الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوروجواي الصغيرة .. نموذج يحتذى في الديمقراطية والتقدم

أوروجواي الصغيرة .. نموذج يحتذى في الديمقراطية والتقدم

” الشعور الوطني القوي الذي يسود في كل مكان، والذي تتحمس له في الغالب الزعامات الشعبوية من اجل التشبث بالسلطة بشكل كبير لتجاوز مدة رئاساتهم المحددة، غير موجود تماما في قاموس اوروجواي. وهو خيار من الافضل لجيرانها ان يحاكوه. وفي ذلك يقول المؤرخ الاوروجواي جيراردو كيتانو”كلمة الامة لا نستخدمها في الغالب، بل نفضل الجمهورية.” ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“لان هنا لا يوجد احد افضل من غيره” تلك هي العبارة الاكثر ترديدا في هذه الدولة الصغيرة في اميركا الجنوبية وهي الاوروجواي والتي ترجع الى القرن الـ19 وغالبا ما يرددها المفكرون والرؤساء والمواطنون العاديون في كل يوم. وبوصفها تعبير بسيط للروح الديمقراطية، فانها تلخص شعور اهالي أوروجواي حيال وطنهم.
تعد اورواجواي اصغر دول اميركا اللاتينية من حيث عدد السكان حيث يبلغ 3.3 مليون نسمة فقط مقارنة بجارها الكبير البرازيل الذي يبلغ عدد سكانها اكثر من 200 مليون نسمة. ولكن ما تفتقده الاوروجواي في ارقام عدد السكان تعوضه في تصنيفها بانها اقل دول اميركا اللاتينية فسادا واكثرها ديمقراطية، كما تصنفها الامم المتحدة مع تشيلي على انها دولة ذات دخل مرتفع.
تشتهر الاوروجواي بانها”سويسرا اميركا الجنوبية” ويرجع جزء من ذلك الى قواعد السرية المصرفية فيها. وان كانت العبارة تظهر ايضا الاحترام الكبير لسيادة القانون. ففي منطقة يتم اختبار الديمقراطية فيها بشكل متزايد بسوء الادارة الاقتصادية والفساد السياسي وعصابات المخدرات والأزمات البيئية، تعد اوروجواي البلد الوحيد في أميركا اللاتينية التي تصنف ضمن الـ 20 ديمقراطية مكتملة حسب مؤشر الديمقراطية لمجلة الايكونوميست البريطانية لعام 2015 لتتقدم في ذلك حتى على الولايات المتحدة الاميركية.
الشعور الوطني القوي الذي يسود في كل مكان، والذي تتحمس له في الغالب الزعامات الشعبوية من اجل التشبث بالسلطة بشكل كبير لتجاوز مدة رئاساتهم المحددة، غير موجود تماما في قاموس اوروجواي. وهو خيار من الافضل لجيرانها ان يحاكوه. وفي ذلك يقول المؤرخ الاوروجواي جيراردو كيتانو”كلمة الامة لا نستخدمها في الغالب، بل نفضل الجمهورية.”
ربما بسبب ذلك، تحرز الاوروجواي رقم 10 في مؤشرات الحريات المدنية والعملية الانتخابية لتضارع في ذلك النرويج ونيوزيلاند. بينما على الجانب الاخر تاتي الارجنتين والبرازيل بعدها بشكل كبير حيث تحتلان المركز الـ50 والـ51 بين الديمقراطيات المعيبة في العالم وهو ما يؤسف لهما فيه على الرغم من قوتهما الاقتصادية الكبيرة.
ثمة خلل في سجل الاوروجواي، وهو ما يترك علامة تاريخية. فخلال الحكم الاستعماري، كان ميناء العاصمة مونتفيديو محورا لتجارة الرقيق في اميركا الجنوبية. واليوم، فان هذا البلد لديه جالية كبيرة من الاوروجوايين من اصل افريقي: نحو 10% من السكان ينحدرون من العبيد.
يعيش عازف الموسيقى فيرناندو نونيز في نفس المنزل الذي استقر فيه اسلافه من العبيد الأفارقة المحررين في عام 1837. وهو يحب الحديث عن العزف مع جمعية برلين الموسيقية او مع فرقته الموسيقي في وقت المهرجان. غير ان عاطفته تؤججها العنصرية التي لا يزال يراها في العاصمة. ومع ذلك فانه فنان مشهور في مونتفيديو، ويذكر انه يلاحظ اوروجوايين بيض يعبرون الى الجانب الاخر من الشارع في بعض الاحيان عندما يسير في الشارع.
يذكر فيرناندو كابريرا احد ابرز الفنانين في اوروجواي انه باستثناء هذا العيب،”فاننا مجتمع ليبرالي تماما. فهذا ارثنا. فخلال النصف الأول من القرن الـ20، كانت اوروجواي معجزة فريدة في نوعها، ربما اكثر تقدمية مما هي عليه اليوم.” ويشير الى برنامج الاصلاح الليبرالي الذي قاده الرئيس خوسيه باتل اوردونيز، الذي ساعد على خلق مجتمع قائم على المساواة بشكل فريد في قارة العرف السائد فيها هو التناقض التام بين من يملكون ومن لا يملكون. وذلك عبر تقدمات اجتماعية غير واردة في اي مكان اخر في ذلك الوقت، بما في ذلك قانون الطلاق في عام 1913 الذي منح الزوج حق الطلاق عند طلب المرأة ذلك. الشيء الذي لم تقدم عليه اي بلد اخر في المنطقة، حتى تشيلي لم تقنن الطلاق الا قبل 12 سنة فقط.
وقد شكل هذا الارث اوروجواي الحديثة. ففي 2012 وفي تحرك لافت، صارت البلد الثاني في اميركا اللاتينية( بالاضافة الى كوبا) التي تقنن الاجهاض. وقبل ثلاث سنوات، باتت الاوروجواي البلد الاول في العالم التي تقنن بيع الماريجوانا.
وتصير هذه المثالية ممكنة بسبب ما يصفه كيتانو بـ”العقد الاجتماعي” فقط الذي تقوم عليه أوروجواي. فعلى ما يبدو فان الأوروجوايين لديهم اتفاق ضمني على حل الخلافات عبر صناديق الاقتراع، بدلا من حشد الجماهير في ساحات المدينة لاختبار وزن الفصائل المعارضة، كما يحدث في الارجنتين. ويقول”في اوروجواي، فان الاحزاب السياسية اهم من الحركات الاجتماعية”. فلدى الأوروجوايين شكوك صحية في الزعامات الكاريزمية الجذابة وهو ما يحفظهم او يقيهم من آفة الرؤساء الذي يمددون فترات حكمهم بشكل مريب، كما رأينا” في فنزويلا والاكوادور وبوليفيا في السنوات الاخيرة.
ونفس الاعتدال يظهر ايضا في علاقة اوروجواي بالدين. فعند سؤال اي شخص هناك ما الذي يميز بلدكم عن بقية اميركا الجنوبية، فان اجاباتهم التي لا تتغير تقريبا هي”علمانيتنا”. اذ على الرغم من كونها جزء من اكثر قارة من حيث عدد السكان الكاثوليك في العالم، فان اوروجواي تتخذ رؤية مختلفة للاجازات الدينية: فالكريسماس او اعياد الميلاد تعرف رسميا بانها”يوم الاسرة” واسبوع الفصح يشير اليه كل واحد تقريبا على انه”اسبوع السياحة” واجازة 8 ديسمبر يتم الاحتفال بها في كل مكان على انها عيد الحبل بلا دنس لمريم العذراء هو”يوم الشاطئ”، وذلك بفضل دستور 1919 والقانون الذي تم اقراره في ذلك العام لقطع علاقات الحقبة الاستعمارية بين الدين والدولة.
من يزور العاصمة يرى اعدادا لا حصر من توربينات توليد الطاقة بالرياح. ففي اقل من عقد من الزمن، غدت اوروجواي رائدة في القارة في مجال الطاقة المتجددة، حيث انتجت في العام الماضي 95% من طاقاتها الكهربائية من مصادر الطاقة المتجددة لتقلص بشكل حاد اعتمادها على النفط المستورد الذي كان يشكل 27% من وارداتها.
ان هذا مثال ملموس في كيف قامت أوروجواي بالخروج على المعتاد وتطوير نفسها لتتحول الى واحدة من اكثر البلدان تقدما في العالم. فجارتها الارجنتين التي تعصف الرياح بمنطقة باتاجونيا وتنادي باعلى صوتها من اجل إقامة مزارع رياح، تسير بدلا من ذلك في طريق التكسير الهيدروليكي ومحطات الطاقة النووية الجديدة. ان امام اميركا اللاتينية الكثير الذي يمكن ان تتعلمه من أوروجواي الصغيرة.

يوكي جوني
مؤلف كتاب”اوديسا الحقيقية : تهريب النازيين للارجنتين في عهد بيرون.” خدمة نيويورك تايمز خاص”الوطن”

إلى الأعلى