الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حكومات الألفية الثالثة “رؤية إلى أبرز التحديات المستقبلية ” (2-5)

حكومات الألفية الثالثة “رؤية إلى أبرز التحديات المستقبلية ” (2-5)

محمد بن سعيد الفطيسي

”..المستقبل سيكون لتلك الحكومات والمنظمات والمؤسسات العامة والخاصة التي ستحارب مركزية السلطات والصلاحيات وتعقيد القوانين، وستهدم حالات التسلسل الهرمي والبدانة الرسمية، وستركز على الجودة النوعية، والاقتراب من مواطنيها أو- بمعنى آخر – المستفيدين من خدماتها، وستقدر على التحول من البيروقراطية التقليدية إلى الريادة في الأفكار والتوجهات والاستراتيجيات..”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك اتجاه آخر له علاقة وثيقة بثورة المعرفة والمعلومات، ويعزز التكهن بأن هذا القرن سيشهد تحولا في موقع الأنشطة الجماعية والاشتراكية بعيدا عن الحكومات المركزية، – اقصد – انتشار السلطة بعيدا عن الحكومات المركزية باتجاه العناصر الفاعلة الخاصة، فانتشار المعلومات سوف يعني ان السلطة ستتوزع على نحو أوسع بين الشبكات غير الرسمية، وهو ما سينقص من احتكار البيروقراطية التقليدية والمركزية السلطوية، كما ان القادة السياسيين سيتمتعون بدرجات اقل من الحرية في إدارة شؤون دولهم، وعندئذ سيضطرون الى تقاسم المسرح مع ممثلين آخرين، وستزداد الخصخصة والملكية المشتركة بين القطاعين الخاص والعام، وستختلف الدول في مدى الدفع باتجاه نزع الصفة المركزية وسرعة هذا الدفع الناجم عن ثورة المعلومات والمعرفة.
كما ستسهم المنظمات والجماعات الدولية والمؤسسات غير الحكومية العابرة للقومية باختلاف اتجاهاتها وتوجهاتها وحتى بعض الأفراد في توجيه دفة السياسة العالمية والخطط التي تؤثر على السياسات العامة والتي كانت يوما حكرا على الحكومات المركزية، مما سيدفع باتجاه تغيير طبيعة تلك الحكومات ومرئياتها واتجاهاتها المستقبلية كثيرا خلال القرن 21، وهو ما يشير إليه ويؤكد خبير الإدارة بيتر دراكر وعالما المستقبليات هيدي توفلر وألفين توفلر بان ( ثورة المعلومات آخذة في إنهاء المنظمات البيروقراطية المتسلسلة في المراتب، والتي ميزت عصر الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية)، و باختصار، فان هذه التحولات والتغيرات الحاصلة في طبيعة البيئة السياسية الدولية المعاصرة بوجه خاص والحضارية بوجه عام تشير الى إبطال مفعول الدولة المركزية الحديثة التي سيطرت على السياسة العالمية طيلة قرن ونصف، كما ان تغيير دور وطبيعة المؤسسات الحكومية خلال المستقبل قد أصبح أمر مؤكد من خلال عملية تدريجية ستتضح معالمها خلال السنوات القليلة القادمة.
بناء على تلك المعطيات سالفة الذكر، يمكننا أن نبدأ بتصور سيناريو مستقبلي من خلال استخدام تقنية المد البياني الاستقرائي للتوجه” للإجابة عن السؤال التالي: كيف سيكون شكل وطبيعة الحكومات في العقد الثالث من القرن 21، وذلك من خلال إسقاط توجهاتنا الكبرى الراهنة إلى الأمام بناء على المعطيات التي سبق وتطرقنا إليها؟ وقد وجدنا ان هناك 3 اتجاهات لا مفر منها ستتشكل من خلالها حكومات المستقبل ومنها ستتحدد الإشكاليات والعوائق ويمكن من خلالها كذلك إيجاد الحلول الممكنة، وقد تناولنا تلك التوجهات بشكل مفصل في كتاب الدولة المطمئنة في الألفية الثالثة ص 163 – 184، ونعيد طرحه هنا مع بعض التنقيح والتصرف، والاتجاهات الأربعة هي: أولا ان معظم المؤسسات الحكومية اليوم تؤدي مهمات عديدة ومتنوعة آخذة في التعقيد على نحو متزايد، في بيئة تنافسية آخذة في التغيير بشكل متسارع، نتج عن ذلك أزمات وتحديات آخذة في التطور بطرق متجددة، تلخص الفقرات السابقة وبطريقة موجزة وبسيطة ما الذي ستقبل عليه حكومات القرن21.
إذا وباختصار شديد، فان حكومات المستقبل هي تلك الحكومات التي ستتمكن بطريقة أو بأخرى من خلال أدوات محددة من مواكبة المتغيرات والتحولات التي ستطرأ على البيئة الحكومية في المستقبل القريب والبعيد من خلال ما نطلق عليه بإعادة تحديد حسن الإدارة على تلك التوجهات، بداية من زيادة التعقيد في المهمات والواجبات الموكلة إليها، إلى ارتفاع سقف المنافسة والتحدي على مختلف الجوانب الحياتية والأصعدة المحلية منها والإقليمية والدولية وبشكل سريع جدا ولا يقبل التوقف ولو لثانية من الزمن، وفي مقدرتها وإمكانياتها واستراتيجياتها على احتواء الأزمات والمشاكل التي ستواجهها في ذلك الطريق الشاق.
والمتتبع المتخصص لتطور هياكل وبناء الحكومات من الناحية التاريخية والإدارية يجد أن ذلك التطور الغير مسبوق والذي ظهر في الحقبة الصناعية في منتصف القرن 18 لم يعد يعمل بنجاح ولا بطريقة فعالة وناجعة في وقتنا الراهن، نتيجة استفحال البيروقراطية المكتبية والمركزية البطيئة، واشتغال تلك الحكومات بالقواعد والقوانين والتعليمات وتسلسل قياداتها الهرمي بشكل شديد التعقيد والمركزية السلبية، صحيح أنها أنجزت أشياء عظيمة في زمانها ولكنها وفي مكان ما وفي وقت ما على الخط ابتعدت عنا، فأصبحت مترهلة ومبذرة وغير مؤثرة، وعندما بدا العالم يتغير من حولها، وجدنا أنها عجزت بشكل واضح عن التغير معه بطريقة تمنحها الأمل والقوة الكافية لمواكبة تلك المتغيرات الراهنة والمستقبلية.
وكما يقول ديفيد اوزبورن في كتاب إعادة اختراع الحكومة الصادر في طبعته الأولى غير العربية في العام 1991م، وهو احد أهم الاساتذه والمحاضرين في الإدارة العامة في وقتنا الراهن وعمل في وقت ما كبيرا لمستشاري نائب الرئيس الاميركي السابق آل جور مع فريق عمل حكومي في مشروع نائب الرئيس “لمراجعة الأداء الوطني”في العام 1993م حيال هذا الأمر – أي نهاية عصر البيروقراطية:( أن البيروقراطيات الهرمية والمركزية المصممة في ثلاثينيات القرن 20 واربعينياته لم تعد تستطيع ببساطة أن تعمل جيدا في مجتمع التسعينيات واقتصادها الآخذين بالتغيير السريع والغنيين بالمعلومات والمعرفة المكثفة، بل أنها تشبه سفن الرفاهية الباذخة التي تقوم برحلات عبر المحيط في عصر النفاثات الأسرع من الصوت، فهي كبيرة وبطيئة الحركة، وثقيلة وباهظة التكاليف ومن الصعب جدا جعلها تغير اتجاهها، ولذا فان أنواعا جديدة من المؤسسات العامة آخذة في الحلول مكانها بالتدرج) فكيف بنا وبها ونحن مقبلون على الاقتراب من الألفية الثالثة من القرن 21.
لذا فان اغلب حكومات العالم التي لا زالت ترزح تحت وطأة ورحمة البيروقراطية ستكتشف خلال الفترة القريبة القائمة والقادمة أن فكرة السيطرة المركزية كأسلوب وإستراتيجية للإدارة العامة للدول وشؤونها وسياساتها قد بدأت تفلت منزلقة من بين أيديها مهما حاولت التشبث بها بكل قوة، كما أن المشاهد لما آل إليه واقع تلك الحكومات وهي تشكل اليوم 75% من حكومات العالم تقريبا والتي لازالت تتبع عصور البيروقراطيات والقوانين شديدة التعقيد واحتكار المكاتب لإدارة شؤون الدولة والحياة العامة في عصر الميجا حدث، والمؤسف أكثر هو إصرار اغلبها على فكرة قدرة تلك البيروقراطيات على مواصلة العطاء والإنتاج بطريقة آمنة وقابلة للاستمرار والثبات في عصر العولمة وثورة المعلومات، تعيش الكثير من التخبط والترهل والتراجع في أداء مؤسساتها وثقة العاملين والمستفيدين من خدماتها وضعفها في التواصل مع العالم الخارجي من جهة ومع مواطنيها في الداخل من جهة أخرى، ما نتج عنه الكثير من الأزمات الداخلية والخارجية في مختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك.
إذا فان هذه القياسات التاريخية والراهنة تساعدنا على فهم بعض القوى التي ستشكل السياسات الحكومية وتوجهاتها وتطوراتها وأنشطة الحكم في القرن 21، وكما أشار إلى ذلك الاقتصادي شارلي كندلبيرغر في كتابه المركزية ضد التعددية والصادر في العام 1996م بقوله: ( إن مسالة الكيفية التي سيتغير بها الخط في اتجاه المركز أو بعيدا عنه ربما تظل غير محلولة لفترات طويلة، وهي فترات ستكون مشحونة بالتوتر)، فإذا كانت الدولة – الأمة قد أصبحت اصغر من أن تطيق التعامل مع المشاكل الكبرى في الحياة واكبر من أن تنهمك في المشاكل الصغرى فقد لا نجد مركزية أو لا مركزية، بل انتشار مشتت لأنشطة إدارة الحكم في اتجاهات كثيرة في الوقت نفسه.
رغم كل ذلك فلدينا أمل كبير في استثمار المستقبل من خلال تبني نوع جديد من الحكومات والمؤسسات والمنظمات، لا تنظر للمستقبل بعين واحدة أو من خلال زجاج ملون، بل ترى الأشياء بوضوح كما هي بعيدة عن المصانعة والمداهنة والمكابرة ومراكز الأضواء، حكومات رشيقة متجددة ولا مركزية، ثم أنها مرنة وقابلة للتكيف مع المتغيرات والظروف سريعة التعقيد والبيئات التنافسية سريعة التغيير، والأزمات المتزايدة والمتجددة كل لحظة، كما أنها قابلة وسريعة التعلم لتلك الطرق الجديدة والمبتكرة والرائدة عندما تتغير الظروف والأوضاع من حولها.
هكذا نجد أن المستقبل سيكون لتلك الحكومات والمنظمات والمؤسسات العامة والخاصة التي ستحارب مركزية السلطات والصلاحيات وتعقيد القوانين، وستهدم حالات التسلسل الهرمي والبدانة الرسمية، وستركز على الجودة النوعية، والاقتراب من مواطنيها أو- بمعنى آخر – المستفيدين من خدماتها، وستقدر على التحول من البيروقراطية التقليدية إلى الريادة في الأفكار والتوجهات والاستراتيجيات واختيار القادة المناسبين والمبدعين لحملها والتقدم بها إلى الأمام، وستتخلص من المبادرات العتيقة التي عفا عليها الزمن كما هو حال مؤسساتها والقائمين عليها من المسئولين والإداريين، ومستعدة لان تعمل أكثر بموارد اقل، كل ذلك بهدف المحافظة على مكانتها وثبات بناءها، ومن ثم التنافسية في السوق العالمية.

إلى الأعلى