الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الخطاب الديني في وسائل الإعلام الرسمية .. التجربة العمانية نموذجا (2 ـ 2)

الخطاب الديني في وسائل الإعلام الرسمية .. التجربة العمانية نموذجا (2 ـ 2)

1. السياسة الإعلامية منذ بداية النهضة
كانت عمان قبل عام 1970م تنقسم على نفسها بشكل مخيف، فالإمامة كانت تنازع من أجل استبقائها مهيمنة على الجزء الداخلي من عمان، والثورة في ظفار التي اشتعلت في عام 1956م كانت تنادي باستقلال الإقليم عن الاسم الكبير عمان1، فكان على جلالة السلطان أن يبذل جهدا كبيرا لتوحيد هذه الصفوف ونظمها في سلك وطن واحد يسعى لبناء نفسه وصناعة تاريخه، وسوف يشترك من أجل هذا البناء كل أطياف المجتمع من مختلف مذاهبهم وأعراقهم، وهو ما يعني الاحتفاظ بنمط التعايش المتين بين أبناء الوطن دون اعتبار أي نوع من التمييز، وقد ظهر هذا في تشكيلات الحكومة المبكرة، ثم في الإعلام بشكل أوضح.
كان الخطاب الذي أسس لهذا المفهوم ألقاه جلالة السلطان عند تسلمه للحكم عام 1970 م: ” سأعمل بأسرع ما يمكن لِجَعْلِكُمْ تعيشون سُّعَدَاء لمستقبل أفضل .. وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب “2، ويستمر العمل بهذا النهج بحزم وإتقان طوال مسيرة النهضة، وبعد أربعين سنة، يصدر التقرير السنوي للحريات الدينية لعام 2010م الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، ليشيد بالسلطنة وفكر صاحب الجلالة السلطان المعظم في إطار التسامح، هو تأكيد لمشهد قائم رسّخ لمبادئ الحوار والاعتدال والفكر الحر المنفتح.
ويؤكد التقرير: أن سلطنة عمان لم تشهد وجود إساءة أو تمييز على أساس الانتماء الديني أو الاعتقاد أو الممارسة، وأن هناك ما لا يقل عن مليون شخص يعيشون جنبا إلى جنب مع العمانيين رغم اختلاف التبعية الدينية دون مشكلات تذكر3.
وبالنسبة للإعلام فقد تولى الحقائب الوزارية الخاصة به شخصيات تنتمي إلى مذاهب مختلفة، وتعمل جميعا بنظام واحد، كما تولى الظهور الإعلامي شخصيات مماثلة أيضا في جميع برامج الإذاعة والتلفزيون، ولم تظهر طوال المسيرة الإعلامية أي انحرافات عن هذا النهج، وتم تسخير جميع البرامج لمساندة المشروع الوطني في التنمية والبناء، وغرس مبادئ الأخوة والتعاون على أساس الدين والمواطنة، ومن أجل هذا منع منعا باتا استخدام أي مصطلح مذهبي أو عرقي حتى في أوقات التأزم السياسي القائم على الاعتبار المذهبي كما حدث في تنظيم الشيعة 1987م، والإخوان المسلمين 1994م، والإمامة 2005م. وسوف نبين هذا لاحقا بحول الله.
وقد تم هذا من الناحية التطبيقية طوال المسيرة الإعلامية بسبب الحزم الشديد في تطبيق هذه المبادئ المتفقة أصلا مع الفقه السياسي عند العمانيين، يؤكد ذلك وزير الإعلام الحالي الدكتور عبد المنعم الحسني في الدورة العادية السادسة والأربعين لوزراء الإعلام العرب في إجابته عن الأثر الإعلامي في غرس قيم التسامح:” إذا التزمت كل الوسائل الإعلامية العربية بالقرارات الصادرة مع الالتزام بمبادئ الإسلام الحنيف لرسم صورة الحضارة الإسلامية الناصعة في نشر القيم ومبادئ التسامح والاعتدال”4
أما من الناحية النظرية فإن اللائحة المنظمة للعمل الإعلامي والتي تتبناها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون حاليا تضع استراتيجية التعايش التالية: تعزيز وترسيخ قيم ومفاهيم المشاركة المجتمعية الفعّالة القائمة على التسامح، والحوار، واعتماد الوسطية في تفعيل ذلك، وتعزيز، وترسيخ قيم الإنتاج لدى المواطنين وخاصة الشباب، واحترام جميع المهن والأعمال، وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي من خلال تنمية الإحساس لدى المواطن بأنه جزءٌ من كيان المجتمع لا ينفصل عنه، وأن أي جهد يبذله تعود نتائجه بالخير على المجتمع وأسرته وشخصه.5
التعايش الإعلامي في الإذاعة :
انطلقت إذاعة السلطنة في الثلاثين من يوليو 1970م، أي بعد أسبوع واحد من انطلاق مسيرة النهضة العمانية الحديثة 1970م، وكان ذلك ضروريا لبداية المشروع النهضوي الجديد بقيادة جلالة السلطان قابوس، وقد كانت الحاجة إلى إنشاء الإذاعة في بدايات حكم السلطان ضرورية لأمرين:
أولا: لمواكبة مشروع النهضة في كل تفاصيله.
ثانيا: تهيئة المجتمع العماني لقبول مشروع الوطن الواحد، والتصدي للتيارات الأخرى التي كانت تنشط سياسيا وفكريا آنذاك، وقد كان بعضها يمتلك إذاعة خاصة، مثل ثورة ظفار6.
وقد أعلن جلالة السلطان نفسه عن هذا الهدف بقوله في خطاب عام 1970م : ” إن لدينا الآن محطة إذاعية وهي التي أتحدث إليكم منها هذه الليلة، وقد أمرنا الحكومة أن تجري مسحا لاحتياجات البلاد لإذاعات الراديو والتليفزيون، لا لمواجهة الاحتياجات الترفيهية المشروعة فحسب، بل لما هو أهم ألا وهو أن نجلب لشعبنا فوائد التعليم العام.”7. انطلقت الإذاعة تحت وصاية وزارة الإعلام والشؤون الاجتماعية والعمل وبرئاسة محمد بن عبدالله الطائي الوزير المسؤول آنذاك، فتنوعت برامجها الدينية والثقافية والسياسية والترفيهية. وما يعنينا هنا هو البرامج الدينية وقدرتها على صناعة جو من التعايش بين أفراد المجتمع ذات التنوع المذهبي والسياسي.
لا تعتمد الإذاعة نسبة حصصية للمذاهب الإسلامية في المشاركة البرامجية، وإنما حسب الطلب المقدم من أي واحد منهم باعتبار أنهم مواطنون عمانيون وليسوا أصحاب مذاهب، إلا أنه يجب على كل مشارك أن يلتزم بأخلاق الإعلام العماني، بحيث يعتبر نفسه جزءاً من الوطن وليس جزءاً من الفكر، ولهذا السبب فإنك تجد أحيانا غلبة مذهب على آخر من حيث المشاركة، كما في التلاوات القرآنية، حيث تبث الإذاعة تلاوات قرآنيه لقراء مشاهير على مستوى العالم الإسلامي وهم لا ينتمون إلى المذهب الإباضي حتما. وتظهر هذه الصفة أيضا في بعض البرامج الدينية ذات الطابع الدارمي الإسلامي، حيث يتم شراء معظمها من مصر ومن بلدان الشام، ومنها أيضا برامج التفسير، كتفسير الشيخ الشعراوي، وكلمات ومعاني من القرآن الكريم للشيخ عبدالرحمن البدري، وبرامج التفسير التي يتم إعدادها بشكل درامي كتفسير جامع البيان للقرطبي.
إن هذا النوع من التعايش وحده فقط الذي يمكن للأوطان أن تهنأ فيه بعيش كريم وتتلاقى سواعد أبنائه على بنائه، وعلى تنمية حاضره وتعزيز مستقبله، كما أن كل واحد من هؤلاء يفتخر بملء فيه بانتمائه إلى هذا الوطن الكريم الذي يحترم ذاته وإنسانيته ومعتقده، وبالتالي يتولد لديه استعداد كامل للدفاع عنه بالسيف والقلم .
البرامج الدينية في التلفزيون:
رغم قلة البرامج الدينية في التلفزيون طوال العام ـ ما عدا شهر رمضان المبارك ـ فإن ما يقال في الإذاعة يتبلور في التلفزيون صوتا وصورة، ويدحض ما يمكن أن يظن بأن التعايش البرامجي مجرد مشاركة إذاعية يراعى فيها الأمن الداخلي والاستقرار القومي، بينما يمكن أن يكون التلفزيون واجهة أخرى.
والحقيقة أن التلفزيون يعزز جانب التعايش بشكل فصيح، ولا يدع مجالا لأي تكهنات أخرى. ففي التلفزيون تتنوع البرامج الدينية من حيث المواضيع والفئات المستهدفة، ويتوزع الشيوخ حسب مذاهبهم وانتماءاتهم الفكرية لتقديم خلاصة علمهم وما منّ الله به عليهم.
إن معظم الشخصيات التي شاركت في الإذاعة شاركت أيضا في التلفزيون رغم برامجه المحدودة، لكن التنوع المذهبي ظاهر بشكل فصيح، كما أن المواضيع ذات طابع قيمي وأخلاقي، تسعى بالمجتمع إلى مزيد من السمو والفضيلة، وتدعوه إلى التعاون والمشاركة المجتمعية في جميع صورها. وتتضح روح التعايش في البرامج المستوردة، فهي برامج يشترك فيها أصحاب مذاهب مختلفة، دون أن تكون هناك قيود على المشاركة، سوى تلك المتعلقة بمبدأ التعايش نفسه.

المحطات السياسية الداخلية وتعامل الإعلام معها .
تدأب كثير من الحكومات في الشرق والغرب على تسخير الآلة الإعلامية لتشويه سمعة المعارض أو المتمرد كما تصفه، واستخدام الجانب الديني لإقصائه عن الساحة السياسية والفكرية، وقد يصل الأمر أحيانا إلى إخراجه من الملة والدعوة إلى نبذه وتكفيره، يحدث هذا بشكل واسع في العالم الإسلامي كلما صعد إلى منصة الحكم أحد المصارعين عليه، الذين وصولوا إلى سدته على أسنة الرماح وليس على أجنحة الشعب. فإذا استقر لهم الحال وبرزت على السطح مجموعة من المعارضات الداخلية أسرع الإعلام إلى صفهم بالمارقين أو الخوارج، وهو مصطلح استخدمه بنو أمية سابقا لإقصاء مخالفيهم، وظل هذا المصطلح يستخدم إلى اليوم مع وجود مصطلحات ذات منشأ غربي مثل : الأصولية، والإرهاب. وفي أحيان كثيرة، يتم تسخير المتوافقين دينيا وسياسيا مع الحكام لدعم توجهات السياسة في إقصاء المعارض دينيا سواء كان مصيبا أو مخطأ. ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب في محطات كثيرة من عالمنا الإسلامي إنما تتعدى أيضا على معتقدات دول أخرى، وعلى جماعات ثانية تعيش بعيدا عن دولها، لا لشيء وإنما لمجرد أنها تمتلك تأثيرا على شريحة من المواطنين الذين يغلبون الانتماء الفكري على الانتماء الوطني . ومع حدوث نوع من هذه الانتماءات في السلطنة في فترات متقطعه إلا أن ” الإعلام العُماني اهتم بالتنمية والبناء ولم ينشغل بتسجيل المواقف، أو الدخول في أي من المشاحنات والخلافات، ولكنه ينشغل دوماً بما يقرب ويدعم التفاهم، وتجاوز الخلافات، ليس فقط لأن السلطنة ليست لها منغصات مع أحد، ولكن أيضاً لأنها تؤمن بأن ما يجمع بين الأشقاء والأصدقاء هو أكبر وأعمق مما يفرق بينهم، وأن شعوب المنطقة تتطلع إلى الاستقرار وإلى مزيد من التقدم والرخاء”8.
وإذا كان ذلك يحدث بشكل واسع في حق المصيبين والمخطئين معا؛ فإن عمان تظل هي الوحيدة التي تقدم للعالم الغربي والإسلامي نموذجا رائعا، يتعامل مع المعارضين أو مناهضي الحكم باعتبارهم مخطئين فقط، بغض النظر عن انتمائهم المذهبي أو الحزبي، مع الحرص على نعتهم بأنهم مواطنون، وينتمون إلى هذا التراب، ولكنهم تنكبوا الطريق عندما أخطأ التقدير. يكشف عن ذلك خطابُ جلالة السلطان قابوس في نزوى عام 1994م ” إن التطرف مهما كانت مسمياته، والتعصب مهما كانت أشكاله، والتحزب مهما كانت دوافعه ومنطلقاته، نباتات كريهة سامة ترفضها التربة العمانية الطيبة التي لا تنبت إلا طيبا، ولا تقبل أبدا أن تلقى فيها بذور الفرقة والشقاق9″. توجه أوامر صارمة إلى الإعلام المسموع والمرئي والمقروء بضرورة تجنب الحديث عن مذاهب المعارضين وعن أحزابهم، ولا ينتقص من وطنيتهم أيضا، إنما تتم المعالجة في أروقة الدولة الأمنية فقط، بينما يواصل الناس متابعة الإعلام بعيدا عن أي ضجة.
” وإذا كانت الطائفية تهيمن على المجتمعات في الخليج بدرجات متفاوتة، ولكن لا يبدو أن لها الوقع نفسه في عُمان. فعلى الرغم من تنوع المذاهب الإسلامية والأصول العرقية للمجتمع العُماني، إلا أن الدولة لم تقف إلى جانب أي طائفة أو عرق. وقد طالت عصا السلطة الجماعات الإسلامية المتشكلة على خلفيات مذهبية مثل الإخوان المسلمين وجماعة الشيعة الشيرازية والجماعة الإباضية، مما يوحي بعدم تحيز الدولة إلى أي جماعة بشكل فاعل”10.

الخاتمة

يمكن تلخيص هذه القراءة في بيان دعائم التعايش في عمان بشكل عام وفي الإعلام خاص، والأسباب التي جعلته بهذه الصورة الراقية في :
1. التسامح في عمان صفة أصيلة في أهلها على اختلاف مذاهبهم
2. الدولة العمانية قامت على أساس إقامة الحق وتحقيق العدالة، وليس على الاعتبارات الإثنية .
3. جميع فترات الحكم في عمان عملت على ترسيخ مبدأ التعايش وحمايته ببرنامج سياسي صارم ومنهج فقهي محكم.
4. شهد عصر النهضة بلورة كبيرة لمبدأ التعايش، وتمت ترجمة ذلك بشكل واضح في الإعلام بكل أشكاله.
5. يعكس التنوع البرامجي في الإذاعة والتلفزيون، وتعدد المشاركين من مختلف المذاهب أهمية مبدأ التعايش وضرورة تحقيقه عمليا عبر إفساح المجال لجميع هذه الطوائف بالمشاركة في ترسيخ القيم وبناء المجتمع.

————————————
المصادر والمراجع

1 – ينظر ” عمان بين التجزئة والوحدة ” سالم بن عقيل مقيبل ص 229.
2 – ينظر كلمات وخطابات جالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم. الصادر عن زراة الإعلام.
3 – تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن الحريات الدينية 2010 م صدر في 2010م.
4 – http://www.albawabhnews.com/1305087 موقع البوابة الإلكتروني.
5 – وثيقة الاستراتيجية الإعلامية بالهيئة.
6 – خطاب جلالة السلطان في 23 يوليو 1970م :

http://www.sultanqaboos.net/article-action-s-id-70.htm

7 – خطاب جلالة السلطان في 9 أغسطس عام 1970م :

http://www.sultanqaboos.net/article-action-s-id-118.htm

8 – مقال للدكتور حسن شحاده، نشر في موقع ميدل أوست اونلاين.
9 – خطب وكلمات السلطان قابوس، وزارة الإعلام،1970-2005م،
10 – في عُمان العديد من المذاهب الإسلامية كالسُنة والإباضية والشيعة. ويرتبط أبناء هذه الجماعات مع بعضهم البعض بعلاقات اجتماعية ومصاهرة. ويعود ذلك، على ما يبدو، إلى وقوف الدولة على مسافة واحدة من كل المذاهب. وقد وصلت عصا السلطة إلى مختلف المذاهب في أكثر من مناسبة، فسُجن 18 فردًا من الشيعة الشيرازية في ديسمبر 1987 لفترات تراوحت بين سنتين وثماني سنين بتهمة التخابر مع جهات خارجية لقلب نظام الحكم، و126 عضوًا من جماعة الإخوان المسلمين عام 1994 صدرت في حقهم أحكام تراوحت بين سنتين والسجن المؤبد للمدنيين، والإعدام للعسكريين. وقد عفا عنهم السلطان قابوس عام 1995. وفي عام 2005، اعتقل 30 شخصًا تقريبًا بتهمة إنشاء تنظيم أباضي سري للإطاحة بالنظام السياسي واستبداله بحكم الإمامة. وقد حُكم على 6 من هؤلاء بالسجن 20 عامًا، وعلى 12 متهمًا بالسجن 10 سنين، وعلى متهم واحد بالسجن سنة. وقد صدر عفو سلطاني عن المحكومين بعد أشهر من سجنهم.
ينظر / التطورات السياسية في سلطنة عمان، مركز الخليج لسياسات التنمية:

https://www.gulfpolicies.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1733

د‌. سيف بن سالم الهادي

إلى الأعلى