الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / طباخ السم

طباخ السم

أحمد مصطفى

” نعم يصعب التنبؤ بالعمليات الإرهابية، وليس من السهل تفادي وقوع مثل تلك التفجيرات مهما كانت القدرات الأمنية والاستخباراتية، لكن أيضا لا يمكن تجاهل المقدمات والسياسات التي تهيء مناخا لها. فكل من حاول تنبيه أردوغان لمخاطر تسهيل دخول الإرهابيين للعبور إلى سوريا وفتح سريان دعم وتمويل لهم كان نصيبه الإقالة من منصبه، من كبار رجال استخبارات إلى قيادات أمنية.”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بداية لا يمكن لعاقل أن يسوغ الإرهاب، أيا كان نوعه أو مصدره طالما يستهدف أبرياء حتى لو كان لأغراض سياسية يمكن تفهمها. لكن من الخطأ أيضا أن يكتفي المرء بالغضب والإدانة دون تعلم الدروس، ليس بغرض الملامة و”المعايرة” بالطريقة المصرية، وإنما لتأكيد حجة قد تفيد أو تعديل مفهوم خاطئ قد يضر. ومن المهم أيضا الا نسلك ذات المسار الذي ننتقد الآخرين لسلوكهم إياه، أي الجدل الفارغ بعنجهية وصلف. ومع كل ذلك، من المهم الوقوف عند التفجير الأخير في العاصمة التركية أنقرة ـ ليس فقط لأنه حصد ارواح عشرات الأبرياء وترك اكثر من مئة من المصابين ممن لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في مكان التفجير ـ حتى بغض النظر عن من ستلقي السلطات التركية المسؤولية عليه في ارتكابه. فهذا هو التفجير التاسع في فترة أشهر الذي يضرب أماكن في تركيا وتلقي السلطات بالمسؤولية فيه على معارضي أردوغان من الأكراد ويتخذ ذريعة لقصف مواقع المسلحين الأكراد في جنوب شرقي تركيا أو حتى في العراق أو سوريا.
الحقيقة ان اتهامات السلطات التركية تكاد تشبه ارقام الاقتصاد الصيني، فهناك أرقام رسمية معلنة غالبا لا تعكس الأرقام الحقيقية وكذلك الحال مع سلطات أردوغان في اتهاماتها التي غالبا ما تكون لتبرير أعمال للأسف قد تسهم في زيادة المخاطر وليس الحد منها. فلو سلمنا بأن متطرفين أكراد هم من يرتكبون تلك الأعمال الإرهابية في تركيا، فإن الرد التركي لا يستهدف في الأغلب هؤلاء الارهابيين ولا حاضنتهم (التي هي غالبا في الداخل التركي) وإنما القوات الكردية التي لها ذراع سياسي كان قد توصل إلى اتفاقات مع حكومة أردوغان وانهارت بعد ذلك. المهم، أن الاتهامات الأولية السريعة في أغلب تلك الأعمال الإرهابية التي تضرب تركيا تتجه بشكل مباشر أو غير مباشر إلى من يعارضون السلطة، حتى لو اثبتت التحقيقات بعد ذلك عكس تلك الاتهامات.
من المهم هنا العودة إلى سنوات سابقة قريبة، كثرت فيها التحليلات المستندة للوقائع والمعلومات عن تسهيل تركيا وصول الإرهابيين من شتى بقاع الأرض إلى سوريا وكيف كان لتركيا الدور الأكبر (مباشرة وبشكل غير مباشر) في إعلان الإرهابيين ما أسموه دولة الخلافة في أجزاء من سوريا والعراق. وحين ازداد الضغط على أردوغان كي يوقف دعمه هذا، مع توسع داعش في الأرض والنفوذ، اضطرت تركيا للتضييق على امدادات داعش. ومنذ ذلك الوقت زادت وتيرة التفجيرات الإرهابية في تركيا. صحيح أن أردوغان ومريديه ربما يحاججون بأن النظام السوري يقف وراء تلك العمليات الإرهابية، بل وربما اتهموا روسيا حتى بعد تدخلها النشط في الحرب السورية. ولن يجادل المرء في ذلك، لكن ببساطة ألم يكن النظام في سوريا يعادي تركيا منذ سنوات؟ وكيف تمكن الآن فقط من العبث بالداخل التركي هكذا؟ المنطقي في كل الحالات أن سياسات تركية، وتحديدا أردوغانية، هيأت المناخ لمثل هذه العمليات وثبت أن كل التحذيرات التي وجهت لأردوغان منذ كان رئيسا للحكومة وبعد توليه الرئاسة عام 2014 حول مخاطر تسهيل دعم الإرهابيين كانت صحيحة.
نعم يصعب التنبؤ بالعمليات الإرهابية، وليس من السهل تفادي وقوع مثل تلك التفجيرات مهما كانت القدرات الأمنية والاستخباراتية، لكن ايضا لا يمكن تجاهل المقدمات والسياسات التي تهيء مناخا لها. فكل من حاول تنبيه أردوغان لمخاطر تسهيل دخول الإرهابيين للعبور إلى سوريا وفتح سريان دعم وتمويل لهم كان نصيبه الإقالة من منصبه، من كبار رجال استخبارات إلى قيادات أمنية. حتى الرئيس السابق عبد الله غول لم يتفق مع أردوغان في سياساته تجاه داعش والجماعات الإرهابية في دول الجوار. وما كان نصيبه إلا اعتزال العمل العام تقريبا وابعاده حتى من الحزب الحاكم. والآن يريد أردوغان “توسيع مفهوم الإرهاب” ليس بغرض مكافحته حقا بل لضم كل من يعارضه لمن ينطبق عليه تعريفه الخاص للإرهاب!! بينما هو أردوغان نفسه لا يعتبر كثيرا من الجماعات الإرهابية (كالإخوان وجماعاتهم المسلحة) إرهابيين!!
يقول المثل الشائع القديم “طباخ السم يتذوقه”. وقد طبخت سياسات أردوغان، ليس فقط تجاه سوريا وليبيا، الكثير من السم في المنطقة ولم يكن منطقيا ألا يتذوقه. إنها ذات البراجماتية الغبية التي تتصور إمكانية مهادنة حيوان متوحش وتصور أنه لن يفترسه. المشكلة ان من يعاني من الصلف والغرور يصعب عليه تعلم الدروس، وإذا نجحت مؤقتا سياساته المغامرة يظن أنه أوتي الحكمة كلها وأن الأمر سيدوم.
ربما كانت الحجة الوحيدة الصحيحة أن التدخل الروسي النشط في الحرب السورية ساعد في وصول الإرهاب إلى تركيا ـ ليس بالمعنى السطحي الذي نسمعه في تصريحات سياسية غوغائية. فروسيا على الأرجح لا تجند إرهابيين لينفذوا تفجيرات في تركيا، مهما كان العداء بين موسكو وأنقرة، وإنما الواقع أن التدخل الروسي “أثار عش الدبابير” كما يقال. ومعه، اضطرت كافة القوى المتورطة في حرب سوريا للتنافس في محاربة داعش والإرهاب. ومع التضييق على الإرهابيين، في الوقت الذي “تهيجت” فيه خلية الدبابير تبدأ تلك الدبابير في الخبط هنا وهناك.

إلى الأعلى