الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رحلة إلى مدينة جنيف (4) المدينة كفضاء تعليمي ترفيهي للأطفال

رحلة إلى مدينة جنيف (4) المدينة كفضاء تعليمي ترفيهي للأطفال

في القسم الجنوبي الشرقي من المدينة يقع متحف التاريخ الطبيعي (Museum d’Histoire naturelle) ويشكل الطرف الآخر من مقطع عرضي بمدينة جنيف وعلى مرتفع يعلو عن بقية المناطق المحاذية للبحيرة في المدينة. ويجاور المتحف باتجاه وسط المدينة معالم سياحية ثقافية وأخرى ترفيهية تمتد باتجاه الوسط لكنها تعلو فوق الأرض تارة، وتختفي تحتها تارة أخرى بحيث تتشكل المدينة من طبقات من الثقافة التي تحتاج لبعض المعرفة المحلية لتحديد أهميتها وطبيعتها مثل كاتدرائية القديس بيير والتي يجاورها متحف أركيولوجيا يختفي تحت الأرض ويضم طبقات أثرية تمت العناية بها بشكل مبتكر ويشكل التجول فيه ثقافة وتجربة رائدة تستحق الزيارة والتوقف عنده.

المدينة والطفل
من النادر، بل ربما من غير المألوف في الكثير من المدن أن تكون البئية الحضرية ومظاهرها مصممة خصيصا لاحتياجات الأطفال وتنمية قدراتهم الذهنية والثقافية والتعليمية بدرجة أساسية وموجهة. بل من الضروري الإشارة أن بيئة الطفل في الفضاءات الحضرية تكاد تنحصر في نمطية معينة وخاصة من المباني تنحصر إما في مبان تعليمية مخصصة أو في بعض الفضاءات المفتوحة المرتبطة بها والتي تحدد وجودهم بالترافق بمعية فئات عمرية أكبر تقنن وتقولب وتعلّب أماكن وجودهم وتفرض إطارا زمنيا، فضلا عن المحددات الفكرية التي تفترض بداهة محدودية قدراتهم العقلية والتعلمية وتعمل كمهيمن صارم يستدعي وصاية فكرية وعقلية وثقافية تؤطر اللامحدود وتقزم آفاق التعلم والتعليم معا.
واللافت أن هناك فصلا حادا بين التعليم والتعلم من جهة وبين اللعب في طرف آخر فيما يتعلق بالطفل وبيئته، بحيث غدت الكثير من المدن عبارة عن بيئات محصورة ومحددة مسبقا وابتداء لحصر وقولبة المباني وأنماطها بناء على تصنيفات وأنماط تفصل فصلا كبيرا بين الوظيفية، والفئات العمرية، وتعددية الفضاءات الحضرية بناء على معايير اقتصادية واجتماعية، فضلا عن السياسية والبيئية. وفي مثل هذا الفصل الطبقاتي الاجتماعي، والفيزيائي الحسي المحدد بمعايير توزيع أنماط المباني والذي يستتبعه فصل في الوظيفية، وفصل آخر مرتبط بالجنسانية (أو الجنوسة بتعبير آخر) تتقزم المدينة وفضاءاتها، على تنوعها وتعددها، إلى مجرد وعاء حاضن مقسم تقسيمات مفروضة بشكل كبير على سكانها من ناحية، وعلى زوارها ومرتاديها، مع تخصيص مساحة، تزيد وتنقص بحسب طبيعة المدينة ومدى انفتاحها بدرجات عوامل الأمان والخصوصية، تتراوح المدن عندها بين مدن أقرب للطبيعة العسكرية الصارمة في تحديد درجات حرية التنقل لتصبح أقرب للكانتونات المغلقة وبين مدن أكثر انفتاحا تتوفر بها عوامل الأمان والمراقبة “غير اللصيقة”، عن بعد وبوسائل التكنولوجيا الحديثة، وبحيث تعمل على توفير حد متوازن من الأمان والمراقبة الإلكترونية في الأماكن الضرورية ولكن مع عدم تقييد حرية المرتادين والقاطنين على حد سواء.
هذه الطبيعة الصارمة او المنفتحة للمدينة، تنعكس، وبالضرورة، على حياة وعقلية وقدرات سكانها في الانطلاق إلى آفاق رحبة من التعلم والثقافة المفتوحة، وتنعكس على جميع فئاتها العمرية وخاصة الطفل. في مدن “التقسيم والتصنيف” المنغلقة، تغفل هذه الطبيعة الكلاسيكية احتياجات الكثير من بعض الفئات العمرية وبخاصة الأطفال بحيث تنحصر وتتراجع مساحات التفاعل بين الطفل وبين البيئة فيها إلى مناطق محصورة وترتبط بأحيزة فراغية “معلبة” ومقولبة في أحسن الأحوال، أو تنعدم وتتراجع بيئاتهم بدرجة مذهلة لفضاءات ترتبط بالمأوى، وفي أحيان بائسة أكثر بظروف عمل وبيئات عمل، مفتوحة أو مغلقة، أكثر صرامة وتحديدا وبؤسا.
في مقابل ذلك، وفي أنماط المدن العصرية، نظريا وعمليا إلى حد ما في بعض مدن العالم، تتحول المدينة من الانكفاء الذاتي، عمرانيا وبيئيا واجتماعيا، إلى ما يشبه الفضاء التعليمي المفتوح الذي توفره جميع مرافقها دون استثناء، وبحيث تندمج وتتكامل عمرانيا وبيئيا مع الأبعاد الثقافية والتعليمية بدرجة غير مسبوقة وبخاصة للطفل. في مثل هذه الحالات تتحول المدينة إلى متحف مفتوح زاخر بتمظهرات مختلفة من أنماط الثقافة والتعليم، ليس فقط في متاحفها ومعارضها الفنية المتخصصة، ولكن حتى في فضاءاتها المرتبطة بالترفيه واللعب. بحيث يصبح اللعب ومظاهره المختلفة بالنسبة للطفل هو مجال للتعلم والتعليم والثقافة.

المدينة المتحف
فيما اجتهد المخططون والمصممون الحضريون واستغرقوا في تحديد العلاقات والمسافات المناسبة بين أنماط المباني المختلفة في المدن، كالعلاقة الحسية بين البيت والمدرسة وأماكن التسوق العامة والمراكز المرتبطة بالعمرية، وأخيرا في إعادة تعريف وسط المدينة وغرقوا في تفريغه من السيارة كزائر طارئ استنفد جهدهم وطاقتهم، كان المتحف بتعريفه الكلاسيكي عنصرا “مضافا” لبعض المدن التي اعتبرها المخططون قفزة نوعية في “الحداثة” والتعبير عن تطلعات السكان والمخططين على حد سواء نحو مدن أكثر معرفية وثقافة، فضلا عن التطور والتمدن. وفي خضم هذه المعركة “التخطيطية” كان جل الاهتمام على التعامل مع الفئات العمرية بفصام كبير وبدرجة من “التراتبية” في الأهمية، فضلا عن ضرورة الفصل بين الفئات العمرية حرصا على توفير درجات من الراحة العقلية وما اعتبر انه متطلبات “مرحلية” لكل فئة، لا تخلو عملية الفصل هذه من نظرة “تحيزية” وافتراضية بوجود “مهم – وأهم – وأكثر أهمية” بنظرة مرتبطة طرديا، على الأغلب، بالجنوسة (في مجتمعات أيديولوجيا قائمة على نظرة تحيزية)، وارتباطات اقتصادية (في مجتمعات رأسمالية صناعية)، والفئات العمرية (في معظم وكافة المجتمعات عموما).
وانطلاقا من ذلك جاء المتحف كنمط “مستحدث” لغايات محددة، مع تنوع محتوياته، وارتبط مفهوم المتحف، بالمعنى الواسع للكلمة، بالحفظ والحفاظ والانغلاق، حتى غدت كلمة دارجة للفضاءات المغلقة، فضلا عن المعنى الضمني بالحماية و”التخزين” وأحيانا ومن قبيل التهكم بالتأطير الحيزي المرتبط بالماضي، والفترات الزمنية الماضية، المنفصلة عن الواقع، حسيا ومعنويا في بعض الأحيان. وفي هذا المفهوم المنغلق، كان من الصعب التعامل مع المدينة، وفيها متاحفها، كفضاء تعليمي مفتوح، سوى ما تحويه من مرافق مخصصة لذلك، ضمن أوقات وأماكن مرتبطة ومخصصة لهذه الغايات وبشروط وبظروف معينة.
مفهوم “المدينة المتحف”، جاء ليستبدل التركيز على البيئة الاجتماعية، التي عبرت عنها المدن التقليدية، كوعاء حاضن ومشكل لعقلية الطفل وتلبية احتياجات نشأته، ليصبح المتحف هو البديل عن المسكن والمدرسة، ولكن ليس المتحف بفكرته التقليدية المنغلقة ولكن بمفهوم “المدينة المتحف” بحيث يصبح كل ما في المدينة متحفا وفضاء تعليميا، تنفتح فيه الحدود والأطر والمحددات العقلية والعلمية والترفيهية والزمنية، لتطلق وتحدد “بيئة مفتوحة للطفل” تلغي عندها الفوارق العمرية المرتبطة بالبيئة المبنية، لدرجة ما، وتتقزم عندها بدرجات ملحوظة محددات أنماط المباني، العامة بدرجة أوسع، لتشترك العديد من المباني والفضاءات الحضرية، في تقديم مجالات وآفاق التعلم للطفل والبالغين على حد سواء، رغم استهداف الفئات الأولى على الأغلب.
في متحف التاريخي الطبيعي في جنيف.. والأرجوحة الدوارة
أثناء زيارتنا لمدينة جنيف، لفت بادئ الأمر نظر موسى أرجوحة دوارة في أحد الشوارع الفرعية من الجهة الجنوبية للمدينة، كانت محطة مهمة للأطفال العابرين في منطقة الوسط المزدحمة. وكانت هناك وقفة أو اثنتان قبل التعرف لاحقا وفي مكان قريب نسبيا على محطة تقف عندها الحافلة وتسمى باسم المتحف. محطة زيارة متحف التاريخ الطبيعي غدت بعدئذ هي الأوفر من حيث عدد الزيارات المتكررة بدرجة غير عادية، وفاقت بدرجات ما يشيع لدى حب الأطفال في ارتياد أماكن الترفيه واللعب. فالمتحف بطبيعة تكوينه ومحتوياته كان مدهشا ومحفزا على التعلم والاستمتاع في وقت واحد. فالعروض تراوحت بين الصالات الكبيرة التي تحوي بيئات طبيعية بتماثيل بالحجم الطبيعي للحيوانات البرية والبحريات والطيور، معروضة بشكل فردي أو على شكل مجموعات، باللون والهيئة التي تحاكي بدرجة كبيرة الواقع الحقيقي مع عروض وشروحات صوتية ممكنة. بالإضافة إلى التوضيحات عكست طبيعة الفضاءات الداخلية بدرجات الإنارة مؤثرات تقترب من الطبيعة في مختلف أشكالها وصنوفها.
في جانب آخر من المتحف كان ثمة قسم مخصص للعلوم الفلكية، وآخر مخصص لدراسة البيولوجيا بطرق ترفيهية ومبتكرة، وهذه كانت مثار اهتمام الكثيرين من الأطفال، ومنهم موسى، حيث يمكن دراسة وتتبع وتقصي علوم البيولوجيا من خلال العمل “كمحقق” جنائي وطبيب ومحلل مختبري لمعرفة المتهم من الذئاب الذي أكل الخروف، فضلا عن دراسة الجينات الوراثية التي تم رسمها بالحجم الكبير على شكل حلزوني ملون في منتصف القاعة. في جانب من المعرض كان هناك سياج من شريط بلاستيكي مما تضعه الشرطة حين وقوع جريمة، مع صورة لسيارة الشرطة في الخلفية وقد توقفت في مسرح جريمة حيث تم افتراس أحد الخراف من المرعى، وفي جانب المسرح تم إيقاف ثلاثة ذئاب معروضة مع قياسات أطوالها كمتهمين لمعرفة الجاني. وفي الجانب الآخر كان هناك مختبر صغير مع “الثوب الأبيض” الذي يستعمله المخبريون ويلبسه الطفل قبل الدخول إلى المختبر لمطابقة الجينات الوراثية لمعرفة وتحديد الذئب المتهم. وفي الواقع فقد كانت هذه الطريقة لدراسة البيولوجيا بشكل ترفيهي وسيلة رائعة لاجتذاب الأطفال مرات ومرات، وكما كان الحال معنا إذ جذب متحف التاريخ الطبيعي انتباه الصغير موسى الذي طلب منا العودة إليه أكثر من أربع مرات، ليقف محاضرا فينا أمام شاشة عرض تبين خصائص الجهاز الهضمي وعناصر الجينات الوراثية وتتبعها.
وفي المقابل تقف الفضاءات العامة الترفيهية للأطفال كجزء ومحرك آخر مخصص لشحن وتفريغ الطاقات الحيوية الكامنة في الأطفال بحيث تتكامل مع البيئة المحيطة ويشعر الطفل بأن المدينة قد انحنت وتواضعت لتناسب مقياسه وقدراته وتعطيه الإحساس بالانتماء اللامحدد بمكان داخل المدينة. هذا التوزيع الفضائي المتناثر والمتكامل بين البيئة المبنية، سواء داخل المباني العامة أو في الفضاءات الحضرية، يعطي المدينة بعدا قريبا من الطفل ويتقارب معه بشكل إنساني أليف، تندمج فيه معا وسائل المواصلات السريعة والسهلة، الترام والحافلة والقطار، في تجانس عجيب وصديق للبيئة، بحيث يصبح التجول في المدينة، فضلا عن كونه متعة، بمثابة كتاب مفتوح للطفل وللبالغين على حد سواء.

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى