الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: دلالات الدور العماني في استقرار ليبيا

في الحدث: دلالات الدور العماني في استقرار ليبيا

طارق أشقر

يشير التقدم الذي أحرزته مباحثات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي التي انطلقت في مدينة صلالة منذ السبت، إلى العديد من الدلالات الهامة للدور العماني في هذه المباحثات الهادفة لتعزيز الاستقرار في ليبيا الشقيقة.
وأبرز تلك الدلالات هو أن نجاح السلطنة في تهيئة المناخ اللازم للتقارب بين الأطراف المتحاورة من أجل التوصل للصيغة المناسبة للدستور الذي سيطرح للاستفتاء العام على الشعب الليبي لاحقا، سيعتبر التتويج الأحدث لمساعي الدبلوماسية العمانية لتحقيق السلام في المنطقة العربية مهما بعدت جغرافية المكان لقضايا الاستقرار التي توليها السلطنة اهتمامها.
كما أن الخطوة نفسها تعتبر مواصلة للمنجزات التوفيقية التي خطتها الدبلوماسية العمانية على صفحات تاريخ جهود السلم والبحث عن الحلول التي تضمن استقرار البلدان الشقيقة والصديقة، لتكن الخطوة نحو السلام الليبي موصولة بحلقات سلسلة التوافقات والجهود العمانية التي أسهمت في الوصول إلى تسوية الملف النووي الإيراني، وعملت على الدفع بأطراف الصراع السوري نحو طاولة المفاوضات، وأسهمت في توفير المناخات اللازمة لمد العون الإنساني لضحايا الصراع في اليمن السعيد، مع تواصل تأكيدها الدائم على أهمية التسوية السلمية للأزمة اليمنية وأهمية الجمع بين أطرافها على طاولة المفاوضات.
ورغم أن النجاحات المتتالية للدبلوماسية العمانية في تسوية الصراعات بالمنطقة العربية، تعتبر من الأحداث المعاصرة للجيل الحديث المعاصر لهذه الأحداث والشاهد عليها، إلا أنها بالضرورة ليست منفصلة عن الإرث العماني القديم في توفير البيئات الاقتصادية لاستقرار الإنسان في شرق إفريقيا، وتهيئة المناخات السياسية للجمع بين الرموز السياسية الوطنية الحادبة لإقرار العدالة والسلام في بلدانها والتقريب بين مرئياتهم، فضلا عن أن عمان يشهد لها التاريخ بأنها دائما تولي الجوانب الإنسانية أولويتها القصوى دون تدخل من جانبها في الشؤون الداخلية للآخرين، فأصبحت بذلك محط أنظار الكثير من السياسيين الباحثين عن بلاد آمنة تضمن حياتهم شريطة عدم ممارسة أي أعمال عدائية أو سياسية انطلاقا من أراضيها.
وفي هذا السياق تطل في الأفق بعض الأحداث التاريخية التي تعزز دلالات الدور العماني الهام، مما يؤكد على أن العلاقات بين الشعب الليبي والعماني تمتد جذورها إلى أعماق تاريخية بعيدة، حيث يمثل سليمان الباروني نموذجا هاما لخصوصية تلك العلاقة، تلك الشخصية السياسية الليبية التي شغلت مساحات كبيرة في التاريخ السياسي الليبي، وهو مولود عام 1870 وأسهم في إنجاح العديد من المبادرات السياسية الليبية في تلك الفترة عبر شغله لعضوية مجلس المبعوث العثماني، كما أدت جهوده إلى طباعة العملة (البارونية) في ليبيا، وفي تأسيس الجمهورية الطرابلسية، والمدرسة البارونية بليبيا، ومحاربة الإيطاليين ، حيث واصل مجهوداته حتى (اعتزل العمل السياسي الليبي ) فاستقر به المقام في عمان آمناً مطمئنا على نفسه عام 1924م .
وعلاوة على كل ذلك يرتبط الشعبان الليبي والعماني بعلاقات ثقافية عريقة، وذلك في حال الأخذ بكلمة ثقافة بمفهومها العلمي الواسع وليس السطحي، حيث تربط الكثير من العموميات والخصوصيات الثقافية بين العمانيين والليبيين خصوصا في برقة والصحراء الليبية ونفوسة وسرت وفزان وضواحي طرابلس وغيرها.
وعليه ورغم تعدد الدلالات الهامة للدور العماني، فإن تهيئة السلطنة لمناخات التفاوض والحوار للهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي، تلك الهيئة المنتخبة بموجب القانون رقم 17 الصادر عن البرلمان الليبي عام 2013 والمكونة من ستين عضوا مختارين من ثلاث مناطق انتخابية بواقع عشرين عضوا لكل منطقة انتخابية في ليبيا، فتعتبر هذه التهيئة إنجازا للدبلوماسية العمانية يشار إليه بالبنان ويضاف إلى إنجازاتها المتواصلة في مجال تحقيق أمن واستقرار المنطقة العربية.

إلى الأعلى