الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / هل هناك هُوَّة بين المُبدع والمتلقي ؟.

هل هناك هُوَّة بين المُبدع والمتلقي ؟.

من الطرق التي يلجأ إليها بعض كبار الكُتاب وبل وصغارهم أيضاً طريقة (قالَ/تْ و قلتُ)، وهي إحدى طرق كُتّاب المقالة، وقد استخدمها الكثير من الكُتاب التربويين أيضاً في صياغة حوارات لتوضيح بعض المناقبيات الأخلاقية أو الأفكار التثقيفية بأسلوب مُبسط وهادف، كما اعتمد هذه الطريقة بعض الشعراء أيضاً في بناء جسد القصيدة من خلالها قديماً وحديثاً، ناهيك عن استخدام هذه الطريقة في الأساس للحوار الخارجي في القصة والحكاية والرواية، بل وتستخدم أيضاً في المونولوج الداخلي لحوار الشخصية مع ذاتها، وهي طريقة جميلة في رأيي وجاذبة للقارئ، لأنها تعتمد على الأسلوب الجدلي المُدهش واللافت للآخرين ممن يتابعون هذا الحوار وهذه الجدلية المشتركة بين طرف وذاته أو بين طرفين أو بين أكثر من طرف، ومن المعروف أن الجدل إحدى الصناعات الخمس في المنطق وهي: ( البرهان والجدل والخطابة والشعر والمغالطة )، ولن نتطرق لمعانيها وتفاصيلها، إلا أننا سنعتمد على الجدل المنطقي في صياغة هذا الحوار الثنائي الذي تم بيني وبين إحدى القامات الأدبية الرفيعة على المستوى المحلي في دولة الكويت الشقيقة وعلى المستوى الخليجي والعربي ألا وهي الدكتورة سعاد العنزي، وآمل أن أكون موفّقاً في استخدام هذه الطريقة في طرح بعض الأفكار حول بعض الإشكاليات في النقد الأدبي، والدكتورة سعاد العنزي غنية عن التعريف إلا أننا نُذكّر القارئ العزيز ببعض الإضاءات عن حياتها العلمية والإبداعي، فهي حاصلة على الإجازة الجامعية من كلية الآداب، قسم اللغة العربية عام ٢٠٠٣م، وحاصلة على الماجستير من قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة الكويت عام ٢٠٠٨م، و حاصلة على الماجستير في النظرية النقدية والثقافية من جامعة برايتون، المملكة المتحدة، عام ٢٠١١م، وحاصلة على الدكتوراة في موضوع تشكيلات هوية ما بعد الاستعمار في أعمال إدوارد سعيد ومحمود درويش، دراسة أسلوبية وموضوعاتية، من قسم الدراسات الشرق أوسطية، جامعة مانشستر ، عام ٢٠١٦م، أستاذة النقد الأدبي الحديث في قسم اللغة العربية في جامعة الكويت، ومن مؤلفاتها كتاب: “صور العنف السياسي في الرواية الجزائرية المعاصرة ” عام ٢٠١٠م، و ” رواية المرأة الكوتية في الألفية الثالثة”، عام ٢٠١٣م، والدكتورة سعادة كاتبة زاوية أسبوعية نقدية بجريدة الرأي الكويتية منذ عام ٢٠٠٩م.

طرحت الأديبة الناقدة الدكتورة سعاد العنزي في حسابها بالتويتر فكرة مفادها أن: الشاعر يتبنى ذاتية القصيدة، والروائي يستخدم حريته في التخييل لقول ما هو غير جائز منطقيا، ولا جماليا والناقد لا بد أن يكون ظلا لهما.. فسألتها هذا السؤال:

وأين المُتلقي من كلّ هؤلاء الشاعر، والروائي، والناقد ؟.

وكان سؤالاً في محلّه لأن موقع المتلقي من هذا الكم الهائل من مُنتجي النصّ الأدبي ونقده لا يزال محل نقاش من عدة زوايا، سواء من حيث: كينونة الأدب ذاته؛ وما موقع الإنسان في ذاتية النصّ وجسده الذي يتكوّن منه، وبعبارة أخرى ( موقع الإنسان ذاته في النص، وكيف عبّر عنه الكاتب )، أو من حيث: غائيته وأهدافه ورسالته ومدى الاستفادة الخاصة والعامة من هذه الغاية وهذا الهدف والرسالة التي يحملها النص الأدبي، أو من حيث الأثر الذي يحمله النص للجيل المعاصر له،أو من حيث الأثر الذي يحمله لكلّ جيلٍ لاحق من الأجيال التي تأتي بعد الجيل المعاصر له.

وكان جواب الدكتورة سعاد العنزي ذكياً ـ بحكم تخصصها ـ حيث: (المتلقي يسير وفق هذه المعطيات الثقافية .. والناقد المُسائل لجدوى هذه النصوص شبه معزول عن هذا الوعي )، لأن المتلقي بالفعل يسير وفقاً للمعطيات الثقافية السائدة في زمنه، حيث تعتبر هذه العلاقات المتشابكة بين كل من: (المبدع) و( الناقد ) من جهة، وبين ( المبدع والناقد ) و (المتلقي) من جهة أخرى، وتستمر هذه العلاقات المتشابكة بأشكالها الإيجابية أو السلبية المتعددة.

وعقّبت الأديبة الدكتورة سعاد العنزي بقولها: ولنلاحظ أن من يختلف عن هذه الأذواق العامة يُقصى من دائرة الضوء والاهتمام، وهذا أيضاً صحيح لأنّ العقلية الجمعية تحكمها ما يمكن أن نسميه بـ “سلطة الثقافة” التي تفرض ما تُريد تبعاً للمصالح العامة، وترفض ما تُريد تبعاً للمصالح العامة أيضاً كما ترسمه لها سياساتها التي اقتنعت بها هذه السلطة، وكم من أديب وشاعر وقاص وروائي ومسرحي وكاتب مقالة وباحث وناقد تم إقصاؤهم بسبب ما يحملونه من الأراء المناهضة لسلطة الثقافة والرأي العام، وهذا يدلّ على أن ثمّة قناعات توصّل لها العقل الجمعي السائد وانتشرت هذه القناعات بمختلف الأساليب لدى كل الشرائح الاجتماعية تقريباً، ولا يستطيع أن يتمرّد على هذه القناعات إلا من يمتلك الجرأة سواء أصاب في تمرّده أو أخطأ.

وهنا ينبغي أن تكون هناك صيغة تفاهم ودّية في الحفاظ على المضاعف المشترك للقناعات الاجتماعية أو العقل الجمعي وبين المناهضين لهذه القناعات أو أصحاب الآراء المخالفة أو المعتنقين لمذاهب فكرية تتناقض والمدرسة الفكرية السائدة في المجتمع، ولا تكون صيغة التفاهم هذه إلا بالحوار الهادئ وأخلاقيات الاختلاف.
وهذه الإشكالية في الأزمة بين المجموعتين: (المبدع) و(الناقد) من جهة، وبين (المبدع والناقد) و ( المتلقي ) من جهة أخرى، هذه الإشكالية واقعة في كل مكان ولكنها تحتاج إلى حلّ أخلاقي، ولا يكون هذا الحل إلا إذا انبعث من الذات وليس بفرض القوة، فالذات هي السلطة الأجدى لإشاعة ثقافة الحب والوئام بين مختلف الفئات والتيارات والمدارس والمذاهب الخ.

وقد عقّبت سعاد العنزي على ذلك بقولها: ” طبعاً .. لكن هذه القيم المثالية ليست واقعية بالنسبة لما يحدث بالساحة الثقافية العربية “.. وهذا الرأي صحيح إذا نظرنا إلى مجمل ما يحدث في الساحة العربية من خلافات ومتباينات ومتناقضات.

وقد عقبت على رأي الأستاذة سعاد بقولي: هذا بسبب النظرة الفلسفية للإبداع من قبل المبدعين والنقاد، إنها نظرة تنبع من قصور عاجية.

حيث يعتقد العديد من أصحاب المدارس الفكرية أنهم على حق، وبقية المدارس الأخرى ليست على حق، وهذه النظرة خاطئة 100 %، فالحقيقة نسبية ولا يمكن لأي جهة من الجهات أن تنسب لنفسها احتكارها لهذه الحقيقة.

وقد عقبت سعاد العنزي مُضيفة إلى ذلك بقولها: النظرة الأحادية المسيطرة على الناقد والمبدع معاً، وهذا صحيح حيث أن النظرة الأحادية مرض يُصاب به العديد من المفكرين والمثقفين والمبدعين بشكل عام، ونعزو ذلك للطبائع البشرية التي تختلف من شخص إلى آخر.
وقد عقبت بقولي: هذا الحديث يجرنا إلى موضوع طالما تحدث فيه العديد من المفكرين والأدباء والنقاد ألا وهو كون الأدب للأدب فقط، أو الأدب للأدب والحياة معاً، أو الأدب للحياة فقط، فكان رد سعاد العنزي: ” وما أطول ليل الأدب والنقد العربي “، إشارة إلى كثرة الاختلافات في هذه الأمور، وهذا أيضاً شيء طبيعي لأن ” الإشكاليات تتكاثر بسبب اختلاف الرؤى الفلسفية عند الأدباء والنقاد، إنهم يتفقون في أشياء ويختلفون في غيرها، هذا هو السبب “، فأجابت سعاد العنزي بقولها: “ليس المطلوب الاتفاق التام، ولكن المطلوب الاختلاف المبني على أسس منطقية واعية”، وهنا ختمت هذه الدردشة النقدية الجميلة بقولي:” الأسس المنطقية الواعية التي أشرتِ إليها يختلفون فيها أيضاً، والحديث في هذا يطول.. وتويتر واحد ربما لا يكفي.. إنه يحتاج إلى تويترات عدة “.
وسؤالي الأخير في هذا الصدد: هل هناك هوة حقاً بين المبدع (الأديب والناقد معاً) وبين المتلقي؟.. وإذا كانت هذه الهوة موجودة وفقاً لما أوردناه أعلاه، هل ستستمر هذه الإشكالية؟.

عقيل ناجي المسكين
aqeelmiskeek@yahoo.com

إلى الأعلى