أساس أنها، أي هذه الفرضيات، أمور ناجزة علميا وهو قول ابعد ما يكون عن الحقيقة. ففي كتابه الأخير
Uncommon Dissent،(شقاق غير مألوف)، يورد الفيلسوف وعالم الرياضيات الأميركي William A. Dembski، وليم دمسكي، مقالات لفلاسفة معاصرين ولرواد في علم الأحياء والرياضيات والفيزياء يحاجون برجحان الأدلة ضد الداروينية واعتمادها على المصادفة أي الطفرات العشوائية. وحسب ما يقول دمسكي “جمعت الداروينية حول نفسها هالة كؤود اقل ما يقال عنها إنها لا ترحب بالنقاش العقلاني حيث يؤكد علينا مؤيدو الداروينية بأنها قد أثبتت إثباتا ساحقا وان مقاومتها غير مجدية وتكشف عن سوء نية أو ما هو أسوا”. ما هو أسوا؟ حسب تقريض الناشر
“فإن الذين يشكون في الطباق الدارويني يظن بأنهم،حسب تعبير ريتشارد دوكنز الذائع الصيت، إما جهالا أو أغبياء أو مجانين أو أشرارا”! ويمضي التقريض قائلا: “ان عداء الداروينيين الدوغماتيين مثل دوكنز لم يمنع ظهور عدد متزايد من النقاد المثقفين الذين ينقدون مقالات الداروينية الميتافيزيقية (أي ما فوق الطبيعية). ان المقالات الموزونة والتي تحرك الفكر التي يضمها كتاب (شقاق غير مألوف) تظهر بجلاء واضح ان هؤلاء النقاد ليسو أصوليين مضحكين قد غسلت أدمغتهم كما يدعي الذابون عن الداروينية ولكنهم نقاد جديون ذوو عقول منفتحة تشكل حججهم تحديا جديا لقابلية العقيدة الداروينية للحياة”. العقيدة الداروينية أي الاعتقاد بان الحياة نشأت طبيعيا وتنوعت طبيعيا كذلك. وبالتالي ليس هناك خالق ولا غاية من الخلق والوجود.
نظرية الارتقاء الدارويني، في جمل بسيطة، هي الادعاء بأن تنوع الكائنات الحية الذي نراه من حولنا إنما حصل بآلية الانتخاب الطبيعي عبر ملايين السنين التي انتخبت طفرات جينية توفر للكائن قدرة أفضل على البقاء وبالتالي التناسل وتخليف ذرية، مبدأ البقاء للأصلح. وعبر سلسلة من هذه التعديلات (تعديل صغير يعقبه تعديل صغير) ارتقت الأشكال البسيطة إلى أشكال اعقد وهكذا بدون قصد أو تدخل خالق. مع التأكيد على ان الطفرات الجينية يجب أن تكون عشوائية ليس سببها البيئة المحيطة أو حاجة الكائن الحي (هذه فرضية جوهرية في نظرية الارتقاء) (1). والحق ان الخلاف ليس حول فرضية ارتقاء الحياة – فهناك آيات في القران في رأيي تشير إلى ذلك، أي ان شجرة الحياة قد يكون أصلها واحد – ولكن الخلاف مع الداروينية أو نظرية الارتقاء الدارويني هو حول: هل تنوع الكائنات الحية حصل بآلية عمياء (الانتخاب الطبيعي يعمل على طفرات جينية عشوائية غير مقصودة) أم بخلق خالق؟ أما الآيات التي قد تشير إلى الأصل الواحد للكائنات الحية فهي، حسب اجتهادي، قوله تعالى: “وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير” (النور:45) وقوله “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً” (الفرقان:54). (2).
كما ان المعارضين لفرضيات نظرية الارتقاء لا ينكرون التكيف وإنما ينكرون مرة أخرى حصول التكيف بسبب فرضية الانتخاب الطبيعي لطفرات عشوائية غير مقصودة حدثت اتفاقا أي مصادفة مرة كل بعضة ملايين سنة (3).
لذا فان الخلاف على أصل الحياة وتنوعها ليس في حقيقته خلاف علمي وإنما خلاف فلسفي أي خارج نطاق العلم بمعناه الغربي الحديث science أي خارج نطاق التجريبية. يقول (أوين جنجرش) أستاذ علم الفلك وتاريخ العلوم في قسم الفيزياء الفلكية في جامعة هارفارد في كتابه الصغير God Universe، كون الله: “ان أكثر المدافعين عن نظرية الارتقاء مثل (ريتشارد دوكنز) يستخدمون مكانتهم كمتحدثين علميين منبرا مستأسدا للإلحاد. يدعي (دوكنز) ان الارتقاء يجعل الإلحاد تاما فكريا. أظن انه (أي دوكنز) يصنع بمفرده معتنقين لنظرية القصد العاقل أكثر من الذين يقودون التنظير للقصد العاقل. ان الارتقاء كفلسفة مادية إنما هو عقيدة وعرضها هكذا يرفعها إلى مقام السبب النهائي. ان الارتقائيين الذين ينكرون الغائية الكونية، ويعتقدون بدلا من ذلك بصدفة كونية، يجادلون بعبثية الكون ليس استنادا إلى حقيقة علمية ثابتة وإنما استنادا إلى موقف شخصي من ما بعد الطبيعة. واعتقد أنه لمن المشروع مقاومة هذا التوجه العقلي”. (ص 75).
والقصد العاقل أو التعمد الذكي intelligent design ، هو النظرية التي بدأت في الولايات المتحدة منذ عقدين من قبل طائفة من علماء الأحياء والفلاسفة القائلة بأن هناك شواهد ساحقة على تدخل عاقل intelligent في عملية ارتقاء الكائنات الحية وإنها لم تظهر نتيجة آلية عمياء تنتخب طفرات عشوائية وإنما بقصد design (4). لذا تشكك نظرية القصد العاقل فيما إذا كانت الطفرات العشوائية تستطيع توليد حجم المعلومات الهائل اللازم لإنتاج ابسط خلية حية اتفاقا (أي مصادفة) ؟ (5) والآن إلى ترجمة تقريض كتاب مليارات الحلق المفقودة:

