الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الهوية .. و”اللاهوية” في العمارة والخطاب المعماري مقاربة فلسفية

الهوية .. و”اللاهوية” في العمارة والخطاب المعماري مقاربة فلسفية

شاع استخدام الكثير من المصطلحات والتوصيفات والثنائيات في الخطاب المعماري.
وقد اقترن بعض هذه المصطلحات والتوصيفات بمستويات ابتدائية حسية فيزيائية تقف على ماهيتها، وطبيعتها أو مظهرها الخارجي من ناحية، أو تعبّر عن تفاعلنا مع الناتج من خلال مدركاتنا وأحاسيسنا من ناحية أخرى.
ومن اللافت أننا حين نطالع عمارة ما، فإننا نستخدم بالإضافة لحواسنا الخمس حاسة “غامضة” تعبر عن مدى تقبلنا أو رفضنا للناتج العمراني، والذي تقرره لنا الحواس الخمس مجتمعة بما فيها حاسة اللمس، سواء أكان لمسا بصريا أو حسيا.
واعتمادا على هذه الحاسة “الغامضة” أو “اللامدركة”، أو “الانطباع” الناتج من مجموعة الانطباعات التي تولدها الحواس الخمس، والتي تدفعنا للإعجاب بالمنشأ العمراني أو رفضه، مع حواسنا “الإدراكية”، تتفاوت درجات تقبلنا للإفراز العمراني تفاوتا طرديا: (على المدى الطويل) مع الثقافة “النوعية”، أو السائدة، وحالة القرب من مركز الثقافة عموما، وعكسيا (على المدى المتوسط) مع متغيرات ظرفية محلية أو عالمية.
وتتذبذب تأرجحا (على المدى اللحظي) مع الحالة “الاقتصادية ـ الذهنية”، والتي، جدلا، قد تربك القدرة على الحكم الموضوعي المتأني، وأيضا مع متغيرات زمنية، أو فصلية، قد ترمي بظلالها على الحالة النفسية والحكم الموضوعي كذلك.
لكن الحكم ضمن هذه المستويات الثلاثة جميعها يتم ضمن إطارين: الإطار الجمعي، ثم، الإطار الفردي.
إذ من الضروري الإشارة إلى أن دوائر الحكم الموضوعي تتدرج من العام إلى الخاص.
وبكلمات أخرى، فمن الشائع والممكن جدا أن يتحكم الذوق الشعبوي، وأحيانا النخبوي، العام في التقبل الخاص ـ رغم صعوبة العكس، إلا في حالات “الفرض القسري” من الأعلى للأسفل ـ وهذا يتم في حالات تكاد تكون محصورة ونادرة، وضمن الإطار السياسي.
والأمثلة على ما سلف تتمثل في درجات حكمنا على “جمال”، و”روعة” و”رونق” الناتج العمراني، وهي كلها توصيفات تقترن غالبا بالجانب الجمالي الفني للعمارة.
ومن ناحية ثانية، وهي موضوعنا، فقد يقترن استعمال المصطلحات في الخطاب المعماري على مستوى أكثر تعقيدا، يتجاوز الإطار الحسي، إلى آخر معنوي بنيوي.
وهذا المستوى يعنى بعلاقات أكثر تشابكا وتقع ضمن الإطار “اللامدرك” للعمارة، والذي يتجاوز الإدراك بالمحسوسات الخمسة، والحاسة السادسة “الغامضة” التي تدفعنا بعد تفاعل الخمسة الأولى إلى تقبل أو رفض الناتج العمراني وهذه حاسة تقع ضمن “اللاوعي”، ليصل إلى حاسة “سابعة” تتميز بأنها، وعلى عكس الحاسة السادسة، أنها “واعية” ومرتبطة ارتباطا مباشرا وثيقا بالثقافة والحضارة.
وهذه الحاسة تؤهلنا، وضمن الإطار الموضوعي، لإدراك مفاهيم ضمنية وكامنة في العمارة منها، “الزمن”، و”اللازمن”، و”النمط” أو “الطراز”، و “الهوية” في العمارة.
ويعنينا أن نسلط الضوء في هذه المساحة على مفهوم “الهوية” في العمارة.
والهوية هي “دالة” على الشيء، أو “مضافة إليه” ولكن إضافة بنيوية تركيبية “انصهارية”، لا مظهرية إنما أثناء مرحلة تكوين بنيته الجينية المرتبطة بالثقافة لتفرز منتجا ذا ارتباطات معنوية أو تاريخية أو بالذاكرة الجمعية، ودون استثناء الفردية أيضا.
ويتم التعبير عن “الهوية” إما من خلال مجموعة أو بعض الدلالات الحسية الفيزيائية، التي تربطنا ذهنيا بشيء ما، أو معنويا من خلال وسائط تترجم من خلال إدراكنا الحسي وتفاعله مع “اللاشعور” في ضميرنا ووجداننا.
لكن الهوية يمكن تمثيلها “بالرمز”، وهو وسيط يربط الشكل المحسوس بغير المحسوس من الأفكار والذاكرة والمتخيل.
فالهوية يمكن أن “يرمز” لها دلالات لونية، أو عناصر ذات دلالات وإشارات رمزية، أو تشكيلات طبيعية أو بشرية.
ويمكن أن يتم “التعبير” عنها مثلا من خلال تكوينات وتجميعات وتصاميم من خلال فنون الجرافيك أو التصميم الهندسي أو التنسيق الطبيعي.
فالهوية يمكن أن يرمز لها العلم (بفتح العين واللام) بألوانه معبرا عن ذاكرة تاريخية وطنية مثلا، أو “صناعة” تاريخية، أو منتج تاريخي “أيقوني” ذا دلالة رمزية.
كما يمكن أن يعبر عن الهوية ممارسة اجتماعية تفرز مجموعة من “الرموز” والدلالات التي تدخل الحيز الثقافي بما يرقى لأن يعبر عن ماضي المجتمع والأمة ويصبح ملازما ودالا على هويتها.
ومن هنا يمكن القول أن “المصنع الحي المنتج” لهوية أمة ما هو “الممارسات اليومية التي تجري ضمن دوائر الثقافة والإبداع بها”. وهذه تقوم بدورها بإنتاج مجموعات من الدلالات والرموز والتي تتطور زمنيا عبر حلقات ودوائر ومستويات من القبول الشرعي من قبل الأمة والمجتمع لتصبح دالة ومؤشرا على هويتها.
والتساؤل المهم الذي يبرز هنا: كيف يمكن لمعلم “تاريخي” أن يكون معبرا عن الهوية في ذات الوقت الذي يمكن أن يعبّر فيه “التراث” عن الهوية؟ ألا يمكن أن يكون الرمز التاريخي “منفصلا” عن التراث الحي للمجتمع وبذلك يمكن أن تكون دلالاته الرمزية خارج إطار الظرفية والمكان والزمان، وبالتالي منفصما ومنفصلا عن ثقافتها؟ والجواب يكمن في تفكيكنا وفهمنا “للآلية” التي يتم بها الفصل بين ما هو منتج “تاريخي” منفصل عن الواقع، وبين ما “تراث” حي كآلية لا كناتج، مع استثناءات “رمزية” ترقى لضمير ووجدان الأمة كمجموع.
ولتفسير ما قلنا لنأخذ مثال العلم (الراية) مرة أخرى.
فالعلم لا يمثل أكثر من قطع ملونة من القماش صيغت وتم تجميعها بطريقة ما مع مجموعة من الألوان والأشكال الرمزية التي لها دلالات ما.
وهذه التشكيلة أجمعت عليها الأمة في مرحلة “تاريخية” ما لتكون معبرة عن جزء مفصلي ومهم من تاريخ تكوينها ونشأتها، فقد تعبر الراية مثلا عن “أحداث” تاريخية اجتمعت فيها مثلا أقاليم وتوحدت بعد شتات.
