الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الانتفاضة… وما قاله بن جوريون لناحوم جولدمان

الانتفاضة… وما قاله بن جوريون لناحوم جولدمان

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

بقي أن نقول إن خطة مردخاي هذه، أو اتصالاته، تجري باطلاع من الأميركيين عبر منسِّقهم الأمني الجنرال بيرد رودشهايم، وهدفها هو “منع المس بالتنسيق الأمني”، و”تثبيت الوضع الميداني، و”تقليل الاحتكاك” بالمنتفضين، أو توكيل أمر مواجهتهم لأجهزة السلطة!!!

لم تك بالمصادفة أن يودِّع نتنياهو نائب الرئيس الأميركي بايدن ويستقبل المبعوث الفرنسي بيير فيمو بالإعلان عن مصادرة 2300 دونمًا من محيط مدينة أريحا المحتلة. كان لافتًا بحق تعمُّد التأكيد على أن الإعلان التهويدي هذا قد أُتخذ في اليوم الثاني والأخير لزيارة بايدن لفلسطين المحتلة، واليوم الأول لوصول فيمو إليها، ثم لا تجد وزارة خارجية الكيان الصهيوني ما ترحِّب به بضيفها الأخير، القادم لمجرّد إجراء محادثات ترويجية “لإعادة إطلاق المفاوضات”، سوى إعرابها عن أنها “تجد صعوبةً في فهم منطق مبادرة السلام الفرنسية”.
هذه الأريحية النتنياهوية لا تستدعي عجبًا ولا من غرابة في مثلها، لأن المنظومة الصهيونية الاستعمارية بالمجمل تقوم على التهويد، وهي إذ تستند، ومنذ أن اختلقت، على البنوة والرعاية والحماية والدعم الغربي اللامحدود، فكل المبادرات وسائر المناورات والمساعي الغربية غير الحميدة، وعلى اختلاف أشكالها وأطوارها، وبغض النظر عن بعض المعارضة اللفظية المنافقة لما يدعى “الاستيطان”، تأتي كلها لضمان وجود واستمرارية هذه المنظومة، أو كيانها المفتعل الهش مهما ضخَّمت جبروته ومكنته في القلب من المنطقة التي تلفظه، وتسعى لفرضه وتثبيته عنوةً فيها…لذا بات خطر الانتفاضة المتواصلة الآن هو بمثابة الأمر اليومي عندهم.
لكنما ما لا يكفي وصفه بالمستغرب، وحتى بالعجب العجاب، هو أن يتوازى هذا مع تعهُّد متلفز من رئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال في رام الله بمنع تطوُّر الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الراهنة، هذا المتسارعة إرهاصاته باتجاه استخدام كافة المتاح من أشكال المقاومة وأدواتها بلا استثناء بما فيها العصيان المدني، وحرصه على توديع بايدن والترحيب بفيمو بإعادة إشهار عقيدته التليدة: “القتال العسكري لن نقبله ولن نسمح به”. وإذ هو هنا يكرر معهود عدم قبوله ومشهود عدم سماحه، يطرح أيضًا ذات بديله الذي لا يتبدَّل عنده، أو يكشف عن ما لم يستره يومًا، وهو أنه يدخل في حوار مباشر مع كل “الأطياف الإسرائيلية” بهدف “إقناعهم بالحق الفلسطيني في إطار النضال السياسي”!!!
الحوار الأوسلوستاني في سياق النضال التسووي السياسي هذا، أو الجاري منه راهنًا، سبق وأن أشارت إليه مؤخرًا صحيفة “هآرتس” عندما تحدثت عن مفاوضات سرِّية بدأت بين السلطة والاحتلال الشهر المنصرم وتتمحور حول إعادة إحياء أوسلو أمنيًّا، عبر إعادة تدرُّجية لسيطرة أجهزة السلطة الأمنية على ما تسمى أوسلويًّا بالمنطقة “a”، أو ما يقارب خمس الضفة، المشتمل على مدن وتجمُّعات سكانية كبيرة خاضعة نظريًّا لها، بمعنى تلزيمها المباشر بقمع الانتفاضة نيابة عن الاحتلال، على أن يتم البدء برام الله وأريحا، وفي حالة قيام السلطة بالمهمة المطلوبة بجدارة، يتم التوسُّع في الخطة بتوسيع سيطرتها على مدن وتجمعات أخرى وهكذا، ولكن مع إبقاء سيف التدخُّل الأمني الصهيوني مشرَّعًا في الحالات التي دعيت بـ”القنبلة الموقوتة” في هذه المناطق التي سيسمح للسلطة بالسيطرة الأمنية عليها… لاحقًا وضع رئيس أركان جيش الاحتلال الجنرال ايزنكوت النقاط على حروف ما نقلته “هآرتس” حينما كشف عن أن حوارية النضال السياسي الأوسلوي العتيدة لا تتعدى “اتصالات” يجريها الجنرال يوآف مردخاي “في إطار التنسيق الأمني الإسرائيلي الفلسطيني، ولا يدور الحديث عن عملية سياسية يديرها الجيش”…وإذ حذَّر ايزنكوت بأن “انهيار السلطة لا يصب في صالح إسرائيل”، أوضح أن توسيع صلاحياتها الأمنية لن يحول دون أن يدخل جيشه مناطقها وقتما يشاء، “وإذا كان هناك حاجة أن يدخلها ثماني مرات في اليوم سيقوم بذلك”…
بقي أن نقول إن خطة مردخاي هذه، أو اتصالاته، تجري باطلاع من الأميركيين عبر منسِّقهم الأمني الجنرال بيرد رودشهايم، وهدفها هو “منع المس بالتنسيق الأمني”، و”تثبيت الوضع الميداني، و”تقليل الاحتكاك” بالمنتفضين، أو توكيل أمر مواجهتهم لأجهزة السلطة!!!
ما تقدَّم يعني أمرًا واحدًا وهو أن الصهاينة قد فهموا الانتفاضة الحالية…فهموها ربما أكثر من كثير النخب الفلسطينية ناهيك عن العربية. وعندما نقول النخب، فنحن بالطبع لا نتحدث هنا عن الأوسلويين أو سائر التسوويين، أو هؤلاء الذين ينطبق عليهم المثل القائل “فالج لا تعالج”… لقد فهموها إعلانًا محتومًا عن استحالة تعايش بين المُحتلين ومن احتلت أرضهم، فأدركوا سر استمراريتها، وبالتالي مدى خطورتها ومصيريتها على وجودهم برمته. وإذ أقروا بعجزهم عن إيقافها، ودب الذعر في تجمُّعهم الاستعماري، اختلفت اجتهاداتهم حول سبل مواجهتها، لكنهم لم يختلفوا لا على مواصلة التهويد ولا على متابعة التنكيل والبطش بشعب أعزل مستفرد به. في هذا يقول قائلهم وهو إيتان هابر في صحيفة “اسرائيل اليوم” المقرَّبة من نتنياهو: إن “الجديد في هذه الانتفاضة، خلافًا للانتفاضتين الأولى والثانية، بأن هذه المرة ليس لهذا الأمر نهاية. أبناء الأولاد الفلسطينيين الحاليين سيكونون جزءًا من الانتفاضات التالية أيضًا، الأطفال الصغار اليوم هم المقاتلون غدًا…ليس لدى الشعب الفلسطيني مال، ليس له طعام، ولكن لديهم أناس كالرمل الذي على شاطئ البحر، قد نكون نستخف بهم، ولكنهم لا يستخفون بنا”.
…يروي حاييم جولدمان أن ديفيد بن جوريون قد أسرَّ له ذات مرة، “لو كنت عربيًّا ما كنت لأبرم معاهدة سلام مع إسرائيل، وهذا أمر طبيعي… لقد أخذنا أرضهم”…

إلى الأعلى