كتاب (مليارات الحلق المفقودة.. نظرة عقلانية إلى الخفايا التي لا تستطيع نظرية الارتقاء تفسيرها)
تأليف: جيفري سايمونس
تقريض: فرتز آر. وارد

قبل فيلسوف العلم (كارل بوبر) بمائة سنة أدرك دارون ان أي نظرية علمية حقيقية يجب أن تشمل إمكانية دحضها. لذا اقترح في عام 1872 انه إذا وجد عضو معقد (أو كائن) لم يرتقي من خطوات صغيرة متعاقبة أو “تعديلات” فان نظريته سوف تنهار تماما. مجمل كتاب جيفري سايمونس هذا هو محاولة فعل هذا بالضبط. فمن خلال استطلاعات سريعة لمملكتي النبات والحيوان يجد أمثلة عديدة لكائنات حية ذات سمات فريدة جدا ومتكيفة بحيث لا يمكن ان تكون قد ارتقت من خلال خطوات صغيرة متتابعة.
ان إعادة ذكر الأمثلة الكثيرة التي يعرضها سايمونس لهو خارج نطاق هذا التقريض. وهو يقدم نقدين لنظرية دارون. الأول هو انعدام أحافير الأسلاف. فمن خلال مناقشته للخفافيش، على سبيل المثال، يلاحظ سايمونس ان أحافير الخفافيش تمتد على مدى خمسين مليون سنة إلى الوراء وكل احفورة تظهر سمات الخفافيش المميزة (الحالية) بما في ذلك القدرة على التحديد بالصدى والأوتار التي تسمح للخفاش بالتعلق رأسا على عقب. ليس هناك، يلاحظ سايمونس، أي أسلاف تكشف قصورا في المقدرة على التعلق أو أسلاف ترتطم بحوائط الكهف (بسبب بدائية السونار). نقاط مشابهة يعرضها عن اليعسوب. النقد الثاني، وهو أكثر شيوعا من الأول، هو انه لمن المستحيل تصور خطوات متوسطة ناجحة لبعض سمات النباتات والحيوانات. فيلاحظ ان بعض الأنواع متكيف جدا إلى حد ان لها صلات تكافلية مع حيوانات أو نباتات أخرى. وحيث ان هذا السلوك والخصال الجسمية المرافقة له مرتبطة معا ارتباطا وثيقا فانه يشق على المرء تخيل كيف ان تكون هذه الصلات قد ارتقت ارتقاء مستقلا. على سبيل المثال البكتيريا التي داخل الأمعاء التي تسمح لنا بالانتفاع بفيتامين K.
قد يدفع الارتقائيون بالقول انه لم يتبق من الاحافير سوى اليسير. بيد انه ينبغي ملاحظة انه إذا كان داورن محقا فإننا نتوقع ان نجد غالبا أحافير متوسطة حيث ان تعديلات طفيفة متعاقبة ستخلف أحافير متوسطة أكثر من الاحافير الحديثة حتى لو لم يتبق من الاحافير إلا اليسير. غير انه من اللافت للنظر أننا لا نجد ذلك (6).

الهوامش:
(1) اغلب هذه الطفرات الجينية هي أخطاء النسخ أثناء انقسام الخلية التي تسمى
point mutations أو الطفرات النقطية بشرط (و هذا فرضية جوهرية أخرى في نظرية الارتقاء) أن يحدث الارتقاء خطوة صغيرة تعقبها خطوة صغيرة. والطفرة النقطية هي طفرة تؤثر في نيتودة واحدة فقط nucleotide والنيتودة هي اصغر وحدة تؤلف جزئي الحامض النووي الوراثي الدنا DNA. وهن أربع قواعد أو وحدات: A,G,T,C(الرموز الأربعة التي تؤلف شفرة الحامض النووي الوراثي لأي كائن حي). والطفرة هي أي تغير وراثي أي ترثه الذرية من الأبوين.
(2) هذه فرضية وليست أمرا تمت ملاحظته ملاحظة علمية (أي ان الكائنات الحية كلها تعود إلى خلية حية واحدة بدائية نشأت اتفاقا، أي مصادفة،في وسط مائي قديم جدا). لكن الخلاف ليس حول كيف خلق الله الكائنات الحية على الأرض وإنما أساس الخلاف حول إنكار نظرية الارتقاء الدارويني الخلق رأسا وإصرارها على ان سبب الحياة طبيعي وسبب تنوعها طبيعي كذلك. تأمل في هذا الصدد قوله تعالى: ” مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا” (الكهف: 51). تفكر في الربط بين عدم شهود الخلق والمضلين. الجدير بالملاحظة في هذا السياق أيضا ان عالم الخلية الدكتور رولند هيرتش Roland Hirsch يعرض استنادا إلى أمور من جملتها الانتقال الجيني الأفقي فرضية خلايا بدائية متعددة وليس أصل خلوي واحد(انظر: Uncommon Dissent، ص 215-231).

(3) ما يقولونه هو ان التكيف حصل بسبب حاجة الكائن الحي للتلاؤم مع بيئته أي ان التكيف حصل بقصد قاصد وليس بسبب آلية طبيعية تنتخب طفرات جينية عشوائية غير مقصودة.
(4). مثال عرضه جنجرش في كتابه الآنف ذكره: ذيل البكتيريا E.Coli (إي كولي) وهو زائدة شبيهة بالسوط تدور بالضبط مثل زعانف محرك القارب فتتحرك البكتيريا، يلزم تكونه سلسلة من البروتينات وبدون كامل العدد لا يدور أبدا، أي لا يعمل. لذا فانه من السذاجة القول ان جميع البروتينات المطلوبة تركبت معا عن طريقة مصادفة عمياء أو إنها ارتقت خطوة خطوة.
(5) على سبيل المثال: Mycoplasma هي أبسط خلية معروفة للعلم. لكنها تتألف من أربعين ألف جزئي بروتين من 600 نوع بروتيني ولها أيضا حمض نووي وراثي DNA وحمض ريبي RNA. ان احتمال تركيب جزئي بروتين واحد اتفاقا بالمصادفة هو 1 من 10 أس 113 أي الرقم واحد يتبعه 114 صفرا!.
(6) ألزمت هذه الفجوات في السجل الاحفوري بعض الداروينيين بالقول بالقفزات وهي النظرية المسماة punctuated equilibrium، التوازن العاجل.إذ يقولون ان الفراغات في السجل الاحفوري حقيقية وإنها تؤكد تغييرات مفاجأة حصلت في الحيوانات في الماضي السحيق. لذا يقولون ان الارتقاء إنما حصل عن طريق تغيرات كبيرة مفاجأة لمجموعات سكانية معزولة قليلة العدد. بعبارة أخرى إنكار الارتقاء التدريجي وما يرافقه من فرضيات.

عرض و ترجمة ـ محمد عبدالله العليان
إعلامي عماني
وعضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

إلى الأعلى