الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / المرأة المغاربية والطين .. رغبات مشتركة

المرأة المغاربية والطين .. رغبات مشتركة

تعد صناعة الفخار من أقدم الحرف التي مارسها الإنسان منذ بداياته حيث يعود تاريخ انجاز أول قطعة خزفية إلى حوالي 14000 سنة ،وهذا دليل على مدى تعلق الإنسان وارتباطه بهذه الحرفة التي رافقته وظلت موجودة عبر العصور الموغلة في القدم إلى يومنا هذا، محافظة في الغالب على تقنياتها وأشكالها وزخارفها التي تختلف حسب خصوصية كل منطقة .تعكس هذه الحرفة العلاقة الحميمة التي تربط الإنسان بالطبيعة، حيث تعتبر هذه الأخيرة الملهم الأول والأساسي للإنسان في مختلف نشاطاته اليومية ،تربطهما علاقة أزلية هي رحلة في الزمان والمكان، هكذا ترسم هذه العلاقة وعناصرها جنون وبساطة الأشياء ،تجعلها تتناظر تتمازج وتتفارق لكن تبقى هناك دائما زاوية للقاء هو لقاء حضارات وعادات وحرف ولدت ومازالت هنا بين جبال وأرياف المغرب العربي “القولبة اليدوية وتقنية الحبال مطبقة في كامل شمال المغرب الجبل والريف ،فخاريات هذه المناطق تشبه ما يوجد في القبايل وتمتد تقنياتها إلى الشمال التونسي ….” 1 .
ولعل ما تتميز به صناعة الفخار بشمال إفريقيا وتحديدا منطقة المغرب العربي من خصوصية و فرادة من حيث طريقة صنعه وثرائه الزخرفي اللافت، هو ما يجعل الباحث في تعطش دائم لمزيد من المعرفة والبحث، فخاريات تصنع بأنامل أنثوية متجسدة في الفضاء ،قابلة لاستيعاب العديد من القراءات والتأويلات يحكين من خلالها النسوة ويكتبن تاريخا بدون كلمات ،هي لغة يتكلمها لسان المادة بتقنية مميزة متوارثة عبر الزمن أصبحت من مميزات حياتهن.
فخاريات هي في حقيقة الأمر ضرورة حياتية يرتكز عليها نشاط الأنثى اليومي، جاءت نتيجة الحاجة إلى إنتاج أوان للاستعمال اليومي ” فالجدة في الفنون الشعبية إنها تحقق غرضا وظيفيا وتحتفظ في الوقت نفسه بطابعها التقليدي، وان الفنون الشعبية على بساطة مظهرها هي طراز كالطرز الفرعونية واليونانية والإسلامية…”2 .
كانت المرأة في بداية مداعبتها وتحسسها لهذه المادة في حالة تعرف واكتشاف لخصوصياتها وقدراتها، فجاءت الفخاريات الأولى نوعا ما بدائية تعكس تخوفا وحذرا تأخذ أشكالا كروية بسيطة ووظيفية خالية من الزخرفة، وإن كانت في بعض الأحيان موجودة باحتشام بمثابة خربشات بعصي الأشجار في شكل خطوط مرسومة مباشرة على الطين المقولب ،بهدف الاحتواء أو كأوان للأكل والشرب ….

وبمرور الوقت استأنست كل منهما الأخرى وباحت المرأة بأسرارها للمادة، فجادت هذه الأخيرة بما لديها من طواعية وقدرات كبيرة في التّشكل ، وأصبحت الأواني المنجزة أكثر نضجا من حيث الحجم والأشكال الزخرفية، تقولبها المرأة بأناملها السحرية بحركات رشيقة متتالية ،هي أوعية ذات قواعد نصف كروية وأحيانا مخروطية مع إضافة عناصر أخرى كالعرى والأنابيب ،وكلما تقدم الزمن تطورت الأشكال المتأتية من مخيلة المرأة الثرية والواسعة المتطلعة على كنوز شعبها من رموز ودلالات خفيّة .
وتعد التقنية المتبعة لإنجاز هذه النوعية من الفخار واحدة في المنطقة المغاربية باعتبارها نشاطا يوحد هذه البلدان الثلاثة ، وكأني بالمرأة والأشكال نفسها تتكرر بين تونس والجزائر والمغرب ولكن الاختلاف من سماتها والتمعن الجيد يبيّن الاختلافات القائمة والمميزة لكل منطقة وهذا ما يزيد من جاذبيتها وثرائها وشغفنا للبحث .
لكن وقبل الحديث عن كل هذا دعونا نأخذ فكرة ولو وجيزة حول طريقة انجاز هذه الفخاريات وهي كما سبق وذكرنا جدا متشابهة بين هذه المناطق ،حيث يمر انجاز القطعة بعدة مراحل :
* البحث عن المادة الأولية : تربط الإنسان بالطين علاقة أزلية ، علاقة حميمية منها خلق ومن الأرض يعيش لتجود عليه بهذه المادة الطبيعية المزودة بطاقة تعبيرية عالية، والتي تقبع بغزارة في أرياف وبين جبال هذه الشعوب البربرية في أماكن مختلفة منها ما هو على السطح وما هو عميق تحت الأرض وما هو على ضفاف مجاري المياه، على مقربة من أماكن سكنهم، لهذا لا تجد النسوة أي صعوبة في جلبه من عدة مقاطع سهلة الاستغلال على ظهور الدواب.
مادة تستغلها النسوة فتعجنها وتشكلها وفق تصوراتها الوظيفية، بحكم طواعيتها فهي تختزن داخلها طاقة وقوة هائلتين للإنتاج والإبداع عندما تلتقي بأياد قادرة على إعطائها الوقت والصبر، لتطويعها وتوجيهها كما تشاء هي وبرغبة منها فتبرز لنا جنونها وجموحها لتتميز تشكيلاتها وتتنوع.
وهي عامة ثلاثة أنواع تصنف حسب اللون ،الطين الأحمر ،الرمادي ،الأبيض أو الأصفر الحمصي، يقع تحويله إلى مادة صالحة لإنجاز أشكال مختلفة من خلال مروره بعدة مراحل ليصبح جاهزا للقولبة .
* مرحلة الإعداد والقولبة : بعد العثور عليه وجلبه يوضع في مكان مفتوح أمام المنزل حيث تقع تنقيته في مرحلة أولى من كل ما علق به من شوائب ومواد دخيلة عليه كالحجارة و الأعشاب. ثم يوضع بعد ذلك في إناء أو في حفرة بها ماء معدة خصيصا لذلك بهدف “تنفيخه” لترطيبه فيصبح بذلك قابلا للتشكيل ويبقى يوما أو يومين على هذه الحالة ،في نفس الوقت تعد المرأة “الملاسة” مادة أخرى وتسمى “التفون ” وهي عبارة عن قطع أوان قديمة يقع دقها وتفتيتها ثم غربلتها لنحصل بعد ذلك على مادة رطبة يقع خلطها بالطين ليكسبه ذلك قوة تماسك إضافية ، تمنع تسرب المواد التي سيحتويها بعد الحرق.
وبعد أن ينفّخ الطين جيدا يضاف إليه كما سبق وذكرنا التفون، يعجن جيدا ويصبح بعدها جاهزا ليتحول إلى قطع وأوان.
هناك من تفضل تركه مدة ليتخمر وهناك من تفضل العمل عليه مباشرة ، فتعد القاعدة التي ستقولب عليها أشكالها وعادة ما تكون قطعة قديمة ثم تباشر عملية القولبة باستعمال لفافات طينية يقع تحضيرها سابقا تلصقها بتأن وبحركات مدروسة الواحدة تلو الأخرى في اتجاه الأعلى، فتبدأ ملامح الآنية بالاتضاح شيئا فشيئا عندما تدخل الملاسة يدها إلى الداخل لتحدد شكل البطن وبعدها تأخذ الآنية شكلها النهائي ثم تلصق العرى والأنابيب إذا استحق الأمر ذلك ، لكل أنية وضعية خاصة فمنها ما يصنع والمرأة في وضعية جلوس، وأخرى في وضعية وقوف. والوضعية يحددها شكل القطعة المنجزة.
* مرحلة التجفيف : هي المرحلة الأكثر حساسية والتي تسبق عملية الحرق يجب أن يفقد فيها الطين المقولب كمية الماء التي يحتوي عليها قبل دخوله النار حتى نتفادى التشقق أو الكسر، يجب وضع الآنية في مكان يتعرض لأشعة الشمس في الفصول الباردة (الخريف ،الربيع) وفي مكان مظلل في فصل الصيف .
تدوم هذه المرحلة عدة أيام ثم تصقل الآنية قبل حرقها لتصبح ملساء باستخدام أدوات بسيطة من البيئة المحيطة مثل حجارة ملساء أو صدفة حلزون…
* مرحلة الطلي أو التزيين: يقع رسم الأشكال والزخارف المراد التزيين بها باستعمال مادة “المغرة” لإضفاء جمالية أكثر للآنية مادة تتفاعل مع الشكل أثناء عملية الحرق تعتمد على الألوان الطبيعية للطين المتوفر لديها، وإذا وقع استخدام مادة الذرو للزينة فان الآنية بحاجة لعملية حرق ثانية .
وماء الذرو مادة مستخرجة من نبات على نفس الأرض يشبه نوعا ما أوراق الزيتون يعطينا لونا أسود بالإضافة للألوان الطبيعية للطين .
وعادة ما تزخرف المرأة فخارياتها بتأن برموز مأخوذة من النسيج والوشم والحلي . هي أساسا أشكال هندسية وطبيعية مجردة كالمثلث والمربع والمعين وخطوط منحنية عمودية وأفقية لهل عدة دلالات ومرجعيات عقائدية ،ظلت مرافقة لهذه الشعوب حتى بعد اعتناقها الإسلام حول الثنائيات التي تحكم الكون كالحياة والموت،الخير والشر والسماء والأرض تزين بها منتجها لتعطيه خصوصية وهوية منطقتها هي مثلثات وسعف وخطوط منكسرة ، سلسلة من المثلثات تارة وطورا آخر نقوش هندسية قوامها خطوط عريضة سوداء بعضها منكسرة ومنحنية وأخرى مثلثة ورسمت خطوط سوداء تشبه الوشم على الخدين ، زخارف تعتمد أساسا على خطوط منكسرة ومتموجة ومستقيمة ولعل شكل المثلث هو الوحدة الزخرفية الأكثر تداولا والأسلوب الساذج والفطري المتبع منذ البداية في صناعة هذه الأشكال هو الذي ساعد على ابتكار أشكال محيرة، وتبعث في النفس تساؤلات عديدة حول نوعية هذه الزخارف التي جاءت شاملة وجامعة لعدة منطلقات ، وقع تطويعها والمزج بينها للوصول في النهاية لهذه النوعية المميزة لدول المغرب العربي
* الحرق: في النهاية تخضع الفخاريات لألسنة النار حيث تفخر أو تحرق في الهواء الطلق في مساحة مفتوحة، تكدس القطع الكبيرة في الوسط وتحاط بها القطع الأصغر حجما ثم تغطى باستخدام فواضل الأبقار ، وتشعل النسوة النار لتحرق القطع بتاطير ومتابعة بالغة، وتظل في انتظار نتيجة عملها الدؤوب في قلق شديد وخوف من أن تذهب مجهوداتها سدى، وفي خضم هذا الاضطراب والقلق يكون المولود في بطن أمه بصدد التشكل النهائي وبعد انتهاء الحرق تتحدد الصورة الأخيرة التي تتوضح ملامحها النهائية بعد حكها بصمغ الصنوبر ليعطيها لمعانا وليمنع تسرب السوائل منها فيما بعد .
بعد الانتهاء من كل هذه المراحل تصبح الآنية جاهزة للاستعمال الوظيفي، لكن هذه الفخاريات فيها إضافة لذلك سحر خفي يجعلنا لا نتوقف أمامها لمجرد استعمالها فقط ، بل يمكن من خلالها إيجاد تأويلات وعلاقات بصرية مغرية متأتية من عالم المرأة المغري، فهذه العلاقة الحميمية التي نشأت بين الأنثى والمادة قد أنتجت الكثير بطريقة غير مباشرة أنتجت تفاعلا بين جسدين تطبّع كل منهما بطبائع الأخر كنتيجة للمعاشرة المتواصلة بينهما ،وتلك التلقائية والسذاجة في الفعل ألهمتني وزادت من شغفي في متابعة البحث ، فرغبة المرأة في الفعل قابلتها شهوة اكبر من قبل المادة في احتضان جل مداعباتها ولمساتها التي ضمنتها تعابيرها وأحاسيسها الخاصة ، فأفرزت في صمت هذا المزيج الهائل من الرغبة والشهوة .
من موقعنا ونحن بصدد هذه الفخاريات لا نستطيع الجزم بأن الحاجة للاستعمال اليومي هي وحدها التي فرضت الشكل بل هناك نوع من الدراسة والتصميم الناتج عن هذه الذات المنفعلة، إن صح التعبير تصاميم لافتة فيها من القدرة والتحكم فيها من الوظيفية والجمالية هي حاجة ورغبة في التحرر والانعتاق.
يعد الفخار البربري الريفي مرجعا أساسيا لقراءة الثقافة الشعبية من ناحية ، ولتأسيس الهوية الجماعية من ناحية أخرى، هو نوع من النشاط النسائي الذي يميز نساء المغرب العربي لا يعبر فقط عن الذات الفاعلة بقدر ما هو امتداد للمجتمع المحيط هو بمثابة مرآة عاكسة له ، فكلما طال الزمن إلا وازداد تعلقا وتشبثا بمحيطه باعتباره العلامة الحقيقية المميزة لهويته “إن التراث مظهر الإبداع الفردي والجماعي ،وهو أفضل تعبير عن الذاتية الثقافية وعن الهوية الحضارية الخاصة”3 فلقاء الحاجة يجمع بلدان هذا القطر، فهذا الشعب هو شعب واحد، فرقتّه المساحات والحدود ولكن الذاكرة الجماعية ذاكرة واحدة ،هي ذاكرة الأجداد وما خلّفوه من رموز ومعتقدات وأفكار بقيّت راسخة في شكل رموز حتى بعد اعتناق هذا الشعب ذو الأصول البربرية الإسلام، اعتقادات عن الحياة والموت والخير والشر والعين الحاسدة، فكان سعي النسوة الحثيث إلى التنويع في الأشكال و “تمليس” الطين بطريقة فيها من الحساسية المرهفة والرغبة في الفعل الشيء الكثير دليل على براعتهن وقوة فعلهن وتحكمهن في المادة من ناحية وتلقائيتهن وشطحات المادة من ناحية أخرى ، حيث تتعامل معها بعفوية قريبة من اللعب ، تفاعل وتجاوب فيما بينهما، وكأننا أمام لغة تواصلية تؤثث بكثافة الفعل الفضاء، وبين هذا التحكم وتلك العفوية توق إلى تفاعل متداخل وحميمي، وقدرة ترميزية هائلة .
سذاجة وتلقائية في الفعل خلقت لدى الحرفيات تحرر ، شهوة ورغبة وكأنها استجابة لحاجة أخرى تتجاوز الحاجة اليومية فكان منتجهن له خصوصيات في علاقة بأجسادهن حيث ” كانت المرأة الريفية في الثقافة الشعبية ولا تزال أساس العائلة وهي الامتداد الطبيعي للنظام الأسري القديم منذ العصر الجاهلي الذي يعتمد أساسا سلطة الزوج والأب للمرأة فيه وظيفة اجتماعية واحدة وهي الإشباع الجنسي للرجل وإنجاب عديد الأبناء قبل أن تشغل أي وظيفة اجتماعية …”4.
لذلك مثلت النشاطات التي تمارسها حتى وان كانت بسيطة ووظيفية متنفسا ومخرجا للتعبير والإفصاح فجاءت فخارياتها التي تقولبها بصمت من طين مرآة عاكسة لكل هذا المزيج، وخليطا هائلا من الأحاسيس المختلفة مما أنتج رؤى إبداعية تعكس حسا مرهفا رغم التصاقها الشديد بالجانب الوظيفي النفعي، رؤى تنم عن رغبة دفينة في الفعل، وجدت النسوة في الطين مادة تتحمل تعابيرهن بشهوة وقابلية كبيرة وتعبر عنها بطريقة زخرفية رائعة فعشقن الفعل في المادة وأصبحن يتفاعلن معها وهي بدورها كانت في قابلية وجاهزية زادت من شغف النسوة وتماديهن في التعبير.
فالأشكال النفعية بالأساس ليست بالضرورة خالية من البعد الجمالي أي يمكن اعتبار هذه الفخاريات المبدعة رصدا لأهم مشاعر ورغبات الأنثى المتأملة الأنثى الحزينة التي تمزج هذه الأحاسيس المختلفة بمادة الطين، وتعبر بخطوطها وزخارفها عما هو محسوس وغير ملموس ، كأني بها تلبي رغبة حسية لديها في التلذذ، أو ربما رغبة وحاجة جسدها للتحرر من خلال العمل اليدوي الذي تقوم به، ليصبح هذا الأخير حاجة جسدية حسية وجودية مرتبطة بذات فاعلة منفعلة. ذات هي في حقيقة الأمر مزيج مشاعر مضطربة و مختلفة كنتيجة لما تعيشه يوميا في محيطها من لحظات قلق، ربما في التحامها مع مادة الطين حل لمشاكلها، بما هي مادة قادرة على ايجاد التواصل والامتداد من جسدها إلى جسد الطين، حيث تعرض علم النفس إلى مثل هذه الحالات ، فمدرسة التحليل النفسي لدى فرويد مثلا “ترى أن الإبداع يجري في مسارب اللاوعي فيبزغ في صفحات الوعي على شكل ومضات. ومدرسة علم النفس التحليلي وهي إلى يونج والدر منسوبة تذهب إلى أن الإبداع إنما هو من صنع أحاسيس المرء الواعية فيشكلها رموزا معبرة وصورا مجسدة …”5 من هنا وسواء كانت الأحاسيس واعية أو غير واعية فإنها تتجسد ماديا ليصبح النشاط الإنساني مرتبط شديد الارتباط بدواخل الذات المنتجة، فتصبح فاعلة ومنفعلة في نفس الوقت، ضّمنت فخارياتها قوّة وصبرا مما تشعر به، مشاعر مختلطة تلتقي داخلها ليصبح جسدها بمثابة الوعاء الحاوي لها .
وعاء جسد تسعى المرأة أثناء قولبة أوانيها إفراغه وترجمته لتدفن فيه أحاسيسها ومشاعرها المكبوتة تعبر من خلالها عما يخالجها رموزا وأشكالا تحفر في أعماق الذاكرة وفي جسد المادة، هذه المادة الطيعة والتي تتشكل وفق رغبة الأنثى و تساهم بطواعيتها في شحن الفضاء.
تزخرفها بأشكال ورموز ذات دلالات ومعان خاصة حيث ينتقل الخط بسلاسة على سطح الوعاء على انه خط متتابع وان يصبح أشكالا هندسية من حين لآخر كأنها كتابات مترابطة في علاقات مختلفة، ربما هو فضاؤها الحر لتبلغ من خلاله ما تعجز عن البوح به علنا، فيحضر طلاسما ورموزا لا يعرف سرها سواها، تستمد عناصرها من المحيط المعيش، مستندة إلى مناخات اعتقاديه عن الطبيعة، فما يحركها وما يجمعها يدور حول اعتقادات دينية قديمة، فيتحول الخط إلى حركية لا نهائية تعبر عن أحاسيس فطرية وساذجة ساهمت طواعية المادة وقابليتها في تدعيمها ،تحتضنها حينا وتؤطرها فارضة عليها سلطانها أحيانا أخرى .
كان جسد المرأة الوعاء حاويا لها ولكنه ضاق بها فافرزها فخاريات مزخرفة تظهر في أبهى حللها، حبلى بالمضامين والإيحاءات تتميز ببساطة لا متناهية في الرؤية ، وانسجام وتوافق بين الشكل والزخرف يترك للمتلقي حرية التقاط المعاني والدلالات المبثوثة داخله.
شغف كبير تقابله شهوة اكبر من صلب المادة ، مادة مثلت محملا جسدا لبست حلل الجسد الأنثوي وتقمصت دوره، اكتست بزخارف وشمها ومنسوجاتها بمختلف أشكاله وتحلّت بحليّه فأصبح وعاء جسدا فيه من حساسية المرأة ما يحمله الطين من حساسية، فيه من جمالية الجسد الأنثوي وجاذبيته ما يحتويه عالم المادة وجسدها من إغراءات.
فخاريات تفوق كونها أوعية وظيفية تتضمن قوة في التعبير والإيحاء، فيها تتلازم وتتناسق العناصر شكلا ولونا ودلالة نضرا للعمق والصدق اللذين يجتمعان فيها كنتيجة لشغف المرأة بما تفعله وما تكتنزه المادة من شهوة للتشكل والإفصاح .
وظيفية هذه القطع لا تنفي جانب الإبداع ، فيها من هذا الجانب وذاك “فليس الفن مجرد تسلية ولعب ، بل هو جد ومسؤولية، وليس الفن عبئا على صاحبه لأنه عمل منتج له مقاصد وادوار.” يحقق في نفس الوقت وظيفة نفعية وأخرى حسية، جسد وعاء افرز وعاء جسدا، رغبة في الفعل قابلتها شهوة المادة، وهذا ما ساهم في تحقيق معان ودلالات إضافية لهذه الفخاريات المبدعة بشغف ومتعة كبيرتين، فخاريات تتأرجح بين رغبة المرأة وشهوة المادة، بين الوظيفة والإبداع ، بين التعبير عن أحاسيس ومشاعر ذاتية من ناحية وجماعية من ناحية أخرى .
يصبح الطين جسدا موشما مكملا لجسد المرأة كمحمل تعبر من خلاله تلك الأنامل المرهفة الإحساس شكلا ولونا عما عجزت الألسن عن قوله والتعبير عنه لغة، فداعبت أسطح تلك الفخاريات علامات ورموز وشم هاربة من جسدها الأول نحو جسد ثان، عكست من خلالها تلك الرغبة أو ذلك الشعور الذي يمتلكها وينتشيها في حالة لا واعية، رسوم وخدوش في جسد المادة غطت مجملها بأشكال مختلفة كأنما بتلك العلامات التي ترسمها المرأة هو ذلك الوشم الذي يحز ويخز جسدها هي ترجمة فاضحة لمل تخفيه وما عجزت عن قوله، هي طريقة في التعبير رموز يحملها الجسد كما تحملها قطع الفخارالتي تتعايش وتتضايف بين وخزات الجسد وألم وحرقة الفخار أثناء التحامه بالنار وحرارتها.
مشاهدة لا تخلو من الإثارة لطين تداعبه أنامل أنثى هو في حقيقة الأمر امتداد لها وربما لشهوتها ، مرتبطة بجذورها البربرية وبتاريخ يعبق بروائح التراث ، هذا الجسد الطيني الموشوم والذي يولد بين السر والجهر بين المادي والروحي ولعلها الأرض كما امن بها قدماء البربر من حيث هي بطن العالم ومنها جاءت الولادة والحياة وبهذا الفعل هي شبيهة بالمرأة المليئة بالحياة والمتجددة عبر الزمن. فكانت طينة الأرض تسكنها طاقة لا نراها تعطيها المرأة الحياة من خلال فخارياتها ،هذا الجسد الطيني الجديد الذي يتبنى وشم جسدها وزخارفه المنتشرة في حرف أخرى مثل النسيج وغيره .
انه عالم من الرموز التفت وتحلّت به الخزفيات بين الأشكال الهندسية والنباتية زخارف غطت الملمس وعانقت الأجساد، دلالات دفينة ومعان عميقة فما نشاهده على ظهر الفخاريات هو تجليات أخرى لزخارف المنسوجات فجاءت وشاحا يغطي جسد الآنية كما يغطي جسد المرأة وهذا ما يعكس الارتباط الوثيق بينها وهذه الحرفة، زخارف مهاجرة من خيوط المنسوجة إلى خيوط المادة من جسد صوفي إلى جسد طيني كلاهما يتميزان بالليونة والصلابة وبخصائص جمالية مشتركة. فتصبح الفخاريات الموشحة ذات قدرات إيحائية لافتة حيث يصبح الشكل العام للقطعة بدوره علامة دالة وفاضحة لترسم بالتالي المرأة حدودا جغرافية لهذه الممارسة.
والإبداع يتجاوز أن تكون الفخاريات مجرد حامل لرموز، فالمتأمل الجيد والعين الباحثة يمكن لها أن تجد في الشكل المقولب عدة إيحاءات وأسرار ، تهمس بصوت خافت يمكن لنا عند الإنصات الجيد سماعها تحدثنا عن علاقة حميمة بين الجسد والعلامة وهذا لا ينفي عنها بعدها ووظيفتها الأم .
حيث “لا يوجد صراع بين الجميل والوظيفي، فالشيء يملك جماله منذ أن يظهر شكله وتعبيره في الوظيفة التي يؤديها …”6 فالجسد الطيني هو من جسد أنثوي يتحلى، وتتجانس الأشكال فيه هو وليد رغبة واضحة في المزج بين الشكل الخزفي المادي وما يوحي لنا به من إيحاءات أخرى لها علاقة بالجسد الأنثوي من خلال قوامها واستدارتها، وأحيانا يلعب الفراغ أيضا دورا مهما في تحديد بعض الملامح ففي تقاطع الأشكال والرموز تنتج الصورة الإبداعية والخطابات الجمالية، ولأنه هنا بين الاكتمال واللاكتمال فانه يتطلب من عين الباحث أن تكون عين مدركة وباحثة في آن، هي عين مختلفة عن عين المشاهد العادي تستحضر الغائب وتدرك جيدا أن هناك دوافع وراء هذه الأشكال المقولبة .
نسوة المغرب العربي أثثن فضاءات تشكيلية رائعة بسذاجة الفعل وتلقائية الطفل وتمكن المحترف فتميزن وعبرن عن هوية وذاكرة شعب واحد فرقته الجغرافيا ولكن هناك دائما خصوصية المكان واضحة فرغم الالتقاء في التقنية والرموز هناك نقاط اختلاف تميز منطقة عن اخرى فهل يمكن ان نتحدث عن طين مكان ؟.

هوامش :

1 Cahier des arts et techniques d’Afriques du nord،1974،STP،éditeur –société tunisienne de diffusion.، p 23 ….”La façonnage a la main et au colombin est pratique dans tout le nord marocain ,le jbel et le rif , les poteries de ces régions s apparentent a celle de la Kabylie et leur technique s’étend jusqu’ au nord tunisien”….
2 فوزي سالم عفيفي ، نشأة الزخرفة وقيمتها ومجالاتها ، دار الكتاب العربي ، دمشق ، القاهرة ، الطبعة الأولى . ص32 .
3 عفيف بهنسي العمران الثقافي ، بين التراث و القومية ، دار الكتاب العربي دمشق القاهرة ، الطبعة الاولى ، ص 42 .
4 محمد صالح المراكشي ، في التراث العربي العربي والحداثة ، سلسلة بحوث ودراسات ، قرطاج للنشر والتوزيع الطبعة الأولى ، 2006 ص270.

5 الدكتور عبد العلي الجسماني، سيكولوجيا الابداع في الحياة، الدار العربية للعلوم ، الطبعة الاولى 1995، ص77 .
6Texte cites par pierre francastel ،dans art et technique au XIX siecle – gallimard – paris p28.
…”Il ne peut y avoir de conflit entre le beau et l utile , l objet possede sa beaute dés lors au sa forme est l’expression manifeste desa fonction “….p28

امثلة من فخاريات نساء الجزائر

امثلة من فخاريات نساء المغرب

امثلة من فخاريات نساء تونس

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى