الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (وقل لهما قولا ًكريماً)

(وقل لهما قولا ًكريماً)

أيها القراء الأعزاء:
التواضع ولين الجانب وخفض الصوت والمسارعة إلي الخدمة وعدم إظهار الضجر والسخط والطاعة والتوقير هذه كلها من حسن البر والأدب حال حياة الوالدين فكيف هو البر بهما بعد موتهما؟.
أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة عن أبي أسيد (رضي الله عنه) قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال رجل: يا رسول الله، هل بقي عليَّ من بِرِّ أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به قال:(نعم. الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما)، وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه).
روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: زار النبي (صلى الله عليه وسلم) قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. والإنسان يدعو بخير إلي من أحسن إليه أو أسدي إليه معروفا ، فكيف بالدعاء للوالدين؟ (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً)، أخرج البيهقي، عن أنس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إن العبد يموت والداه أو أحدهما، وإنه لهما عاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله باراً).
يعلمنا ربنا في قصص القرآن أن البر من أخلاق الأنبياء، كما يُتقرب إلي الله بالصلاة والذكر والعلم والدعاء والصدقة فإنه يُتقرب إليه ببر الوالدين، فمن أثقل ما يوضع في الموازين يوم القيامة حسن الخلق وهو مع الوالدين أشد وأهم، قال الله تعالى في شأن يحيى (عليه السلام):(وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً) وفي شأن عيسى (عليه السلام) قال:(وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) وهنا فرق بين قول يحي في قوله بوالديه لأنه جاء من أب وأم وفي شأن عيسي في قوله:(وبرّاً بوالدتي) لأنه جاء من أم دون أب.
روى ابن ماجه والنسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي (رضي الله عنه) أن رجلاً قال:(يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة؟ قال (صلى الله عليه وسلم): ويحك أحية أمك؟ قلت: نعم، قال: ارجع فبرها، ثم أتيته من الجانب الآخر فقلت يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة قال ويحك أحية أمك قلت نعم يا رسول الله قال فارجع إليها فبرها ثم أتيته من أمامه فقلت يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة قال ويحك أحية أمك قلت نعم يا رسول الله قال ويحك الزم رجلها فثم الجنة).
بر الآباء هو الرصيد المدخر للإنسان عند الكبر، فمن كان صالحاً مستقيماً بارّاً بوالديه رزقه الله ذرية صالحة بارة به عند كبره، والمعروف عند الله لا يضيع، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
روى الترمذي والحاكم عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(دخلت الجنة فسمعتُ فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، فقال: كذلكم البر. كذلكم البر)، قالت عائشة: وكان بارّاً بأمه. كيف وصل حارثة (رضي الله عنه) إلي هذه الدرجة من البر ليبشره النبي (صلى الله عليه وسلم) بالجنة؟ إن الإيمان هو الذي يصنع النفوس الطاهرة ويربي فيها التقوي والإحسان.
هذا هو بر الصالحين بآبائهم يتقربون به إلي الله رغبة في رضاه، فرضا الله من رضا الوالدين، وليس هناك من ذنب تُعجل عقوبته في الدنيا كالعقوق وقطيعة الرحم.
لولا الرحمة التي وضعها الله في قلوب الآباء لهلك الأطفال، وكل مظاهر الرحمة للأمومة في عالم الإنسان والحيوان ما هي إلا قطرة من رحمة التي وسعت كل شيء، ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم أوطاس امرأة تعدو وتصيح ولا تستقر، فسأل عنها فقيل: فقدت بنيا لها. ثم رآها وقد وجدت ابنها وهي تقبله وتدنيه، فدعاها وقال لأصحابه:(أطارحة هذه ولدها في النار؟) قالوا: لا. قال:(لم؟) قالوا: لشفقتها. قال:(الله أرحم بكم منها).
ما هذه الرحمة العجيبة في قلوب الأمهات! ألا يا ليت الإنسان يتعلم مما حوله، فالراحمون يرحمهم الرحمن.

علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى