الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أضواء على تنظيم الدولة وأسباب انجذاب بعض الشباب له(2)

أضواء على تنظيم الدولة وأسباب انجذاب بعض الشباب له(2)

السيد عبد العليم

” لعل أهم ما يتميز به “داعش” هو أنه لا يعمل بعقلية التنظيمات الاخرى التي تخوض فقط القتال والمعارك، بل إنه يدير المناطق الواقعة تحت سيطرته بعقلية وأسلوب الدولة، حيث يتولى مختلف شؤون ومناحي حياة مقاتليه والمواطنين الذين يعيشون في المناطق التي تخضع له من تعليم وقضاء وصحة وكهرباء، الأمر الذي يظهر أنه يخطط لإقامة دولة بمعناها السياسي أي أرض وشعب وسلطة حاكمة.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
// العوامل التي ساعدت على قيام التنظيم
في مارس 2003 قصفت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة العراق تحت حجج واهية ساقتها الادارة الاميركية في عهد بوش الابن لتبرير غزو العراق من بينها: سعي النظام العراقي بقيادة الرئيس صدام حسين لحيازة اسلحة دمار شامل، ودعم تنظيم القاعدة الذي قام بالهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع الاميركية البنتاجون عام 2001. وخلال القصف كانت الطائرات الاميركية وقوات التحالف تسقط منشورات تدعو فيها القوات العراقية الى الاستسلام والانسلاخ عن نظام صدام الذي كانت قد شيطنته وسائل اعلامها. وبالفعل تخلى أفراد من القوات العراقية عن اسلحتهم وخلعوا زيهم العسكري في مشاهد بثتها الفضائيات. وكان كثير من هؤلاء ينتظرون المكافأة على ذلك بعد الاطاحة بصدام واحتلال اميركا فعليا للعراق وادارتها البلد من المنطقة الخضراء في بغداد. لكن كانت مكافأة هؤلاء وبقية افراد الجيش العراقي وغيره من المؤسسات، هي قرار الحاكم العسكري الاميركي للعراق بول بريمر بتسريح أفراد الجيش العراقي وعدد من المؤسسات الاخرى، الأمر الذي لم يقدم عليه الاحتلال التقليدي البريطاني في مصر عام 1882 وغيره من المستعمرين لبلدان اخرى لخطورة هذا الامر. مما ترتب عليه صدمة كبرى للمنتسبين لتلك الجهات وعلى رأسها الجيش العراقي، حيث بين عشية وضحاها اصبحوا بلا عمل وبلا مصدر رزق للانفاق على انفسهم واهليهم، وعانوا من اوضاع بالغة الصعوبة.
ولم يقتصر الامر على ذلك، بل تعرض الكثير منهم الى ملاحقات واعتقال وسجن ودخل عدد منهم السجون سيئة السمعة مثل سجن ابو غريب الذي شاهد العالم كله ما كان يتم فيه من إهانة وإذلال لعراقيين كانوا اسيادا بالامس وصاروا عبيدا اليوم على يد المحتل الاميركي. فكان لذلك اثر نفسي ومعنوي كبير على هؤلاء وغيرهم، اثر بشكل عميق على افكارهم ومعتقداتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية.
ثم جاءت حكومة رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري القيادي في حزب الدعوة وهو حزب اسلامي عام 2006 لتظهر معها ما عرف بفرق الموت الشيعية التي كانت تقوم بقتل جماعي لابناء عشائر سنية فيما مثل القتل على الطائفة او الملة، لترتكب ابشع الجرائم وتزيد من احتقان النفوس، ونفور كثير من السنة من ذلك الحكم الطائفي. فبعد سقوط صدام الذي لم يكن يفرق بين العراقيين على اساس الطائفة، وجد السنة انفسهم معزولين ومضطهدين وعرضة لكثير من اعمال القتل والاستباحة والتنكيل.
ثم جاءت حكومة نوري المالكي لتكون اقسى واشد تجاه السنة العراقيين، ولتقع عمليات قتل جماعية ممنهجة كانت محل تنديد من الامم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية.
وقد ترتب على الاحتلال والطرد من العمل والإذلال في ابو غريب وعمليات القتل الجماعية، ترتب على ذلك ان اتجه كثير من المنتسبين السابقين لقوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والنخبة وغيرها في جيش عراق صدام ـ الذي كان بدوره قد اتجه في اواخر فترة حكمه وبعدما تأكد من تصميم اميركا على محاربته الى النزعة الدينية وذلك عندما اطلق لحيته واغلق محلات الخمور وغيرها ـ الى محاولة اعادة احياء حزب البعث من جديد تحت مسمى البعث الجديد. لكن مع تراكم مشهد حزب البعث العراقي وما ادى اليه من الاحتلال وتردي الاوضاع في العراق، فضلا عن عمل الحكومات العراقية المتواصلة على تصفية الحزب وملاحقة قيادته والمنتسبين اليه، شرع هؤلاء الافراد في الاتجاه الى منحى فكري اخر يكون له جاذبيته. وتمثل ذلك في تنظيم الدولة الاسلامية في بلاد الرافدين في البداية وكان تابعا لتنظيم القاعدة.
وخلال حكم المالكي وبعدما طفح كيل المحافظات ذات الاغلبية السنية من سياساته الطائفية واهماله التام للمناطق السنية، تجمع ابناء هذه المحافظات وخاصة في محافظة الانبار وشاركوا في مظاهرات ضخمة تطالب بتحسين احوالهم المعيشية والتنديد بانقطاع الكهرباء والمياه وسوء الخدمات. وبدلا من استجابة الحكومة لهذه المطالب او محاولة التواصل والتفاهم مع المتظاهرين كما هو الحال حاليا مع انصار الصدر الذين يعتصممون عند المنطقة الخضراء في بغداد، تم استخدام القوة ضد تلك المظاهرات مما ترتب عليها سقوط كثير من القتلى والجرحى. وترتب على ذلك ان صارت تلك المناطق التي تم تجاهلها والاعتداء عليها من الحكومة المركزية الطائفية ان باتت معادية لتلك الحكومة جراء ممارستها الاستبدادية. وبعدما ظهرت فيها حركة الصحوات للتعاون مع الحكومة وقاتلت واخرجت تنظيم القاعدة من كثير من مناطقها وبدلا من ان تلقى مكافأة واستحسانا من قبل حكومة المالكي بدمج افرادها في الجيش والشرطة، كان التعنت ضد تلك الصحوات, ووقف الرواتب التي كانت تدفعها لهم سلطات الاحتلال. الامر الذي جعل تلك المناطق واهلها ارض خصبة لدعم تنظيم الدولة في العراق والشام(داعش) الذي كان في بداياته يعمل تحت اسم “جماعة التوحيد والجهاد” بزعامة أبي مصعب الزرقاوي في عام 2004 قبل أن يبايع الأخير زعيم القاعدة السابق أسامة بن لادن ليصبح اسم التنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين”.
وبعد مقتل الزرقاوي انتخب أبو حمزة المهاجر زعيما للتنظيم. وبعد أشهر أعلن عن تشكيل “دولة العراق الإسلامية” بزعامة أبي عمر البغدادي. لكن القوات الأميركية نجحت في ابريل 2010 في قتل البغدادي ومساعده أبي حمزة المهاجر، فاختار التنظيم”عواد ابراهيم عواد القريشي الحسيني” المعروف باسم “أبو بكر البغدادي” خليفة له.ويوصف البغدادي بانه “جهادي” عراقي، من مواليد مدينة سامراء عام 1971 عاشق لكرة القدم. حصل على شهادته الجامعية الأولى والماجستير من جامعة العلوم الإسلامية في بغداد، ثم حصل على الدكتوراه في القانون الإسلامي من الجامعة ذاتها في عام 2000. قاتل القوات الأميركية تحت راية أبو مصعب الزرقاوي فاعتقل عام 2005 وسجن أربعة أعوام بسجن بوكا في البصرة. أسس تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على مناطق واسعة من العراق وسوريا عام 2014، ونصبه التنظيم “خليفة للمسلمين” في كل أنحاء العالم ودعاهم لبيعته وطاعته.
ويمتلك” داعش” العديد من الدبابات والصواريخ والسيارات المصفحة والسيارات الرباعية الدفع والأسلحة المتنوعة التي حصل عليها خلال معاركه مع القوات العراقية واستحواذه على مخازن الاسلحة في المناطق التي يسيطر عليها. وكذلك استيلائه على اموال البنوك في المناطق التي تخضع لسيطرته. وفي عام 2014 استولى التنظيم على مناطق شاسعة من الجيش العراقي في الموصل وغيره. ويسعى التنظيم إلى تعزيز مناطق نفوذه وإقامة دولة على جانبي الحدود السورية- العراقية. فضلا عن التمدد والانتشار في مناطق مضطربة اخرى مثل ليبيا.
ولعل اهم ما يتميز به “داعش” هو أنه لا يعمل بعقلية التنظيمات الاخرى التي تخوض فقط القتال والمعارك، بل انه يدير المناطق الواقعة تحت سيطرته بعقلية واسلوب الدولة حيث يتولى مختلف شؤون ومناحي حياة مقاتليه والمواطنين الذين يعيشون في المناطق التي تخضع له من تعليم وقضاء وصحة وكهرباء، الامر الذي يظهر انه يخطط لاقامة دولة بمعناها السياسي أي ارض وشعب وسلطة حاكمة. ورغم أن التنظيم عانى من استعادة بعض المناطق منه، الا انه يحافظ ويزيد من رقعة الاراضي التي يسيطر عليها رغم الغارات الجوية المكثفة التي تشنها طائرات التحالف الدولي على مواقعه في سوريا والعراق، حيث يتمدد وينتشر في مناطق وبلدان اخرى. الامر الذي يدفع بالبعض الى النظر في الحرب على داعش على انها اكذوبة. إذ كيف لتحالف يضم اكثر من 60 دولة تتزعمه اقوى دولة في العالم ان يفشل في مواجهة دويلة تتكون من مجموعة من المقاتلين؟

إلى الأعلى