الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مشهد سقوط شاوسكو

مشهد سقوط شاوسكو

ثمانية وأربعون عاما عاشها أحمد حتى الآن، ثلاث سنوات منها قبل السبعين. لا يكاد يتذكر من السنوات الثلاث الأولى من حياته شيئا غير والده الذي كان يعقد حلقات دراسية أسبوعية لتعليم القرآن لأخوته الأكبر منه، ووالدته التي كانت تقضي فترة الضحى في المطبخ تعد وجبة الغداء للعائلة.

وخادمته الأفريقيه شاوسكو التي سقطت متوفية وهي تحمله في حضنها، وأسرعت والدته إليهما حين سمعته يبكي على غير عادته وهو برفقتها، ورأت شاوسكو ملقاة على الأرض دون حراك، وهي لا تزال تضمه بجسده الصغير بكلتا يديها، وكأن شاوسكو شعرت بأن أجلها قادم إليها؛ فتمسكت به حتى لا يتعرض للأذى وقت ارتطامها بالأرض.
لا يتذكر هل هذه الواقعة فعلا يتذكرها نتيجة معايشة ذاتيه قديمة ترسخت في فكره ووجدانه، رغم حدوثها في عمره المبكر الذي لا يتعدى الثلاث سنوات؟، أم أن هذه الواقعه مما سردت له والدته ذات يوم، فكان للواقعه الأثر النفسي العميق الجذور في مشاعره، فاعتقد أنه فعلا وعى لمشهد سقوط شاوسكو وهي تجاهد ألا يسقط هو أيضا أسفلها بسقوطها؛ فيختنق لوقع ثقلها الكبير عليه ويموت بموتها، وهل من بعمر ثلاث سنوات يتذكر الأحداث ؟! ولكنه يشعر بأن الذاكره تهب عليه من مخزون أروقة رؤاه الواقعية الموغلة في القدم، ولا يعتقد بأنه سرد سمعه لامس شغاف قلبه، بل حادثة وقعت أمامه، أبصرها بعينه.
سقطت شاوسكو يا بني، وجل تفكيرها أن تنقذك من قوة ارتطامها بالأرض، شعرت دوما بأنها ليست إلا المؤتمنة عليك، ترعاك وتعتني بك، ورسالتها المحافظه عليك دوما، حتى وقت احتضارها ووفاتها. فبقيت كما أنت، لم تتأثر بوفاتها، ولم تتضرر لأنها أنقذتك من وقع سقوطها.
وافاها الأجل المحتوم، نهاية كل حي، وكانت تحبك حبا شديدا، وتأبى مفارقتك، شاوسكو واحده منا، وقد ولدت بيننا، فلهذا نعتبرها من أهل الدار.
كان جدك قد جلب جدها وجدتها من أفريقيا ليخدما في دارنا، حين كانا في عزّ شبابهما، فتزوجا هنا في مسقط، وأنجبا طفلة واحدة، وسمح لهما جدك أن يستقلا بنفسيهما، ويبحثا عن عمل آخر ويكونا أسرتهما في أي مكان. ولكن فضلا أن يبقيا في خدمتنا في بيتنا الكبير؛ ليعيشوا في ملحق مخصص لهم عند مدخل الدار. وتربت طفلتهما معهما في الدار، وكبرت وتزوجت من أحد الخدم الذي كان يأتي ليقيم معها مساء في ملحق والديها، وأثمر زواجهما على إنجاب شاوسكو التي كبرت هي ايضا في هذه الدار الكبيرة ذات الغرف الكبيره والملاحق المتعددة، واستمرت تخدم معنا مثل جدها وجدتها ووالدتها. الى أن أتى جيل ورحل جيل، وكان لا بد أن نترك البيت الكبير ليتقاسم إرثه الورثة بعد مرور الزمان، فبقاء الحال من المحال.
انتقلنا إلى بيت أصغر، ولكنه أحدث بمقاييس ذلك الزمان، وانتقلت شاوسكو معنا، ولكن لم يحالفها الحظ في الزواج، فكرست حياتها لخدمتك يا بني والمعاونة في الاعتناء بالبيت. كانت عيناها دائما ما تلاحقك بعنايه واهتمام . كانت تتمتم بكلمات غامضه وأنت تخطو خطواتك الأولى حين بلغت العام. وحين نطقت كلماتك الأولى، ومن يومها لم تتوقف عن التمتمة كلما كانت معك. شاوسكو يا بني قد تنبأت بقدومك قبل ولادتك وقالت إن المولود القادم ذكر، سيكون له شأن أكبر في المستقبل دون أخوته.
كانت في أشد الفرح وأسعد الناس حين تكون معك، كانت تنظر إليك بالساعات وأحيانا لا يبدو من عينيها إلا البياض وهي تتمتم.
كنا لا نعتقد بأن شاوسكو امرأة عادية، كانت لديها قدرات روحية ورثتها عن سلالتها. وهبها الله لها. كانت قليلا ما تنام، تبقى متيقظة طوال الليل، تجلس لوحدها في الظلام في الحوش، وإذا صادف أن خرج أحدنا، يراها مستيقظة وتقول بأنه يكفيها من النوم في اليوم ثلاث ساعات، ولكن أحدا منا لم يرها نائمة قط، وتبقى ليلا تنظر إلى السماء وسهم عينيها يخترق الفضاء إلى مكان ما، في جهة ما، بين نجوم السماء. وصباحا تركز نظرها عليك، ذاك ديدنها منذ ولادتك وحتى وفاتها.
شاوسكو امرأه لا تتحدث كثيرا، وإنما هي امرأة استثنائية في محبتها لك والعناية بك وحمايتك، استثنائيه في هدوئها وغموضها، لا نعرف ما تتمتمه ولم تخبرنا عنه إلا في الأيام الأخيره قبل وفاتها.
قالت : تلك بعض من الكلمات المباركة لهذا الطفل المبارك، بعض من الدعاء، بعض من الموسيقى، بعض من السحر المباح.
وأشارت إليك يا بني وأكملت قولها: حافظوا عليه، اهتموا به، فأنا حارسته سأمضي، ولكن سأبقى أنظر إليه حيث أكون، ولتحرسه عناية الله، وهذه آخر كلمات سمعناها منها.

نمير بن سالم آل سعيد

إلى الأعلى