أو يكون العلم “رمزا” لواقعة تاريخية.
وبهذا المفهوم فالراية والعلم أصبح جزءا من “الوعي الجمعي” للأمة بما أصبح معبرا عن تاريخها، والذي هو جزء من ثقافتها الماضوية وبالتالي “هويتها”. لكن لو استحضرنا مثالا آخر من العمارة فقد يقودنا إلى نتيجة مغايرة ومفهوما “سطحيا” للهوية.
ولنأخذ مثلا من العمارة كالقوس مثلا.
فهذا العنصر المعماري تم استعماله في مرحلة “تاريخية” من سيرورة اجتماعية اقتصادية عمرانية ما.
فهل يمكن استعماله للدلالة على هوية ما؟ الإجابة نعم ولا في نفس الوقت.
ولنبدأ بالجواب النافي: فعنصر القوس في العمارة لا يمكن أن يدل على “هوية” مجتمع ما أكثر من الدلالة على منتج حضاري عمراني “عالمي ـ تاريخي”، وتحديدا يشير بقوة لمجموعة من الحضارات التي طورته كلا على حده وخصوصا الحضارة التي أوجدته أصلا منذ عصر الرومان.
فهو منتج “وصناعة” عمرانية شاعت وسادت ضمن فترة تاريخية ممتدة، غلب عليها البحث والتجربة التي قادتها حاجة “إنشائية” لتوزيع الأحمال في الجدار الحجري وما فوقه، مع ما أفرزته الحاجة لاحقا لإنتاج القبوة والقبوات المتقاطعة تاريخيا.
وبهذا الإطار فالقوس لا يمكن بحد ذاته أن يعبّر عن “هوية” ما، حتى إذا أخذنا بعين الاعتبار التنوع الشكلي والتشكيلي الذي طرأ ضمن مسيرة تاريخ العمارة العالمية لإفراز أشكال وأنماط من القوس وتعدد وتباعد وتنوع مراكزه.
وبهذا المفهوم لا يمكن لصق القوس على واجهة عمارة محددة بعينها لصقا “شكليا” للإشارة والتعبير عن “هوية عمرانية” أصلية إلى بقدر “شكلية” الاستعارة ذاتها.
وفي هذه الحالة يمكن تعريف وتقديم مفهوم آخر، يقل أهمية وقدرا عن مفهوم “الهوية” وهو “النمط” أو “الطراز”، فالأول يعنى بالجوهر، والثاني معني بالشكل أكثر من المضمون، دون عدم إغفال أن الشكل يتبع الوظيفة في التكوين المعماري، مما يعني إمكانية تكوين “الطابع العمراني” اعتمادا على قوانين وقواعد تستند للبنية التركيبية للفراغات المعمارية ذاتها إن كانت عملية التصميم تتم بشكل واعٍ ومدرك لطبيعة العلاقة اللصيقة بين الجوهر والمنظر، وهذه تكاد تكون الاستثناء لا الأصل.
أما الإجابة بنعم فيؤطرها فهمنا “للقوس ضمن الآلية التي أنتجته” مع “ضرورة استمرارية صناعة القوس ضمن دائرة الحضارة وبشكل حي فاعل”. وإلا يصبح “نمطا” أو “طابعا” يرمز “للشكل” دون المضمون كما أشرنا لتوّنا.
وبذلك فإن استعمال “الشكل” في العمارة يحيلنا لأطروحة مفادها ان “الهوية” في الخطاب المعماري قد تندرج ضمن مستويات أقلها “دلالات ورموز” هي “أعلى” من “الرمز التاريخي” و”أدنى” من “الرمز التراثي”، والمثال هنا القوس المعماري.
فالقوس ذو المركزين مثلا والذي شاع في فترات تاريخية من “العمارة في العالم الإسلامي” يصبح أقرب “للطابع” الدال على حقبة أو نمطا معمارية منه “للهوية” التي ترمز للمجموع أو الكل.
فهو دلالة “جزئية” (العمارة المملوكية مثلا) على مجموع كلي (العمارة العربية أو عمارة المسلمين مثلا). لكن هناك إشكالية كبيرة يطرحها التساؤل التالي: هل هناك عمارة “بلا هوية”؟ أو هل يمكن نفي “الهوية” عن العمارة جملة وتفصيلا كما يشيع في بعض خطابنا المعماري حين لا يستهوينا طراز ما أو شكل ما لعمارة فنقول: هذه عمارة بلا هوية؟ وهل يصح استعمال ذلك أصلا؟ وللبحث في الجواب، دعونا نبحث في عكس مفهوم الهوية: أو “اللاهوية”! ولإدراك الصفة، أو الشيء، يكون مفيدا التعرف في ذات الوقت على نقيضه.
وهنا نعني مفهوم “اللاهوية” في العمارة.
وقد شاع في الخطاب المعماري، في العمارة العربية المعاصرة على الأقل، استخدام مصطلح “عمارة بلا هوية” للتعبير، ضمنيا على الأقل، عن رفضنا للنمط والطابع الذي يؤطر العمارة، من الخارج في حالة الشكل، ومن الناحية البنيوية التركيبية الحيزية الفراغية في حالة المضمون.
وبالبرهان فإذا كانت الهوية مرتبطة بالثقافة، فإن “نفي الهوية” يعني “انتفاء الثقافة” بالكلية، فهل هذا ممكن؟ وهل يمكن القول ببطلان الثقافة عن مكوّن اجتماعي تاريخي، حيث تعني الثقافة في أحد معانيها “محصلة ومجموع العادات التاريخية والسلوكيات الاجتماعية والعادات والتقاليد المتوارثة التي تحكم سلوكيات الأفراد وتعمل كناظم أعلى للمجتمع والحضارة”. هل هناك مجتمع بشري خال من الثقافة (بمعنى انتفاء الحركية الاجتماعية والسلوكية وان تؤول للصفر والسكون) وبالتالي يصبح خاليا من “الهوية” أو “بلا هوية”؟ الإجابة بالمنطق هي النفي.
وإذا فبالعودة للتساؤل بما يخص العمارة، هل هناك “عمارة بلا هوية”. الإجابة هي النفي أيضا.
وإذن فما معنى قولنا “عمارة بلا هوية” حين تطالعنا نماذج من العمارة والعمران؟ الأطروحة التي نقدمها هنا هي أن هذا الاستعمال مجازي أكثر منه حقيقي، وإنما يدل فحسب على نقدنا للناتج العمراني من جهة، ولفهمنا بأن هذا الناتج العمراني لم يتخلق “بشكل طبيعي” من رحم عملية التصميم التي تنبع من فهم واعٍ وشامل للأسس التي ينبغي أن تستند عليها العمارة التي “تدعي” أنه تمثلها.
وانطلاقا مما سبق يمكن القول إن “لكل عمارة هوية ما” ولكن لا يمكن القول إن “لكل عمارة هوية حقيقية تمثل الأسس الجينية والبنوية للحضارة التي تمثلها”. فالقول الأول يمكن أن يدل على “الفوضى والتخبط” الذي قد تعيشه حضارة ما حين يكون لكل من إفرازتها العمرانية “هوية” ـ أي هوية! ومثال ما تعيشه العمارة العربية المعاصرة اليوم.
بينما يكون القول الأخير بمثابة الأقنوم المقدس والكتاب الدليل الذي يمكن أن يشكل علامة على الطريق لعملية تصميم واعية ضمن أطر الثقافة والإبداع والمحافظة على رموز ودلالات حية من عادات وتقاليد وسلوكيات مجتمعية وأطر ناظمة تقود وبشكل واعٍ لإفراز عمراني “ذي هوية”!

وليد أحمد السيد

إلى الأعلى