الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإفلات من الإجهاد

الإفلات من الإجهاد

عادل سعد

”إن جموح القوة والتلويح بالأفكار المتشددة لم يعد الدرس المقبول الآن، فلا بد من الجلوس على طاولة حوار، فهي الفرصة المتاحة حتمًا لمواجهة التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية، خاصة وأن الربيع الحقيقي لم يعد بالاعتماد على عروض الزهو، والمزيد من الغارات، والمضاربة من أجل تحقيق أرباح على حساب الأرباح المعقولة”

أن تلجأ كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولي إلى الشحن العاطفي في مناشدة الدول ذات الاقتصادات القوية التحلي بالروح التضامنية لإعادة هيكلة الأولويات العالمية في توجهات باتت مطلوبة من أجل حماية الأوضاع الاقتصادية ضمن سقف المشاركة في الهموم، وما تستدعي من مساهمة في الحلول .. أقول أن تلجأ لاجارد إلى اعتماد هذا النوع من المناشدة والتأسيس عليها لمواجهة تحديات قائمة أو محتملة فإن الأوضاع لم تعد تحتمل الانتظار أو المواربة في التعامل مع أزمات قائمة تفرض سطوتها بالمزيد من المخاوف، وانعطافات انكماش وافتقاد لفرص النمو الطبيعي المتوازن المبني على تقديرات مضمونة، وبتفصيل مضاف أن الحالة الاقتصادية للعالم مصابة بالإجهاد.
الواقع هناك كلف كبيرة مؤثرة تحكم العالم الآن، حيث لم تنج من تداعياته أية دولة من الدول حتى التي تفتخر بوجود فائض قيمة سياسية وأمنية واقتصادية لديها إثر تناقص احتياطاتها النقدية واضطراب موازينها التجارية، وما يتبع ذلك من خسائر متكررة بين الحين والآخر.
إن ما ذهبت إليه هذه المسؤولة الدولية لضبط مسارات تلك الأوضاع، فلأن الندية المتوحشة وما تنتج من خصومات لا يمكن أن تصلح بعد الآن عناوين لتقاسم النفوذ، وتأسيسا على هذا المنطق العقلاني نستطيع أن نتفهم النصائح التي صدرت قبل أيام عن الرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن عدم الجمود على استخدام القوة العسكرية المفرطة في سوريا وفي غيرها، وإلى الدفاع عن تقاسم نظرة المصالحة، والبحث عن حلول مشتركة مع موسكو في أكثر من أزمة مشتعلة واحدة، وكأن البيت الأبيض في ذلك يقول لرئيس الوزراء الإسرائيلي أن لا يعتد بقوته العسكرية، وللسبب نفسه أيضا بالنسبة لروسيا والصين في التمني على كوريا الشمالية أن لا تفرط في تهديداتها الصاروخية، وأن يدشن أحمد أبو الغيط الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية عهده في التأكيد على أنه سيبذل قصارى جهده من أجل إعادة روح التضامن للبيت العربي.
إن جموح القوة والتلويح بالأفكار المتشددة لم يعد الدرس المقبول الآن، فلا بد من الجلوس على طاولة حوار، فهي الفرصة المتاحة حتمًا لمواجهة التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية، خاصة وأن الربيع الحقيقي لم يعد بالاعتماد على عروض الزهو، والمزيد من الغارات، والمضاربة من أجل تحقيق أرباح على حساب الأرباح المعقولة، بل في توقع الإجهاد والإفلات منه قبل الإدمان عليه، وهذا ما يبرر الخطوة الروسية بالانسحاب العسكري الجزئي من سوريا.
لقد التقط الرئيس الأميركي أوباما رأس الخيط في هذا الاعتراف المشرف بأن الاعتماد على القوة المجردة ليس لصالح الأميركيين، والتقط الصينيون رأس الخيط أيضًا وهم يحثون بيونج يانج على التحلي بالحكمة والحصافة والثقة بالآخرين، والتقط الأوروبيون ذات رأس الخيط بنسخة سياسية اقتصادية وهم يعيدون ترتيب طاولة اتحادهم من مصادر معاهدة ماستريخت، والكف عن الضيافة المفتوحة، وبهذا يقولون للمهاجرين إن موائد أوروبا لم تعد كما كانت في السابق، وأن عليكم تدبير أوضاعكم بعيدا عنا.
ونستطيع أن نتبين الاتجاه نفسه على هامش إعلام الرأي العام اللبناني وهو يصرح أن لبنان ليس بحاجة إلى مهرجان للرقص الذي يعقد هذه الأيام في بيروت، ويختبر فيه الراقصون مواهبهم، بل هم بحاجة إلى الكف عن الرقص السياسي المحزن الذي أبقى الرئاسة اللبنانية شاغرة حتى الآن.
ونستطيع أن نتبين ذلك في موقف أهالي مدينة بن قردان التونسية التي كانت حاضنة إلى حد ما للجماعات الإرهابية، لكنها انتفضت عليها بدعم قوات الحكومة، وكأن لسان حالها يقول كما قال كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق (إن بعض الإمعان يتحول إلى سوء إدارة).
أمام ذلك، على العرب الاعتراف بالإجهاد الذي أصابهم، وأن يترفعوا عن المواظبة على المكابرة فهي بيت الداء السياسي.

إلى الأعلى