الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / البنية المدحية في الشعر العماني (6) البنية الخارجية في القصيدة المدحية العمانية

البنية المدحية في الشعر العماني (6) البنية الخارجية في القصيدة المدحية العمانية

حسن التخلص في القصيدة المدحية أحد مرتكزات البنية الخارجية حيث درج الشعراء العمانيون على نهج سابقيهم من حيث البدء بالمقدمات الغزلية، بغض النظر عن الغرض الأساسي منها، وأبدعوا في حسن التخلص والخروج من غرض إلى غرض آخر. فشعر الكيذاوي مثلا وإن غلب عليه المدح إلا أنه اشتمل على مقدمات غزلية تمتاز بالرقة وبالعذوبة وبحرقة الصبابة حتى لكأن القارئ يهيأ له أن يقف أمام قصيدة حب عاش صاحبها مجمل تفاصيلها واقعا، ثم لا يلبث أن يخرج منها إلى شكوى الزمان، ومن ذلك ما نجده في حسن التخلص حين دلف إلى مدح فلاح بن محسن أحد ملوك بني نبهان في (بائيته) قائلا:
مشارب كأس الحب أحلى المشارب وأعذب دهر المرء دهر الشبايب
وأهدى ضياء للنواظر إن رنت ضياء شموس في الخدور غوارب
وبعد طول عتاب للدهر في مثل قوله:
أرى الدهر في تقلب حكمه بعيني مدي أوقاته بالعجائب
صحا لي عن غيم الغياهب جوه وأوضع لي ما كان خلف الغياهب
يعطف على مدح “فلاح بن محسن” قائلا:
فتى تهرب الأبطال خوف نزاله كما يهرب الشيطان خلف الكواعب
متى تنتصر به أنت تنتصر بأغلب قرن في التغالب غالب
أما ما يتعلق بخاتمة القصيدة المدحية فنجد أن الشعراء في معظم قصائدهم المدحية قد اختتموها بأبيات من الحكمة ، أو بالدعاء للممدوح وما إلى ذلك. وبالتالي فإن كل ما ذكر سابقا من خصائص وسمات في القصيدة المدحية سنتعرض له سريعا من خلال إحدى قصائد شاعرنا أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي (ت 1920م )، الذي ولد في قرية وادي محرم من أعمال ولاية سمائل، وعاش في عهد دولة البوسعيديين وقضى معظم حياته في زنجبار، حيث مات ودفن فيها.
ولأبي مسلم شعر كثير، فهو شاعر وفقيه. وقد كتب ونظم في أغراض شعرية كثيرة من مديح ورثاء واستنهاض وحنين إلى وطنه عمان وغيرها من الأغراض الشعرية المختلفة . وأهم هذه الأغراض البارزة في شعره على العموم هو فن المديح ، فقد مدح كثيرا من الأئمة سواء في زنجبار أو في وطنه عمان، ومدح كثيرا من العلماء والفقهاء الذين كان لهم دور بارز في الحياة الدينية.
وكانت أكثر مدائح أبي مسلم هي تلك المدائح التي قالها في الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهي لم تكن فنا ظاهرا بين الفنون الشعرية كالرثاء، والوصف، والنسيب، وإنما هو فن نشأ في البيئات الصوفية، ولم يهتم به من غير الصوفية إلا القليل، وذلك ما استنتجناه واستقيناه من ديوان أبي مسلم، من ذلك قوله مادحا شيخ الإسلام العلامة الحاج محمد بن يوسف المغربي، ومؤرخا لكتابه التفسير المسمى (هيمان الزاد إلى دار المعاد) :
جرد النفس وانهها عن هواها — لا تذرها في غيها تتلاهى
زكها بالتقوى فما تفلح النف — س بحال الا على تقواها
واستلمها عن المراعى الوبيا — ت اذا استرسلت الى مرعاها
واتخذ في مراصد الكيد منها — حرسا يكسرون صعب قواها
فلها للعصيان ميل عظيم — لو نفه عن طبعها ما عداها
ولها في المتاب شدة عجز — بعدات التسويف نيطت عراها
ولها في المتاب مكر خفي — جعلته تلبسا من حلالها
وإذا ما طبقنا ما قلناه في البنية الخارجية للقصيدة المدحية العمانية على هذا النص الشعري لأبي مسلم فسنجد من حيث المقدمة أن الشاعر بدأ قصيدته بالحكمة ، وحكمته تتمثل في أن التقوى هو زكاة وطهارة للنفس، وحث الممدوح عليها حيث استخدم هذا المخرج مدخلا لغرض المدح الذي أراده في محمد بن يوسف قائلا:
استمد الفيوض في قبضه الوه — بي أو تملأ السيول زباها
قطعت بي قواطع الدهر عنه — حاجة في نفس الزمان قضاها
كشفت لي عنه الحقائق والحق — شهيدي بأنه منتماها
وارث الأنبياء علما وحكما — وسفير عنها الى من عداها
ادرك الملة الحنيفية البي — ضاء اذ فوضت له شكواها
وقد مدحه بمعان دينية وذلك يعود لشخصية الشاعر الفقيه وتأثره بالمعاني الإيمانية والروحانية، وتمثلت جل تلك المعاني في التقوى والإيمان وغيرها.
أما من حيث الألفاظ فقد استخدم الشاعر ألفاظا من البيئة وقد جاءت عموما جزلة بشكل عام ، كما أنه استخدم ألفاظا صوفية للمقاربة بين الألفاظ والممدوح. ونجد الشاعر قد ختم قصيدته المدحية بذكره لكتاب الممدوح وهو “هيمان الزاد إلى دارالمعاد ” قائلا:
فدعتني هواتف الحق للتا — ريخ والبشر شامل اياها
قلت ارخ دوام “جد وبشر” — ان هميان الزاد طبعا تناهى
قيل فامدح زابا وزد قلت زاب — علم الجهل ظلمة فجلاها

وفاء الشامسية

إلى الأعلى