السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف: المعرفة والخلاف

اصداف: المعرفة والخلاف

وليد الزبيدي

أحيانا تقرأ كتابا أو اكثر دون أن تعثر على ضالّتك، ومرات تتوقف عند مقولة أو بيت شعر لتجده يختصر الكثير ويفتح نوافذ طالما كنت تفتش عنها من بين ما تفتش، ويشغل موضوع الخلاف في حياتنا، كما هو في مختلف العصور وفي جميع المجتمعات والشعوب الكثيرين، وبقدر ما يجد البعض في الاختلاف في وجهات النظر وفي التفسيرات وتحليل ما يحصل مسارات ايجابية قد تدخل من خلالها عوالم جديدة أو على الاقل لم تكتشف كنهها من قبل، فأن الخلاف قد يفضي إلى ما لا يحسد عقباه.
في قول ابن رشد:” لو سكت الذي لا يعرف لقلّ الخلاف”، نوافذ حقيقية وعلمية لمنهجية الحوار ، وهنا السكوت لا يعني الصمت المطبق والدائم وتحول الإنسان إلى مستهلك لبضاعة الآخرين مهما كانت حلاوتها وفي حال تم دس السم في ثنايا تلك الحلاوة، أو كانت مفعمة بالسم من بدايتها إلى نهايتها، كما أن ابن رشد لم يذهب بالامر إلى الاصغاء، لأن الفروقات كبيرة وشاسعة بين السكوت والاصغاء، فإذا كان الاول يعني عدم خوض المرء في امر لا يعرفه أو لا يعرف اغلب ما بين سطوره وثناياه، وأن السكوت لا يعني قبول الحديث أو الفكرة على كل ما تحتوي من شوائب وربما سوء ، لكن السكوت بمعناه الاعمق، ينطوي على فكرة اخلاقية – معرفية، فمن حيث المبدأ لا يجوز الجدال في امر لا تعرف كل تفاصيله وجوانبه، وإلا تحول النقاش إلى جدال عقيم وبهذا يتم إلغاء العمق المنشود من النقاش المعرفي – الاخلاقي، واصبح على حد وصف الدكتور محمد عابد الجابري الرد على رد الرد ، وهو السجال الذي لا يفضي إلى نتيجة ومعنى.
هنا المقصود بالسكوت عدة جوانب، يقف في مقدمتها أن يجد المستمع فرصة حقيقية لتلمس خبايا قضية يحتاج إلى اشارات تقوده إلى مسارات تضعه وجها لوجه أمام كل اوجه القضية، وهذه فرص ذهبية لمن يبحث عن المعرفة والاستزادة منها، ونافذة تقترب به من شاطئ الأمان في مسألة أو مجموعة مسائل يحاول المرء تلمسها بعلمية ودقة ووضوح بعيدا عن الفوضى والتضارب في الافكار والطروحات، كما أن السكوت بهذا القصد والمعنى يتيح للاخرين من اصحاب الرؤية اعطاء المزيد وتقديم كل ما هو مفيد في هذه القضية أو تلك.
كما أن وجود الخلاف في حدود ما يشجع على ما يسمى بالعصف الفكري مفيد، أي أن يكون قليلا لا أن يتلاشى تماما، وهنا يتحدث ابن رشد عن ” قلة الخلاف ” وليس تلاشيه بالتمام وبقاء مصدر واحد فقط.
اذن، نحن بحاجة لثنائية السكوت لمن لا يعرف الفحوى والمعنى والاماد، على أن لا يتحول إلى سكوت سلبي بمعنى قبول كل ما يطرح بغض النظر عن منزلة ومكانة وعلمية الطرف الاخر، وثنائية المعرفة وتطويرها، بعيدا عن الانحياز الاعمى الذي يحيل النقاش إلى سجال سلبي القصد منه ابطال حجة الآخر دون مراعاة القصد من ابعاد وجوهره النقاش.

إلى الأعلى