الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فرصة الأمم المتحدة لإنهاء الحرب على المخدرات

فرصة الأمم المتحدة لإنهاء الحرب على المخدرات

لسوء الحظ، فإن هذا الحدث التاريخي ـ الأول من نوعه خلال 18 سنة ـ يبدو أنه على وشك الإخفاق حتى قبل أن ينطلق. فما كان مفترضا أن يكون نقاشا مفتوحا وأمينا وموثقا بالبيانات بشأن سياسة المخدرات تحول إلى شأن افتراضي بشكل ضيق يتم بحثه خلف الأبواب.

أسفرت السياسات المتعلقة بالمخدرات في أنحاء العالم عن قفزة في العنف المرتبط بالمخدرات وإجهاد منظومة العدالة الجنائية بتحميلها فوق طاقتها، وانتشار الفساد وتشويه المؤسسات الديمقراطية. وبعد مراجعة الأدلة، واستشارة خبراء سياسة المخدرات والنظر في أسباب إخفاقنا في هذا الصدد عندما كنا في المناصب، توصلنا إلى استنتاج لا مفر منه وهو: أن الحرب على المخدرات تعد بمثابة كارثة كبيرة.
لنحو عقد من الزمن، نحض الحكومات والهيئات الدولية على الترويج لمقاربة أكثر إنسانية وأكثر وعيا، وأكثر فعالية في التعاطي مع المخدرات “غير المشروعة”. وقد رأينا اختراقا كبيرا قبل عدة سنوات، عندما وافقت الأمم المتحدة على عقد جلسة خاصة للجمعية العامة للنظر في سياسة عالمية للمخدرات. وتقرر أن تبدأ في الـ19 من أبريل المقبل.
لسوء الحظ، فإن هذا الحدث التاريخي ـ الأول من نوعه خلال 18 سنة ـ يبدو أنه على وشك الإخفاق حتى قبل أن ينطلق. فما كان مفترضا أن يكون نقاشا مفتوحا وأمينا وموثقا بالبيانات بشأن سياسة المخدرات تحول إلى شأن افتراضي بشكل ضيق يتم بحثه خلف الأبواب.
ففي إطار الاستعدادات لجلسة الشهر المقبل، عقدت مفوضية الأمم المتحدة للعقاقير المخدرة في فيينا سلسلة من الاجتماعات التحضيرية مع 53 من الدول الأعضاء فيها. وتولت المفوضية مسئولية صياغة إعلان يتم تبنيه من قبل كل أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة الـ193، وعليها الانتهاء من ذلك هذا الأسبوع.
بيد أن أغلب المفاوضات التي تتولاها تلك اللجنة إما أنها غير شفافة أو فضفاضة. فقد تم استبعاد المساهمات من قبل وكالات الأمم المتحدة الرئيسية العاملة في مجال الصحة والجنس البشري وحقوق الإنسان والتنمية وغالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. إضافة إلى منع عشرات من منظمات المجتمع المدني من أنحاء العالم من حضور الاجتماعات.
زد على ذلك، أن الإعلان المقترح يمثل انتكاسة وليس خطوة للأمام. فهو لا يعترف بالفشل الشامل لنظام مراقبة وضبط المخدرات الحالي في الحد من العرض والطلب. وبدلا من ذلك، فإنه يكرس تجريم المنتجين والمستهلكين. ويقترح الإعلان قليل من الحلول العملية لتحسين حقوق الإنسان أو الصحة العامة. باختصار، فهو يوفر أملا ضئيلا لتقدم مئات الملايين من البشر الذين يعانون من النظام العالمي للسيطرة على المخدرات الفاشل.
إذا كانت الأمم المتحدة تريد مواجهة جادة لمشكلة المخدرات بالطريقة التي تعزز بالفعل صحة ورفاهية البشرية، فها هي المقترحات التي يمكن للجمعية العامة أن تتبناها.
أولا: يجب على كل أعضاء الأمم المتحدة إعادة النظر في مسألة تجريم وسجن مستخدمي المخدرات ـ خطوة مهمة صوب تعزيز الصحة العاملة وإعلاء شأن حقوق الإنسان وضمان الحريات الأساسية. ثانيا: يجب على كل الحكومات أن تلغي فورا عقوبة الإعدام في الجرائم المرتبطة بالمخدرات. فهذه ممارسة من القرون الوسطى يجب التخلص منها للأبد. ثالثا: يجب على أعضاء الأمم المتحدة تخويل منظمة الصحة العالمية مراجعة النظام المقترح للمخدرات على أساس علمي وليس على أساس فكري أو عقائدي.
الأهم، هو أنه يتعين على الدبلوماسيين الذين سيحضرون الجلسة الخاصة بالمخدرات الشهر المقبل مواجهة العجز الواضح لأغلب قوانين المخدرات الموجودة. إن السبيل الوحيد لانتزاع السيطرة على تجارة المخدرات من الجريمة المنظمة وتقليل العنف ومواجهة الفساد يتمثل في أن تقوم الحكومات بضبط وتنظيم المخدرات.
ليس هذا تحولا جذريا كما قد يبدو. فالتجارب الخلاقة في تنظيم المخدرات تجري على قدم وساق في سائر أنحاء العالم، وتقدم دروسا مهمة لمن هم مستعدون للاستماع.
على سبيل المثال، فإن الخطة الوطنية للصحة في سويسرا، تؤيد الآن العلاج بمساعدة الهيروين والمحافظة على جرعات للمدمنين بغية الحد من الإضرار بهم. وتوقفت البرتغال عن تجريم استخدام كل المخدرات في عام 2001، مع انخفاض كبير في الجريمة والفوائد الصحية العامة بما في ذلك انخفاض معدلات انتقال فيروس نقص المناعة البشرية.
كما تحدث أيضا تغيرات مذهلة في سياسة المخدرات في أنحاء الأميركتين. فقد قننت 23 ولاية في الولايات المتحدة الماريجوانا للأغراض الطبية وللاستجمام. وأغلب حكومات أميركا اللاتينية تتخذ خطوات، وإن كانت خجولة، لوقف تجريم استخدام بعض المخدرات. وتتقدم الأوروجواي في ذلك كثيرا، حيث قامت بتقنين وتنظيم سوق القنب أو الحشيش من الإنتاج إلى التوزيع إلى البيع، مع وجود حقوق الإنسان في محور استراتيجية البلد.
ما زال هناك وقت أمام اللجنة الخاصة في الأمم المتحدة للعودة إلى المسار الصحيح، ونأمل أن يتم ذلك. وحتى إذا لم يتوافق التجمع أو يكون على مستوى مقوماته وإمكانياته الكاملة، فإننا نشجع رؤساء الدول والحكومات على اختبار مقاربات للمخدرات ترتكز على الدليل العلمي والحقائق المحلية. فهذا هو السبيل الوحيد للوصول إلى نظام ضبط عالمي فعال للمخدرات يضع أرواح وسلامة وكرامة الأشخاص فوق كل اعتبار.

فيرناندو هينريك كاردوسو
وسيسار جافيريا
وارنيستو زيديلو كاردوسو رئيس سابق للبرازيل
ورئيس المفوضية العالمية لسياسة المخدرات،
وجافيريا رئيس سابق لكولومبيا
وزيديلو رئيس سابق للمكسيك،
خدمة “ام سي تي” خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى