الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / النفاق يحكم الموقف الأميركي من بريطانيا والاتحاد الأوروبي

النفاق يحكم الموقف الأميركي من بريطانيا والاتحاد الأوروبي

في الوقت الراهن، ربما ترى واشنطن قد يكون أن المملكة المتحدة يمكن أن تخدم الولايات المتحدة بطريقتين، الأولى كحليف في حد ذاتها، والثانية كمتحدث باسم النظرة الأميركية داخل الاتحاد الأوروبي. فلماذا تحرم أميركا من الدور الثاني بسبب الخروج البريطاني من الاتحاد الاوروبي؟

شن بوريس جونسون، عمدة لندن والقيادي البارز في حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مؤخرا هجوما وقائيا ضد التدخل الأميركي المتوقع. فعلى ما يبدو أن الرئيس باراك أوباما يخطط لزيارة لندن بين الآن وموعد الاستفتاء في شهر يونيو، لمساعدة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وحكومته لينصحهما بالقول غير مرة إن على بريطانيا ألا تغادر الاتحاد، وهو ما وصفه جونسون بنفاق فاضح وباهظ.
جونسون لديه وجهة نظر عن هذا النفاق. فالبقاء عضوا في الاتحاد الأوروبي ينطوي على تنازل جوهري وفي جميع الاحتمالات متزايد عن السيادة لصالح مؤسسات الاتحاد الأوروبي ـ البرلمان والسلطة التنفيذية والمحكمة العليا، ولا يصدق أن أوباما أو أي رئيس للولايات المتحدة يمكن أن يفكر في مثل هذا الترتيب لأميركا. وجونسون لا يبالغ عندما يقول إن الولايات المتحدة تدافع عن سيادتها بنوع من “اليقظة الهستيرية”، ومع ذلك يرى الأميركيون عادة المخاوف البريطانية حول السيادة غريبة وخارج الموضوع.
حتى بالنسبة لدولة متوسطة الحجم مثل بريطانيا ـ بل وبالنسبة لبلدان أصغر من ذلك بكثير ـ فإن السيادة ليست أسطورة أو وهما. فالحقائق الاقتصادية والجيوسياسية تقيد الخيارات، وكلما كانت الدول أصغر حجما وأكثر فقرا، صارت القيود أشد. ولكن الناس لا يزالون يسألون، أين تكمن تلك الخيارات، حتى لو كانت مقيدة؟ ومن الذي يحددها؟ من المهم القول إن كوستاريكا لديها قدر أكبر من الحكم الذاتي من ولاية كانساس.
لو وضعنا انشغال بريطانيا بالحكم الذاتي جانبا، ثمة سؤال مختلف تماما يستحق النظر: هل أوباما على حق في تحديد أين تكمن المصالح الأميركية في كل هذا؟ هل عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي تجعل منها حليفا أكثر قيمة للولايات المتحدة؟
من الصعب الإجابة على السؤال. ففي الشؤون الدولية، تعد بريطانيا عادة أكثر اتساقا مع أميركا وليس مع الطرق الأوروبية للتفكير ـ ليس فقط في موضوع السيادة، ولكن أيضا على القيادة الأميركية، والحاجة لدفاع وطني قوي، واستخدام القوة في السعي لتحقيق الأمن العالمي. في الوقت الراهن، ربما ترى واشنطن قد يكون أن المملكة المتحدة يمكن أن تخدم الولايات المتحدة بطريقتين، الأولى كحليف في حد ذاتها، والثانية كمتحدث باسم النظرة الأميركية داخل الاتحاد الأوروبي. فلماذا تحرم أميركا من الدور الثاني بسبب الخروج البريطاني من الاتحاد الاوروبي؟
على المدى القصير يبدو هذا صحيحا: ففي الوقت الراهن تعطي بريطانيا في الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة الميزتين. لكن مع مرور الوقت من المحتمل أن تتغير التزامات بريطانيا تجاه الاتحاد الأوروبي. فقد لا تندمج بريطانيا في كيان الولايات المتحدة الأوروبية الذي لا يزال البعض يتصوره، ولكن الأرجح أن ينشأ تعاون أوثق حسب الاختيار أو الضرورة، بما في ذلك في الشؤون الخارجية. وقد يستمر التأييد البريطاني للولايات المتحدة على نحو مفترض ولكن قدرتها على التصرف كحليف مستقل قد لا تستمر. فمع أو بدون اتحاد سياسي كامل، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يمنع قدرة المملكة المتحدة على العمل جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة.
السؤال عندئذ: ما الشيء الأكثر قيمة لأميركا ـ حليف عسكري موثوق إلى حد ما متوسط الحجم، أم اتحاد أوروبي أكثر ميلا، وذلك بفضل النفوذ البريطاني، لرؤية الأشياء على الطريقة الأميركية؟
التوازن يمكن أن يحسب في أي من الاتجاهين. هناك أمور كثيرة تعتمد على مدى ظنك في تأثير البريطانيين في أوروبا على افتراض أنهم قد عقدوا العزم على تحقيق مهمة الإقناع والتوقف أن يكونوا على الدوام على خلاف مع شركائهم في الاتحاد الأوروبي.
لقد توصلت على مضض إلى أنه على الرغم من تكلفة تقلص السيادة، يجب على المملكة المتحدة البقاء في الاتحاد. هذا ليس لأن البريطانيين سيتوقفون يوما ما عن التذمر أو يشعرون أنهم ينتمون إليه، ولكن لأن بديل البقاء سيكون طلاقا مكلفا مدمرا، وهذا أسوأ. من الصعب الحكم أين تكمن مصالح الولايات المتحدة في هذا الاختيار، ولكن جونسون على حق في شيء واحد: هو أن أوباما قد يجامل البريطانيين بفهمه لأفكارهم الأميركية المميزة حول السيادة.

كليف كروك
كاتب عمود وعضو هيئة التحرير ببلومبيرج فيو
خدمة “واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز” ـ خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى