الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاتحاد المغاربي يدخل النفق الطويل

الاتحاد المغاربي يدخل النفق الطويل

د.أحمد القديدي

” اليوم ربما تغيرت المعطيات باستفحال ظاهرة الإرهاب وتفاقم مؤشرات العنف وتهديد الإقليم كله بتدخل عسكري مباشر من قبل قوات حلف الناتو بحجة الفوضى الليبية فاعتقدنا أن هذه التغييرات الجيوستراتيجية ستؤثر على اللاعبين الإقليميين لقبول بعض التنازلات في هذا الملف الشائك من أجل تحصين الاتحاد المغاربي من هزات متوقعة ومزلزلة،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوم السبت 5 مارس الجاري حل الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بان كي مون ضيفا على الأزمة الكبرى الطويلة التي عطلت التنمية والتعاون والسلام في الإقليم المغاربي وهي أزمة الصحراء الغربية التي اختلفت حولها ثلاثة أطراف هي الجزائر والمملكة المغربية وجبهة بوليزاريو (وادي الذهب و الساقية الحمراء) و لعلمكم فإن هذا الملف المعيق لكل وحدة مغاربية نشأ مع جلاء الاستعمار الأسباني عن المنطقة سنة 1975 وأعلنت مجموعة من متساكني الصحراء الواقعة بين المغرب والجزائر ومويتانيا استقلالها تحت مسمى الجمهورية الصحراوية وبلغ الأمر بين الجارتين الشقيقتين (المغرب و الجزائر) درجة الحرب في مرحلة ما بين 1975 و 1976 و تمسك كل طرف بموقف حاد وتعاقبت الوساطات أميركية وفرنسية وعربية وأممية دون جدوى. اليوم ربما تغيرت المعطيات باستفحال ظاهرة الإرهاب وتفاقم مؤشرات العنف وتهديد الإقليم كله بتدخل عسكري مباشر من قبل قوات حلف الناتو بحجة الفوضى الليبية فاعتقدنا أن هذه التغييرات الجيوستراتيجية ستؤثر على اللاعبين الإقليميين لقبول بعض التنازلات في هذا الملف الشائك من أجل تحصين الاتحاد المغاربي من هزات متوقعة ومزلزلة، وكنت بصراحة آمل أن يغتنم قادة الدول المغاربية هذه التحولات الجذرية لعقد قمة بينهم تخرج قطار اتحادهم من النفق المظلم، ولكني مع الأسف لم أجد على الساحة المغاربية الا ما يخيب الآمال ويبعث على الإحباط خاصة وقد أعطى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لوساطته طابعا إنسانيا مؤثرا حين زار مخيمات الصحراويين المهجرين من ديارهم إلى (تندوف) ولعلم العرب الأفاضل فإن تندوف نوع من أنواع الأرض المشاعة لما يعرف بجيش تحرير وادي الذهب والساقية الحمراء ( أي ما يعرف إيجازا باسم البوليزاريو، تلك الحركة التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية وانفصالها عن المملكة المغربية منذ جلاء القوات الاستعمارية الأسبانية عن هذا الإقليم المغربي عام 1975). كما تحادث الأمين العام مع الرئيس الجزائري ومع محمد عبد العزيز رئيس ما يسمى الجمهورية الصحراوية. واستخلصت من هذه اللقاءات التي لم تعقبها مبادرات ميدانية بأن بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية أكثر من مجرد الاختلاف وأعمق من مجرد الخلاف! فالقضية مفتوحة بين الدولتين منذ أربعين عاما كالجرح النازف، وأتذكر أني شخصيا كنت كلما التقيت الرئيس الحالي للجزائر عبد العزيز بوتفليقة حين كان بعيدا عن الشأن العام ويزورنا في الدوحة في التسعينات وهو رجل وطني مغاربي عف اليد واللسان، إلا وقلت له بشهادة أبو ناصر صديقنا المشترك والدبلوماسي القطري: لو يوما ما تحملت مسؤولية الجزائر فالأولوية المطلقة هي إنهاء المعضلة الصحراوية، و بالطبع كان بوتفليقة وأعتقد أنه كذلك اليوم المتحمس الصادق لوضع حد لها الملف المعقد المعطل لكل مبادرة مغاربية منذ استقلال شعوب المنطقة. فمن الذي ينفخ في أتون الأزمة اذن ؟ ومن الذي ضرب جهود الأمم المتحدة لحلها حين تم تكليف جيمس بيكر عام 1997 بمتابعة الموضوع واقتراح صيغ توفيقية بين الموقفين المغربي والجزائري ؟ من الذي لا يريد طي هذا الملف ؟ ثم هل من الشرعي والجائز أن نرى بعض أصحاب المصالح الخفية من وراء الدول أو تحت ستارها تحرك دمى التناحر والقطيعة والفتنة بين الجارتين حتى لا يتم بناء مغرب موحد سقط في ساحات الوغى والشرف ملايين المغاربيين ليتحقق ويتجسد، منذ أن كان حلم الزعماء الذين أسسوا مكتب المغرب العربي في القاهرة عام 1948 على أيدي عبد الرحمن عزام باشا أول أمين عام لجامعة الدول العربية، وقد كانت تلك الكوكبة من الزعماء التاريخيين تضم مصالي الحاج وعلال الفاسي والحبيب بورقيبة وعبد الكريم الخطابي طيب الله ثراهم. وظل المغرب العربي في القلوب والضمائر مثلا أعلى و قيمة سامية تدفع الجماهير إلى الكفاح والتحرير ثم في مرحلة الاستقلال إلى التعاون والوحدة. و لكن مع الأسف ضاع ذلك الرمز في مهب الاختلافات الجذرية بين الأنظمة السياسية والأمزجة الشخصية منذ أول عهد الاستقلال، بل وصلت المملكةالمغربية والجزائر إلى حد حرب الرمال، وتراوحت العلاقات فيما بعد ما بين النقيضين: إما الوحدة الاندماجية الشاملة والمزيفة وإما العداء المتفجر والبحث عن الانتقام. وابتعد حلم التعاون الضروري والحيوي المخطط بين البلدان الشقيقة حتى تدنت نسبة التبادل التجاري والصناعي البينى الى 2,5 % من جملة المبادلات الاقتصادية المغاربية حيث توجهت كل دولة من دول المغرب العربي الى الشريك الأوروبي بمفردها منعزلة عن محيطها الإقليمي الطبيعي فاستفردت القوى المهيمنة على كل منها على حدة، وأضيف لهذا الوضع المعيب جو من التطاحن الإيديولوجي الأجوف بدأ مع أحمد بن بيلا وانتهى مع العقيد القذافي وكاد يدخل بهذا الجناح الشمال إفريقي في متاهات الصراعات المسلحة المدمرة للشعوب وفي تلاعب القوى العظمى والمتوسطة لفرض مناطق النفوذ والهيمنة على حساب مصالح الأمة المغاربية الواحدة. واني أعتذر عن هذه الرؤية الواقعية التي ليس غايتها اليأس وبعث الإحباط بل المصارحة التي أعتقد أننا في حاجة إليها أكثر من الكلام المعسول والدبلوماسي الذي لم يحل قضية ولم يتقدم قيد أنملة بالشعوب. لعل مبادرة بان كي مون الأخيرة تخرج باقتراحات جريئة لتحريك المياه الآسنة في الصحراء! وهي معجزة ولكن لو لم تتحقق المعجزة فستبقى دار المغرب العربي على حالها كدار لقمان، وسنسمع الكلام اللطيف إياه وسنرى العناق والأخذ بالأحضان بين القادة ثم يفترقون بعد أن شاهدتهم الجماهير من مسراطة وطرابلس إلى القيروان إلى عنابه إلى وهران إلى فاس وطنجة إلى مراكش و نواقشط والساقية الحمراء وهم يتعانقون في انتظار بصيص نور ينبثق أخر النفق المظلم وفي انتظار العناق القادم !

إلى الأعلى