السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الخطاط السوري منير الشعراني لـ”أشرعة”: الخط عصارة الرقي الفني في الحضارة العربية الإسلامية، يتعامل مع عين المتلقي وعقله وقلبه في آن واحد

الخطاط السوري منير الشعراني لـ”أشرعة”: الخط عصارة الرقي الفني في الحضارة العربية الإسلامية، يتعامل مع عين المتلقي وعقله وقلبه في آن واحد

دمشق من وحيد تاجا :
‏يعتبر الخطاط السوري منير الشعراني أحد أهم الخطاطين العرب المعاصرين الذين يستحقون بجدارة وصفهم بالفنانين المبدعين الذين يتناولون الخط العربي بجمالية وإحساس وتجديد. وكما يقول الفنان والناقد يوسف عبدلكي فان الخطاط الشعراني “يقف خارج الاتجاه الحروفي في التجربة التشكيلية العربية، كما انه يقف خارج كوكبة الخطاطين، الذين يجودون الحروف التقليدية ويكررونها. وقد استطاع الشعراني على مدى أربعين عاما ان ينجز قطعة خط عربية معاصرة، دقيقة، صارمة، ممتعة ومتقشفة، وهي تنتمي إليه قدر انتمائها إلى تاريخ الإبداعات الخطية السالفة وسحرها.
والخطاط منير الشعراني من مواليد دمشق 1952، عمل خطاطا منذ عام 1967، له كتابات عديدة في النقد الفني والفن العربي الإسلامي. أقام الكثير من المعارض في دول عربية وأجنبية.
“أشرعة ” التقته وحاورته حول أعماله ولوحته وفلسفة الخط واللون عنده.
عن بداياته يقول منير الشعراني: قبل أكثر من أربعين عاماً، لم يدر في خَلَد ذلك الطفل الذي كنته، حين أمسك بالقلم ليرسم أول كلمة شدّه جمال خطها، أنه كان يخط أول كلمة في صفحة مصيره، لم يكن يطمح إلى اكثر من النجاح في تقليد تلك الكلمة، ولما هيئ له أن ينجح جذبته الغواية فأصبح مريداً يبحث عن الخط في آثار أقطابه، ويدور في فلكهم حتى وصل إلى شيخه (بدوي الديراني)، فصحبه وسلك طريقته، وأخذ عنه حتى وافته المنية بعد أن مكّن البعيد من القريب. فمن يمكّن البعيد من البعيد؟!..

* لماذا اتجهت باتجاه الخط تحديداً ؟
** المسألة لا يمكن تفسيرها بشكل محدد تماماً لأنها ليست مثل كل الاتجاهات والهوايات (الاتجاه للموسيقى مثلا أو الرسم)، فالفن دائما بدايته غير معروفة، هناك أشياء تتعلق بالطفولة وأشياء تتعلق بالمحيط فهناك عوامل متعددة، ولكن أنا بدأت أعي حب الخط منذ كنت في المرحلة الابتدائية عندما كنت في السنة الثالثة الابتدائية تحديداً بدأت أنشد الخط العربي مع الرسم ولكن الرسم كان من الممكن أن أتعلمه في المدرسة فلم أكن مضطراً لأن أسعى إليه، سعيت للخط العربي فبحثت عن أستاذ أتعلم على يديه وربما كان هذا السعي هو تأكيد على مدى التغلغل في محبة الخط.

* من هو الأستاذ الذي تعلمت على يده ؟
** بعد جولة سريعة على أكثر من خطاط لم أكن أحس حتى وأنا كطفل أنهم يعلمون بصدق وإخلاص كما يقولون، توقفت عند الأستاذ بدوي الديراني في بداية عام 1963 وبدأت أتعلم على يديه حتى وفاته عام 1967.

* هل يمكن تقسيم تجربتك مع الخط إلى مراحل؟ وصولاً إلى المرحلة التي بدأت تتعامل فيها مع الخط الكوفي ؟
** بعد إتقاني للخطوط التقليدية مازلت حتى هذا اليوم في مرحلة واحدة لها سمات مختلفة أو تدرجات مختلفة وإنما هي في نظري ليست سوى مرحلة واحدة، والانتقال من مرحلة إلى أخرى ليس، كما يتصورها البعض، أي إحداث نقلة نوعية تماماً في العمل وليس إضافة هنا أو تطوير هناك، في بداية المرحلة التي أنا فيها اليوم، والتي بدأت منذ أعوام طويلة، كنت أميل إلى تعدد الدرجات اللونية ووجدت أنني لست بحاجة إلى ثرثرة لونية لأصل إلى ما أريد، اختزلت الألوان بالتدريج.. وكان هناك ـ مثلاً ـ بعض النقاط التي كنت أتعامل معها بشكل أكثر ارتباطاً بجذور الخط، وجدت أنه من الممكن أن أتحرر منها حين الحاجة إلى ذلك وأتعامل مع روح هذا النوع أو ذاك بشكل يضيف إليه ولا ينتقص منه وربما كان للتقيد ببعض الأشياء فيه انتقاص منه، على مستوى مزاوجة الخطوط وصلت إلى مزاوجات جديدة وعديدة وهي أيضاً أعتبرها في سياق المرحلة من التجربة وأنا لست حريصاً على الانتقال من مرحلة إلى مرحلة وأن يقال له إنه متعدد المراحل، أنا حريص على أن أعطي عملاً فنياً لائقاً وجميلاً وجديراً وأشعر معه حين أقوم به أنني أتعامل معه بكل الحب اللازم ولذلك أنا أشعر أن عليّ إشباع هذه المرحلة قبل أن أشعر بضرورة نقلة نوعية مغايرة فيها، أيضاً عندي إحساس أن هذه المرحلة لا زال أمامها وقت لأنني لم أتعامل فيها معه إلا مع الورق والألوان الغاش والحبر الصيني والألوان المائية وأن هناك من الاستخدامات الكثير يمكن أن يتم التعامل معه كما حصل في تاريخ الخط العربي حيث كان الفنان أو الخطاط يتعامل مع كل نوع من أنواع الخامات ودخل الخط في كل زاوية من زوايا الحياة، لذلك أشعر أنني حتى ضمن هذه المرحلة أن هناك شيئا أنا بحاجة لاستكماله.

* ما الذي يمثله الخط بالنسبة لك ؟
** بالنسبة إليّ الخط هو فن متميز وخاص يميز الحضارة العربية الإسلامية، وهو ذو خصوصية يعترف بها علماء الجمال في العالم كما يعترفون أيضاً في مجال الخط بالتميز للخط الصيني الياباني ومجموعة الخطوط الصينية اليابانية أيضاً، ولكن كل نوع من هذه الأنواع أو كل عائلة من هذه العائلات تستند إلى أسس جمالية مغايرة، الخط العربي يعترفون به كفن تشكيلي نظراً لكونه قابلا للتشكيل (الحركة والمدة والرجعة والاستدارة والصعود والهبوط) فهو لا يشابه الخطوط اللاتينية أو السلفية التي أخذت منها اللغات الغربية خطوطها، وهي ذات سمة خاصة لا تمكن من الرجعة والهبوط والصعود والاستدارة وبالتالي فهي ليست أكثر من خط، ليس بالضرورة أن يرقى إلى مرتبة الفنون الجميلة، الخط العربي قادر على هذا بسبب بنيته التي تمكنه من التركيب من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل ومن اليمين إلى اليسار وإمكانية الرجعة في الحروف دون أن تختلط الحروف ببعضها، ودون أن تستحيل قراءته، دون أن يكون هناك خلل في الفراغات والكتلة ومن هنا أتى الاعتراف به كفن جميل أو فن تشكيلي وهو أيضاً يتميز بأنه تجريد متطور وراق وهو من أقدم التجريدات التي عرفها الفن ولكن تجريد يستطيع أن يحمل دلالة من خلال العبارة هذه أيضاً فيها رد على سؤال التجريد الذي يحمل الدلالة.

* من المعروف أن هناك قوانين تحكم الخط العربي الكلاسيكي، كيف تمكنت، مع الحفاظ على هذه القوانين من تطوير الخط والمزج بين أنواع منه في لوحة واحدة. ونادراً ما نرى خطاطا كلاسيكيا يتجرأ على هذا ؟
** لا أستطيع أن أسمي أو أطلق تسمية كلاسيكي على كل خطاط، حتى ولو كان يعتمد الأسس الخاصة ببعض أنواع الخطوط التي كرست منذ العهد العثماني كخطوط وحيدة، وأنا أقول أننا منذ العصر العثماني خطاطون تقليديون وليس كلاسيكيون، لأن الكلاسيكي يعني المدرسة التي تتعلمها التي تنطلق منها، لتشكل إضافتك، هؤلاء في نظري لم يتعاملوا مع الخط كما تعامل معه أسلافهم الذين طوروا الخط العربي على مدى سنوات طويلة، لم تتوقف إلا في الفترة العثمانية بعد أن كرس العثمانيون خطا للكتابة المقدسة وخط النسخ للخطوط الدينية والفارسي للأشعار وخط للدواوين والرسائل وخطاً للكتابة العادية، وهذا، برأيي، ليس هو التقسيم الصحيح حتى مدرسياً لأنهم أغفلوا في هذا السياق عائلة كاملة من الخط العربي، لم نجد لها إلا أثراً وحيداً في العهد العثماني في أحد الجوامع وهو نموذج غير جيد. وتم تناسي هذه العائلة بكاملها من خطوط عدها الباحثون أكثر من (70) نوعاً من الخطوط الكلاسيكية التي يجب أن تبني عليها دراسة الخط إلى جانب الخطوط الأخرى الأساسية، والخطاطون منذ العصر العثماني بدؤوا، ما عدا بعض الذين طوروا، في تجويد الخط فقط وليس في بنائه إلا كما قلنا عندما ابتكروا خط الديوان والرقعة للاستخدامات العادية، مع الإشارة إلى ان الرقعة ليس خطاً فنياً، كما تم إهمال الخط المغربي تماماً منذ ذلك الوقت، ولم يتعاط الأتراك معه أبداً منذ العصر العثماني، ولم يعترفوا به كخط يحمل نفس السمات، واصبح لا يستخدم إلا في المغرب العربي. أيضاً تم تقنين هذه الخطوط وأدخل الخط العربي في قفص ذهبي على أنه مقدس فابتعد عن المسائل الدنيوية، وهذا خلاف ما عرف عن الخط العربي لأنه خط يتعامل مع الحياة بكل مناحيها سواء كانت الدنيوية أو الدينية أو كل شيء لذلك وجدناه على كل الخامات في التراث الموجود وبأغراض مختلفة على النسيج أو على الورق أو على الحليّ وحتى على الأسلحة والمباني والجدران وكل ما يمكن أن يدخل إليه. كان الخط هو القاسم المشترك لكل الفنون العربية الإسلامية، وبرأيي ان الخط هو عصارة الرقي الفني في الحضارة العربية الإسلامية وهو الذي يتعامل مع عين المتلقي وعقله وقلبه في آن واحد.

* ما هي التعديلات التي يمكن أن تسجل للفنان منير الشعراني على صعيد الخط ؟
** ربما كان النقاد أقدر على هذا، ولكن للأسف ليس هناك حركة نقدية في الفنون عموماً في بلادنا فما بالك في الخط العربي الذي ظل مهملاً حتى اليوم، لذلك لو كان هناك حركة لما جاوبتك على هذا السؤال ولكن أراني مضطراً للإجابة.
لقد بنيت على أساس أو جذر الخط العربي وقمت بترميم بعض الأشياء الموجودة والإضافة إليها أحيانا، فيما بعد استكملت نواقص بعض الأنواع التي لم أصل من خلال بحثي إلى أبجدية كاملة منها مثلاً إلى كافة المواقع، أنت تعلم أن هناك أشكالا لكل حرف في البداية والوسط والنهاية. ربما استكملت بعض هذه النواقص، كما حاولت أن أبني من خطوطا أو أشكالا من خطوط لم يكن يشكل بها كانت تكتب كأسطر ولكن حاولت أن أستنهض كل ما هو معاصر في هذا الأمر، كل ما يجعلنا نستطيع عندما نراه اليوم نشعر بنفس الدهشة التي نشعر بها أمام عمل فني حديث وجيد، وبعد سنين طويلة من التعامل مع الخط العربي زاوجت بين أنواع مختلفة أو ابتكرت أشكالاً لبعض الحروف لم يكن أحد قد لجأ إليها. على صعيد التركيب والتلوين واجهت انصياع الخطاطين وسلفيتهم فهي التي تجعل الخط العربي دائماً محصوراً في دائرة أو في مربع أو في مستطيل أو كل هذا الفراغ لا يجب أن يملأ به والخط العربي ليس في حاجة إلى الزخرفة كي أبرز جمالية أو الطاقة الجمالية العالية التي يمكن أن أراها فيه أكثر من أن يكون مجرداً.

* من المعروف أن الخط الكوفي هو الخط الملكي الأقل استخداماً وهو الخط المسجدي عادةً، في حين أن الخط الثلث هو الخط الأجمل، ولكن منير الشعراني استطاع أن يطوع الحرف الكوفي بشكل جعله هو الأجمل ؟
** ليس هناك إجماع على أن الثلث هو الأجمل أو الكوفي هو الأجمل، وكما قلت أن الكوفي ألقي عليه تلال من رمال النسيان فأصبح بعيداً عن عين المتلقي لفترات طويلة من خلال بعض الأشياء البسيطة التي كان يراها الإنسان في بعض المساجد القديمة أيضاً، لم يكن يستخدم على مدى العصر العثماني كثيراً وبالتالي أصبح هناك تكريس للثلث لأن يكون سيد الخطوط، دون إدراك بأن هذه العملية مرتبطة أيضاً بالحيِّز الذي توضع فيه ولا يمكن القول إن الثلث هو أجمل الخطوط في كل المواقع، فقد يكون أجملها في موقع وأسوأها في موقع آخر، وربما كانت هذه الإطلاقية هي نتاج التنسيق الذي تم بأنواع معينة من الخط، لا نستطيع القول أبداً بأن عائلة الخطوط الكوفية كانت مستخدمة كلها على المساجد، فقد كانت هناك خطوط مستخدمة في المخطوطات الأولى للمصاحف حيث كانت بالخطوط الكوفية المختلفة وكانت تتمتع بجماليات عالية. كما كانت تستخدم على الملابس وعلى الحلي وعلى الحجارة وأنواع مختلفة ربما لم يكن الثلث صالحاً للاستخدام عليه، تبعاً لنوعية الخامة فالخطوط التي شكلت على النسيج كانت تراعي اللحمة والسداة التي يقوم عليها النسيج ولا يمكن للخط الثلث أن يتم التعامل معه بسلاسة في هذا المجال فلذلك كانت الخطوط ابتكارا لأنواع الخطوط التي كانوا يكتبون فيها من قبل بعض الفنانين ليتم التعامل مع النسيج من خلالهم، أيضاً الخطوط التي كانت توجد على المعادن في الحالات مثل حركة الحفر أثرت عليه، كان هناك حوار دائم بين الخط العربي والخامة التي يتعامل معها وكان هناك تعدد بأنواعه تبعاً لذلك وهو ما يفيد ربما. وهذا الأمر يغفله دوماً مؤرخو الخط العربي على أنه تطور للخط المكتوب على الورق.

* تطرقت في حديثك إلى الخط المغربي. ويلاحظ استخدامك لهذا الخط في عدد من الأعمال، وهذا شيء نادر بين الخطاطين المشرقيين؟
** كل منطقة من المناطق التي استظلت بمظلة الحضارة الإسلامية كانت لها سمات خاصة، نحن نعرف عندما نرى خطا متأثرا بالروح الصينية والخط المتأثر برهافة الإيرانيين، والخط العربي عندما وصل إلى المغرب أخذ سمات لها علاقة بالناس هناك وبقي خط النسخ المغربي دون أن يقنن بينما قنن خط النسخ المشرقي وتطور إلى أن وصل إلى أيدي العثمانيين بينما في المغرب لم يتم تطويره بهذا الشكل، لأنها كانت دوماً بعيدة عن المراكز وكان الفنانون غالباً يتجمعون في المراكز وبالتالي لم يتم تطويره بشكل كبير وطورته أكثر القريحة الشعبية، ومن هنا تبرز فيه العفوية الفطرية. ولكنها الفطرية الجميلة التي نراها من خلال عمل الفنانين الشعبيين.
وقد تطور الخط المغربي قليلا في المرحلة الأندلسية، وهي مرحلة متأخرة، واستخلصت أنواعا من الكوفي المغربي والثلث المغربي أو الأندلسي ولكنها لم تستمر طويلاً بسبب انتهاء الدولة الأندلسية. والخط المغربي بشكل عام خط مرسل فيه قدر عال من الجمالية والرهافة ممكن أن ينظم ويستخلص منه شكل يصلح لأن يشكل منه عمل فني.

* تحدثنا عن العثمانيين، هل يمكن الحديث عن الفوارق بين الخط العثماني والعربي والإيراني ؟
** ليس الأمر بهذا الشكل، نستطيع القول إن هناك اليوم في تركيا تجويد للخطوط التي اعتبرها العثمانيون في المقدمة، ولكن مع الإشارة إلى ان لغتهم لم تعد مكتوبة بهذا الخط، وبالتالي هم يتعاملون معه اليوم كفنّ، ولكن كفن تقليدي، لأنه لا يخضع إلى التطوير على أيديهم لأنهم لا يعرفون كنه الحرف من الناحية اللغوية وهذا أمر ضروري للتطوير، في إيران يتعاملون مع خط النستعليق الفارسي وهم يعملون على تطويره والاستفادة منه في العمل الفني وهم في رأيي أكثر انفتاحاً لأنهم يتعاملون مع أنواع محددة من الخط لكن ذهنه أكثر انفتاحاً من ذهن الأتراك الذين لا يرون في الخط العربي إلا الخطوط التي يتعاملون معها.

•* كيف يتم اختيار موضوعك ؟
** أقرأ دوماً وأستخلص بعض العبارات وأضعها جانباً ومن ثم أشكل وأتعامل مع هذه العبارات، من حيث المبدأ العبارات التي قمت باختيارها تندرج ضمن رؤيتي للعالم والحياة وللفن وهي التي أرى أنها ملائمة للتعبير عما أريد، فبالتالي أتعامل مع هذه المختارات في اللحظة التي أجلس فيها للتفكير والعمل، لا أتقصد في لحظة معينة هذه العبارة أو تلك. فالحالة تفرض اختيار العبارة المناسبة .ولكنها كلها تمشي في سياق فهمي للحياة ولما أريد إيصاله من خلال عملي الفني .

* يُلاَحَظ وجود ” نقطة حمراء” في معظم أعمالك ؟
** هي بالنسبة لي حال جمالي مستعار أساساً من المرحلة الأولى من التنقيط في الخط ولكن لغرض جمالي هنا وليس لغرض لغوي لذلك تراه حاضراً في بعض الأعمال وغائباً عن بعض الأعمال، ألوان النقاط عندي عبارة عن تشكيل بصري، حتى لو عزلت الحروف ممكن أن تشكل لي علاقات بصرية تعطيني إيقاعا في اللوحة، بمعنى أنني أستعين بهذه الألوان لتحميل اللوحة طاقة موسيقية أراها ضرورية للخط الذي هو في نظري التجريد البصري الموازي للموسيقى التي هي تجريد السمع، فأنا أريد للعمل أن يشد المتلقي ويطربه أيضاً.

* المعنى الأدبي للجملة المكتوبة يشكل العنصر الأساسي في لوحتك، كيف تنظر بالتالي الى الحروفيين الذين استخدموا الخط بشكل تجريدي ؟
** برأيي ان الضجة التي أثيرت عما يسمى بالحروفية، أي اللوحات التي تقوم أو التي يقوم الخط العربي كأحد عناصر بنائها، كان فيها الكثير من المبالغة، أنا لا أرى أن هناك تياراً واحداً في الحروفية، وليس هناك جامع بالضرورة من حيث الأسلوب ومن حيث الانتماء إلى اتجاه فني بين الحروفيين، هناك منهم من هو تجريدي وهناك من هو تعبيري وهناك من هو انطباعي وهناك من يعمل بروح مختلفة، هناك منهم الحفار والمصور والنحّات وقليل منهم من هو خطاط في الوقت نفسه، من هنا لا أرى أنني معهم، لا يمكن مقارنة عمل كفنّ قائم بذاته بعمل يرتكز على الحركة الأولى البدائية بصيغته التي تطور من خلالها إلى فن من الفنون الجميلة. والحروفية ليست سواء حتى تاريخياً فالموجة الأولى كانت في إطار السعي أو البحث عن الهوية، كان الناس الذين يدرسون في الخارج بحاجة لأن يعبّروا عن ذاتهم وعن شخصيتهم في ظل استعمار كان يحتل بلادهم أن يبنوا شخصيتهم الوطنية أو القومية ولجأوا إلى الحرف في سبيل هذا ومنهم فنانون كبار ولكن لا أستطيع أن أضعهم في سوية واحدة فنياً ولا أدائهم. الموجة الثانية كانت لتلبية حاجة بلاد وتجار النفط الذين لجأوا إلى الاتكاء على الحروفية لسد الفراغ في القصور التي كان يسعى أصحابها إلى تقليد الغرب في كل شيء. الموجة الثالثة هي التي كانت تسعى إلى تلبية حاجة المتلقي الغربي على خلفية النظرة التي خلفها الاستشراق أو المستشرقون للوحة ولعبه الكثير ممن تعاملوا بالحروفية على هذا الوتر لإرضاء الذوق الغربي المتشكل على خلفية الاستشراق.

* هل تعمل كروكيات للعمل أو تبدأ مباشرةً ؟
** العمل يبدأ باسكيتشات عديدة وتمارين كما نسميها في الخط بالقلم ثم عندما أصل إلى التركيب المراد أو المرضي أعود للتعامل معه من الجانب التشكيلي غير الخط من حيث دراسة الفراغ وعلاقة العناصر وضبط العلاقة بين الفرق والكتلة على ضوء التمرين أو الاسكتش الذي أكون اخترته من بين الاسكتشات وهناك أقوم بضبطه وتكبيره وثم نقله إلى الورق الشفاف ثم إلى اللوحة ثم تكوينه.

* ما يقال عن الخشية من الكمبيوتر على الخط العربي، ما هو تأثيره ؟
** هذا يذكرني بما قيل حول المطبعة في بداياتها، وهذا الكلام نتيجة عجز وتقصير وإهمال وهو انعكاس لحالة التردي التي نعيشها، لأن الكمبيوتر ليس سوى أداة لا تنضح إلا بما يوضع فيها من برامج وهي أداة تنفيذ لأشياء كبيرة جمعت. أشياء كثيرة ربما استطعنا من خلالها اختصار وقت كبير في التصميم الطباعي وإعداد المطبوعات أو حتى في صف النصوص أو استحضار معلومات في الكثير من المسائل، فيما يتعلق بالخط العربي لم يحصل أي اهتمام حقيقي رسمي أو على الأقل من قبل الخطاطين للإسهام في وضع صور للحروف أو قوالب للحروف تتناسب مع هذه الآلة لتعطي حرفاً طباعياً جيداً، لتعطي حرفاً يستخدم في الوسائل الإعلامية فلذلك ترك المجال للشركات التجارية لتستنبط أشكالا ما أنزل الله بها من سلطان. وتعتمدها كخطوط طباعية أو خطوط للعناوين والاستخدامات الأخرى، وبرأيي هذا أمر يحمل وزره الخطاطون قبل الآخرون وأهمها المؤسسات الرسمية بالدرجة الأولى وعدم استعداد كثير أو معظم الخطاطين لأن يتعاونوا أو أن يحاولوا التخلص من السلفية والتقليدية التي في رؤوسهم للتعامل مع معطى جديد كما تعامل أسلافهم مع الخامات المختلفة، من جانب آخر يرى البعض أن الكمبيوتر سيقضي على الخطاطين، و في رأيي الكمبيوتر لن يمس إلا الحرفيين من الخطاطين معه لأن الكمبيوتر لا يعطينا لوحة خطية إذا لم يكن وراءها مبدع حقيقي، وبالتالي لا يمكن للكميبوتر أن يكون في أرقى حالاته أكثر من أداة تنفيذ لما يصممه الفنان، بمعنى انه لا يهدد فن الخط بل هو يهدد أناسا تعودوا على التعامل مع الخط كحرفة، وربما كان على العكس إيجابيا لان يدفع الخطاطين الذين لديهم طاقات فنية لان يتعاملوا معه بشكل فني وأن يقوموا بإنجاز لوحات فنية وعرضها، وهذا سبب ازدياد عدد معارض الخط في السنوات الأخيرة.
في رأيي الكمبيوتر لا يهدد الخط العربي وإنما يهدد السكون والسلفية والجمود الذي عرفه الخطاطون وحوله من فنانين مبدعين إلى حرفيين ضيقيّ الأفق.

إلى الأعلى