الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / سبوت لايت .. فضيحة بوسطن التي هزت العالم درس في الصحافة الاستقصائية ودورها في خدمة المجتمع
سبوت لايت .. فضيحة بوسطن التي هزت العالم درس في الصحافة الاستقصائية ودورها في خدمة المجتمع

سبوت لايت .. فضيحة بوسطن التي هزت العالم درس في الصحافة الاستقصائية ودورها في خدمة المجتمع

لعل وقع كلمة “تحرش”، ثقيل على مسامعنا، ولعل وقعها يكون أصعب حين يتعلق الامر بالاطفال “بيدوفيليا”، لكن نظرا لأنها قضية بات الحديث عنها لا ينتهي في الاونة الاخيرة، خاصة غداة الكشف عن عشرات القضايا التي تتعلق بالاعتداءات الجسدية على الاطفال من قبل رجال دين مسيحيين، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وإدلاء بعض الضحايا المعتدي عليهم بشهادتهم، التي كانت دائما تُنكر، فقد اتجه البعض لمناقشتها بمنتهى الوضوح والشفافية لوضع حد لتلك الآفة البغيضة بل محاربتها واقتصاصها من الجذور.
وفي اعتراف رسمي بحقيقة الاعتداءات التي ارتُكبت في الماضي بحق الاطفال يقول الكاردينال جورج بيل، الرجل الثالث في الفاتيكان، في تصريحات للجنة الملكية الاسترالية التي تحقق بشأن اعتداءات ارتكبها قساوسة بحق أطفال، تداولتها وكالات الانباء الاخبارية مؤخرا” إنه لم يتخذ إجراء عندما لفت أحد التلاميذ انتباهه إلى أن هناك قسا “يرتكب سلوكيات خاطئة مع الصبية”. قائلا أنه : “بعد خبرة 40 عاما ، بالتأكيد أتفق مع أنه كان يتعين أن أفعل المزيد”.
من جانبهم، قال ضحايا سابقون لهذه الجرائم حضروا إدلاء بيل بشهادته إنهم يعتقدون “أنه ليس صادقا”. فمثل هذه الحوادث كانت تنكر باستمرار، كما يوضح الضحية السابق بيتر بلينكيرون :”لقد حضرنا الإدلاء بالشهادة، هناك نمط معتاد بشكل عام ، وهو الإنكار دائما”. على حد قول الضحية. الأمر الذي تنبه له البابا فرنسيس، حين قال في أحد خطاباته الاخيرة ” على الكنيسة العمل بتيقظ من أجل حماية القاصرين” وعدا بمحاسبة جميع المسؤولين.
عالم السينما بدوره يختلف عن الواقع، فهو لم يتخل يوما عن معالجة مثل تلك القضايا، برغم مهاجمة تلك الاعمال باستمرار ودعوات المقاطعة لها، وعدم الترحيب بها في العديد من دور العرض السينمائي حول العالم. من تلك الاعمال التي اتذكرها فيلم ” the 120 Days of Sodom”، الذي انتج عام 1975 ، لك أن تتخيل أنه محظور في العديد من الدول الى الان! . وهو يحكي عن مجموعة من المراهقين يتعرضوا لتعذيب جسدي وجنسي على يد بعض من رجال السلطة الايطاليين، وهو مقتبس من رواية بنفس الاسم. أيضا فيلم ” Hard Candy” عام 2005 ، وهو لفتاة قاصر تنتقم من مغتصبها أشد الانتقام عبر سلسلة من التعذيب الوحشي.
المفاجأة غير المتوقعة، هي حصول فيلم من تلك النوعية المثيرة للجدل، والذي فجر فضيحة تحرشات القساوسة بالاطفال بإحدى الكنائس الكاثوليكية في الولايات المتحدة، على أوسكار أفضل فيلم لهذا الموسم. وهي دلالة واضحة لتغيرات جذرية بالفاتيكان وسياسة انفتاح جديدة، حيث شاهد اعضاء اللجنة الحبرية لحماية القاصرين، الفيلم في جلسة خاصة، بفبراير الماضي قبيل دخوله سباق الترشيح بجوائز الاوسكار. وهو ما تؤكده المواقع الاخبارية المختصة.
سبوت لايت أو بقعة ضوء (Spotlight) : فيلم دراما أميركي مقتبس من قصة حقيقية، كتابة وإخراج توماس مكارثي، بالتعاون مع السيناريست جوش سنغر، ولمن لا يعرف مكارثي، فهو ممثل في الاصل، وصعد نجمه في عالم الاخراج عقب دخوله اليه من باب الدراما بتحفته الفنية ” The Station Agent” الذي نال استحسان النقاد عام 2003، ثم أتبعه بـ” The Visitor” عام 2007، المندرج تحت نفس التصنيف والمنتصر لصورة العربي المسلم.
مكارثي وسينجر سعيا عند كتابة سبوت لايت، لتفسير تجاهل مؤسسات المدينة بوسطن لفضيحة رجال الدين المسيحيين المسيئين، عبر إظهار ترابط تلك المؤسسات معا وانغماسهم في مستنقع “الفساد” ، بدءا من رجال الدين الكاثوليك، مرورا بالسياسيين ومديري الجامعات ومالكي الصحف وصولا لرجال الأعمال النافذين والشخصيات المؤثرة في المجتمع. لذا فهو يعتبر من أبرز نقاط قوة الشريط ، الذي استحق عليه الاثنان، أوسكار أفضل سيناريو أصلي هذا العام.
اللافت للانتباه أيضا هو نجاح مكارثي في اعطاء حبكة الشريط زخما بالتفاصيل، فنحن نتابع معه طاقمه، أسماء لضحايا وقصاصات قديمة بشأن قضايا مماثلة، نصل من خلالها الى كشف المستور. بالتأكيد ستنهال تحيات الصحفيين خاصة الاستقصائيين منهم على مكارثي، فهو عمد الى التركيز على حياتهم داخل العمل وهم يؤدونه بشكل دؤوب، دون كلل أو ملل، موضحا طرقهم في استقصاء المعلومات وما يتعرضون خلاله من مشقة ومذلة.
بطولة الشريط من نصيب الممثل القدير لياف شرايبر يقوم بدور “مارتي بارون” مشرف التحرير الجديد بصحيفة بوسطن جلوب الاميركية العريقة، نجم هوليوود وأحد خوارقها، هالك أو الرجل الاخضر، الممثل مارك روفالو، يؤدي دور الصحفي “مايك ريزندس”، الممثل مايكل كيتون، الذي رشح للأوسكار العام المنصرم، يقوم بدور “روبي روبنسون” قائد الفريق الصحفي، أيضا الممثلة راشل ماك أدامس، العنصر النسائي وتقوم بدور ” ساشا بفايفر”، وأخيرا وليس آخرا، براين دارسي جيمس ويؤدي دور “مات كارول”. بالتأكيد نتابع معا اداءات استثنائية بدت في حالة من التناغم والانسجام، وذلك تحت ادارة مخرج متمكن.

أحداث

تنطلق أحداث الشريط من داخل الصحيفة العريقة، تحديدا في أحد الاقسام التحريرية المثيرة بها والاكثر خطورة “سبوت لايت”، المختص بالتحقيقات الصحفية السرية، والمكون من فريق من 4 صحافيين مختصيين في المجال، وهم روبي روبنسون، مايك ريزندس، ساشا بفايفر، و مات كارول. الذي يبدوا بفضل مهنيتهم وجهودهم، وتحقيقاتهم المثيرة للجدل، فرضت الصحيفة نفسها كواحدة من أهم الصحف في الولايات المتحدة.
نلتقي بعدها بمارتي بارون وهو أول صحفي يهودي الديانة بالصحيفة، حيث يعين مشرف جديد على التحرير فيها، وخلال لقائه بمحرري التحقيقات الخاصة، نكتشف مدى صعوبة وحساسية هذا القسم ، حيث يمكن أن يمضي اولئك الصحفيون أشهر وربما سنين بالتحقيق في قضية ما للوصول الى كامل أسرارها وتفاصيلها. لذلك فهم ليسوا مخولين بمناقشة ما يحققون فيه أمام أي شخص حتى لو كان فردا من العائلة أو زميل في الصحيفة.

همسة
في احدى المرات، وخلال تصفحه احدى أعمدة الصحيفة، تقع عين بارون على مقال رأي عن واقعة لقس يدعى جيجين تحرش بعدد من الاطفال بمناطق مختلفة، فيهمس صوت بأذنه ويخبره “نعم، تلك القصة التي سيهتز لها العالم”. هنا نتعلم أول دروس الصحافة الاستقصائية، وكيف نستشعر أهمية قضية ما. يكلف بارون فريق التحقيقات بترك القضية التي يعملون عليها، وتحري تلك الواقعة وكشف غمارها.
يبدأ الفريق تنفيذ المهمة، التي بدت أنها في منتهى الخطورة، بداية من امتعاض “بين برادلي” أحد مديري التحرير بالصحيفة وعلى علاقة مباشرة مع قسم التحقيقات، مرورا بتحركات صحفيي الفريق، ولقاءاتهم المباشرة وغير المباشرة بمن لهم صلة بالقضية. فالجميع يعلم بأن المواجهة مع الكنيسة لن تجدي نفعا، فهي تمتلك نفوذ لايضاهى.

السعي وراء الحقيقة

“اليأس لن يتمكن منا”.. هكذا ظل يردد جميع القائمين على التحقيق، غداة رفض المصادر الحديث أو التعاون معهم، سواء محامي المجني عليهم في قضية جيجين ” ميتشل جاربيديان” الذي رفع حوالي 84 دعوة ضد القس، أو”ايريك ماكليش” محامي الكنيسة في القضية، بالاضافة الى الضحايا الذين يرفضون الحديث لأنهم غير مقتنعين بجدواه. درس آخر نتعلمه، عدم اليأس والصبر ومواصلة العمل مهما كانت صعوبة الامر. وهو ما اتى بثماره في نهاية الامر، حيث سجلت شهادات لضحايا بعد شعورهم برغبة الصحيفة تلك المرة في كشف الحقيقة بوازع الإنسانية، حيث سبق وإن كانت لهم تجربة مع الصحيفة لكن أهُملت، وتم تسويتها لمنع إثارة أي فضيحة حول الكنيسة. سنكنتشف ايضا أن روبي روبنسون يعترف بأنه وقعت بيده في إحدى المرات شهادات مماثلة لكنه تجاهلها، كونها تمس رجالا يحظون بقداسة خاصة في المجتمع، الذي لن يطيق سماع كلمة تشين عقيدته الكاثوليكية. لاحظ من أثار القضية من البداية رجل يهودي غير متأثر بسلطة أولئك القساوسة ويرغب في كسر حاجز الجليد الذي يهاب الجميع الاقتراب منه.

صدمة

تستمر عمليات الاستقصاء والبحث، وتتصاعد معها الأحداث الى حد الصدمة، حيث يكتشف الفريق أن عملية الاعتداء على الاطفال تتم على نطاق واسع، وذلك بعد أن يقع في ايديهم عدد كبير من الادعاءات حول ضحايا اعتدى عليهم خلال طفولتهم، وقد سوت الكنيسة الامر مع عائلاتهم وتصالحت معهم عن طريق تقديم مبالغ مادية. وبعد أن بدأ البحث بقس واحد، اتسعت الدائرة لتشمل 13 ثم تفجرت لتسع 98 قسيسا وهو ما أثار صدمة كبيرة في نفوس المحققين. في تلك الاثناء تهمين أحداث 11 سبتمبر على المشهد العالمي، الامر الذي يحول دون نشر التحقيق.
وبعد نحو عام ونصف، يصل المحققون الى وثائق تضم أسماء نحو 200 من رجال الدين المسيحيين المتورطين في حوادث تحرش على الاطفال داخل أبرشية بوسطن خلال 30 عاما، ويتم نشر التحقيق بالصحيفة، حيث يهز العالم ويتسبب في صدمة بالغة وشرخ عميق داخل المجتمع. في مشهد بالفيلم نرى جدة ساشا وهي تطالع التحقيق وعيناها تدمع وقد بدا الحزن والاسى واضحا على ملامح وجهها.
في نهايات عام 2002، آلاف الاتصالات تنهال على هواتف الصحيفة، التي جاءت تدين أكثر من 90 قسا، وتتمكن الصحيفة من نشر 600 قصة عن الفضيحة التي تعصف بـ “برنارد لوو” كاردينال أبرشية بوسطن وتجبره على الاستقالة على خلفية خروج مظاهرات تجتاح الشوارع.
سبوت لايت .. دراما قوية صادمة، عن انجاز صحفي غير مسبوق، لم يكن ليرى النور لولا تعاون فريق واصراره على خوض معركة داخل دائرة النار.
رسائل عديدة أهمها قيمة الصحافة الاستقصائية ودورها في خدمة المجتمع، سيناريو احترافي مكتوب بعناية ودقة، هو مصدر قوة الشريط كما تحدث سالفا.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى